لأن المفكر الراحل جورج طرابيشى كان جارا لى فى بلدة «كريتاى» فى الضاحية الباريسية طوال ما يزيد على عقد ونصف العقد من السنين، وكان بيتانا يجاوران بحيرة صناعية ساحرة فى واحدة من أكثر البلدات اشتراكية وتسامحا فى فرنسا، كنا نلتقى هو وأنا يوميا تقريبا لنتمشى ساعات حول البحيرة. ولما كان طرابيشى مولعا بالفكر، وبالكاد يتناول فى أحاديثه شئونا أخرى من شئون العيش والحياة، كان من الطبيعى أن ينقل إلى عدوى ذلك، وبخاصة أنه غالبا ما كان يختار من مكتبتى الغنية ما يشاء للقراءة أو حتى لـ «العمل». وهو كما نعرف، كانت القراءة والكتابة عمليه الرئيسيين فى حياته اليومية خلال العقود الأخيرة من تلك الحياة.
والحقيقة أن الأوقات التى كنا ندور فيها حول البحيرة ونتجاذب الحديث، ستبدو لى لاحقا من أغنى ما تيسر لى خلال تلك المرحلة من عمرى؛ ففى تلك الفترة صدر لطرابيشى معظم الكتب السجالية التى سعى من خلالها إلى خوض نقاشات كان يرى أن الوقت قد حان ليخوضها المفكرون العرب.
طبعا خلال تلك المرحلة، أى العقدين الأخيرين من القرن العشرين، كانت قد باتت وراءه السجالات البالغة الحدة التى حاول افتتاحها بشكل خاص مع الدكتور حسن حنفى ثم مع الدكتورة نوال السعداوى. مع الأول تبدت السجالات سريعة تحت شعار «العصاب الجماعى» الملمّ بالمثقفين العرب، ومع الثانية تبدت واهية لكنها أسفرت عن كتابه «أنثى ضد الأنوثة» الذى سعى فيه لـ «نسف» أسطورية نسوية الكاتبة والمفكرة المصرية الكبيرة. ونعرف اليوم طبعا أن ما كان يتطلع إليه طرابيشى من «إثراء» الثقافة العربية بسجالات كاشفة، تمخض عن فشل ذريع؛ بالنظر إلى أنه، فيما راح يشحذ «أسلحته الفكرية» بحسب تعبيره لـ«مقارعة الحجة بالحجة والفكرة بالفكرة»، رأى النقاش يخبو فورا و«كفى الله المؤمنين شر القتال» بحسب قوله أيضا. والأدهى من ذلك أننا لم نكن قد وصلنا بعد إلى زمن وسائل التواصل الاجتماعى التى كان من شأنها، لو وجدت، أن تثرى النقاش ولو بالطرق الأردأ والأسخف كما حالها اليوم.
المهم أن إخفاق هذين السجالين لم يحزن جورج طرابيشى كثيرا، لكن إخفاق «السجال الثالث» سوف يحزنه ويصيبه بخيبة أمل، لا شك أنها أوقعته فى يأس لا برء منه فى آخر أيامه. ونعنى بذلك «سجاله» الذى لم يُخض مع محمد عابد الجابرى، المفكر المغربى الأكثر مقروئية وتأثيرا فى العالم العربى خلال الربع الأخير من القرن العشرين. ولعل أكثر ما أحزن طرابيشى أن الجابرى رفض فى الأساس خوض النقاش معه، غير مخفٍ أن السبب الأساسى الذى يدفعه إلى ذلك الاستنكاف كون «جورج طرابيشى مسيحيا، وأنا لن أخوض نقاشات حول الإسلام مع مفكر غير مسلم، مع كل تقديرى واحترامى للصديق السيد طرابيشى وفكره».
والحقيقة أن هذه الجملة لم يخبرنى بها جورج طرابيشى، ولا قرأتها فى حوار مع الجابرى أو فى حديث معه، بل سمعتها منه بأذنى يقولها بهدوء واحترام حين سألته حول هذا الموضوع خلال حوار مطول أجريته معه ونُشر فى صحيفة «الحياة»، التى أجريت عند نهايات القرن الفائت سلسلة حوارات لها، أعدتُ نشرها كما هى فى كتاب لى أصدرته تحت عنوان «حوارات النهضة الثانية»، وكان الجابرى وطرابيشى لا يزالان على قيد الحياة.
