لماذا لن تحقق الحرب على إيران أمن الخليج؟ - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
السبت 14 مارس 2026 11:24 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

لماذا لن تحقق الحرب على إيران أمن الخليج؟

نشر فى : الجمعة 13 مارس 2026 - 5:40 م | آخر تحديث : الجمعة 13 مارس 2026 - 5:40 م

الحرب الدائرة ضد إيران وما تلحقه بها من دمار واسع فى بنيتها العسكرية والصاروخية قد توحى، للوهلة الأولى، بأن دول الخليج العربى ستخرج منها ببيئة أمنية أكثر استقرارًا. فإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصًا فى مجال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، سيحد بلا شك من قدرة طهران على تهديد المدن والمنشآت الحيوية فى الخليج كما حدث فى أكثر من محطة خلال السنوات الماضية. كما أن تدمير أجزاء من البنية العسكرية الإيرانية سيقلص قدرة الجمهورية الإسلامية على تمويل وتسليح الشبكات المسلحة المرتبطة بها فى الإقليم، وهى الشبكات التى اعتمدت عليها طهران طويلًا لبناء نفوذها الإقليمى خارج حدودها. غير أن هذه النتائج، على أهميتها، لا تعنى أن التعايش بين إيران وجوارها العربى فى الخليج سيصبح أكثر سهولة. فالدمار العسكرى لا يعيد تلقائيًا بناء الثقة السياسية، والدول التى تخرج من الحروب ضعيفة ليست بالضرورة أكثر ميلًا إلى الاعتدال أو إلى الاندماج فى بيئتها الإقليمية.
فالحرب، حتى لو نجحت فى تقليص القدرات العسكرية الإيرانية، ستترك وراءها دولة كبيرة جغرافيًا وسكانيًا لكنها مثقلة بالخسائر العسكرية والاقتصادية وتعيش حالة عزلة إقليمية عميقة. مثل هذه الدول غالبًا ما تصبح مصدرًا لعدم اليقين الاستراتيجى أكثر من كونها شريكًا قابلًا للاندماج فى ترتيبات إقليمية مستقرة. فالضعف العسكرى لا يلغى الطموحات الجيوسياسية ولا يبدد السرديات الأيديولوجية التى تشكل سلوك الدولة الخارجى، بل قد يدفعها فى بعض الأحيان إلى البحث عن أدوات بديلة لتعويض خسائرها وإعادة بناء مكانتها.
وفى حالة إيران، فإن تصورها للأمن الإقليمى منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام ١٩٧٩ لم يقم على فكرة التعايش المتوازن مع جوارها العربى بقدر ما قام على مزيج من الردع والصراع وتوسيع النفوذ عبر أدوات غير مباشرة. وقد اعتمدت طهران على مدى عقود على شبكة واسعة من الحلفاء والتنظيمات المسلحة فى الإقليم، وعلى تطوير قدرات صاروخية ومسيرات متقدمة نسبيًا، كوسيلة لتعويض ما تراه اختلالًا فى ميزان القوى التقليدى بينها وبين خصومها الإقليميين والدوليين. وإذا كانت الحرب الحالية قد تؤدى إلى إضعاف هذه القدرات، فإنها لن تغير بالضرورة الأساس الفكرى والاستراتيجى الذى قامت عليه السياسة الإقليمية الإيرانية.
من هنا، فإن دول الخليج قد تجد نفسها بعد الحرب أمام مفارقة معقدة: إيران أقل قدرة عسكريًا على تهديدها بصورة مباشرة، لكنها فى الوقت نفسه أكثر شعورًا بالحصار وأكثر ميلًا إلى استخدام أدوات الصراع غير المتكافئ لتعويض خسائرها. وهذا النوع من السلوك هو ما يجعل التعايش مع دولة خرجت لتوها من حرب مدمرة أمرًا بالغ الصعوبة، لأن ضعفها لا يترجم بالضرورة إلى سياسات أكثر اعتدالًا بل قد يدفعها إلى أنماط جديدة من المغامرة أو التخريب غير المباشر.
كما أن الحرب ستترك آثارًا عميقة فى الوعى الأمنى لدول الخليج نفسها. فالهجمات التى تعرضت لها منشآت النفط والمدن والبنية التحتية خلال مراحل التصعيد المختلفة ستظل حاضرة فى الذاكرة الاستراتيجية لدول المنطقة. وحتى لو أدت الحرب إلى تدمير جزء كبير من الترسانة الصاروخية الإيرانية، فإن دول الخليج ستظل تنظر إلى إيران باعتبارها دولة قادرة على إعادة بناء قدراتها بمرور الوقت، خصوصًا أنها تمتلك قاعدة صناعية وعلمية ليست محدودة.
• • •
هذا الإدراك سيجعل السياسات الخليجية فى مرحلة ما بعد الحرب أكثر ميلًا إلى الردع والاحتواء منها إلى الانفتاح والتقارب. فالدول التى تعرضت لتهديد مباشر من جار إقليمى كبير لن تتخلى بسهولة عن هواجسها الأمنية حتى بعد إضعاف ذلك الجار عسكريًا. ومن المرجح أن يؤدى ذلك إلى تعميق التعاون الدفاعى مع الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى، وتسريع برامج الدفاع الصاروخى، وبناء منظومات ردع أكثر تطورًا، وهى كلها خطوات ستنظر إليها إيران باعتبارها جزءًا من سياسة احتواء موجهة ضدها.
ولا يقتصر أثر الحرب على الجانب العسكرى أو الأمنى، بل يمتد أيضًا إلى البعد السياسى للعلاقات الإقليمية. فالدمار الذى ستتعرض له إيران سيضعف قدرتها على تقديم نفسها كقوة إقليمية أو كبديل للنظام الإقليمى القائم فى الخليج. غير أن هذا الضعف قد يدفع النظام الإيرانى إلى مزيد من التشدد بدلًا من المراجعة. فالأنظمة التى تتعرض لضغوط خارجية حادة كثيرًا ما تلجأ إلى خطاب المقاومة والصمود لتعزيز تماسكها الداخلى وتبرير استمرار سياساتها الصراعية.
وفى هذا السياق، ستزداد صعوبة بناء رواية مشتركة حول أسباب الحرب ونتائجها. فإيران ستقدم ما جرى باعتباره عدوانًا استهدف سيادتها ومحاولة لإخضاعها، بينما ستنظر دول الخليج إلى الحرب باعتبارها نتيجة مباشرة لسياسات إيرانية توسعية هددت استقرار المنطقة لسنوات طويلة. هذا التباين فى الروايات سيجعل إعادة بناء الثقة السياسية بين الطرفين مهمة شديدة التعقيد.
• • •
ولعل تجربة الخليج مع نظام الرئيس العراقى الراحل صدام حسين تقدم مثالًا تاريخيًا مهمًا على هذه الإشكالية. فبعد أن أقدم النظام العراقى على غزو الكويت فى عام ١٩٩٠، تعرض العراق لهزيمة عسكرية قاسية واضطر إلى الانسحاب من الكويت تحت ضغط عسكرى دولى كبير. ومع ذلك، لم يؤد خروج العراق من الكويت وإضعاف قدراته العسكرية إلى خلق بيئة إقليمية يمكن لدول الخليج أن تتعايش فيها بسهولة مع نظام صدام حسين.
فقد بقى النظام العراقى فى الحكم طوال التسعينيات وحتى الغزو الأمريكى فى ٢٠٠٣. غير أن دول الخليج لم تنظر إليه خلال تلك الفترة باعتباره جارًا يمكن الوثوق