أجل، لقد رفض الجابرى خوض السجال مع جورج طرابيشى «لأن هذا الأخير مسيحى، ولا يمكن مساجلته فى شئون المسلمين». والحقيقة أننى حين سمعت هذا القول من صاحب «نقد العقل العربى» بأجزائه العديدة، والكتاب الأفضل الذى صدر عن ابن خلدون، والمؤلفات العديدة الأخرى التى تناول فيها الجابرى شئون الثقافة والتراث وما إلى ذلك فى الحياة الثقافية العربية ماضيا وحاضرا، فوجئت بل ذهلت. وحتى حين نقلت الحكاية كما هى فى مقدمة الحوار الذى أجريته معه لـ «الحياة»، كدت لا أصدق نفسى أن الجابرى الذى كان قد تحول فى ذلك الحين إلى أيقونة حقيقية للفكر العربى، يمكن أن يقول لى هذا الكلام؛ لكنه قاله بل عاد وكرره أمام غيرى مرات ومرات.
لكن جورج طرابيشى، حتى ولو أن الحكاية كلها قد أحزنته، لم يعلق على الأمر كثيرا. فهو فى ذلك الحين كان يتابع إصدار مجموعة الكتب التى عنونها كلها بـ «نقد نقد العقل العربى»، راغبا لها أن تكتمل فى ثمانية أجزاء تتجاوز بالطبع السجال الذى كان يتطلع إلى خوضه مع «المفكر الزميل» بحسب توصيفه، لتعيد النظر فى العديد من الشئون التاريخية والفكرية المتعلقة بالتراث العربى، ولكن دائما انطلاقا من أخطاء تقنية أو تاريخية أو هنات معرفية، وحتى نواقص فى الترجمة، راح يترصدها لدى «صاحب نقد العقل العربى» كما بات الاسم الرسمى وربما «التقريعى» أيضا للجابرى فى نظره.. وشكليا على سبيل المداعبة الفكرية. بالنسبة إلى طرابيشى لن يكتمل المشروع إلا فى ثمانية أجزاء، أما بالنسبة إلى الجابرى فإنه لم يبالِ سواء اكتمل المشروع أو لم يكتمل، كان يرى أن المفكر السورى يخوض شأنا لا علاقة له به ولا يستأهل أى تعليق!
بالفعل فى النهاية أصدر طرابيشى الأجزاء الثلاثة الأولى من مشروعه النقدى تحت عناوين أتت متحلقة حول الفكرة المحورية فى المجموعة وهى العقل العربى ونقده. صحيح أن القراء أقبلوا على الكتب التى أصدرها طرابيشى تباعا وقرأوها، ولكن فيما كان طرابيشى يخطط للجزء الرابع من تلك السلسلة، حدث ما لم يكن لا فى حسباننا ولا فى حسبان جورج طرابيشى نفسه: رحل محمد عابد الجابرى عن عالمنا بصورة مباغتة. وعلى الفور قرر المفكر السورى العريق أن يوقف مشروعه عند جزئه الرابع الذى كان قد صدر بالفعل قبل سنوات، ودائما وسط صمت «أبى الهول» الجابرى. وهو لما كان قد انطلق بالفعل فى التخطيط للجزء الرابع (أو ما يليه)، أبدل ما كان قد خطط له بكتاب ضخم جديد، قد يبدو وكأنه منطلق من المشروع نفسه لكنه فى الحقيقة يتناول شأنا آخر لا علاقة واضحة للجابرى به؛ ونتحدث هنا بالطبع عن كتابه «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث» الذى لا يقل عدد صفحاته عن 640 صفحة.
والحقيقة أننى حين سألت الصديق جورج طرابيشى عن الأمر بعدما كنت قد قرأت هذا الكتاب الأخير بشغف، وبدا لى واحدا من أعمق وأفضل الكتب المتعلقة بالإسلام والتى صدرت فى تلك الآونة، وعما إذا كان يختلف كثيرا عما كان يخطط له بالنسبة إلى الأجزاء المفترضة لسلسلة «نقد نقد العقل العربى»، ابتسم بمرارة وهو يقول إنه لعله كان يريد منه أن يكون جزءا من السلسلة المتعلقة بتعامله مع فكر محمد عابد الجابرى، لكن «خسارتنا لهذا المفكر العربى الكبير جعلتنى أتوقف عن أية رغبة فى السجال لا مع فكره ولا مع الآخرين. فأنا وبصراحة يا صديقى إذا كنت قد فشلت فى جر الجابرى إلى هذا النوع وهذا المستوى من السجال البناء حول الفكر والعقل العربيين، لست أرى مع من يمكننى أن أتساجل…». وهنا وبعد أن ازدادت مرارته وهو يدمدم: «لقد كسبتَ رهانك معى.. نعم لقد وقع فكرى ضحية لاسمى!»، سألته عما إذا كان يسمح لى بنشر هذا الكلام، سألنى وهو ينظر إلى البعيد: «هل تعتقد أن الأمر يهم أحدا حقا؟»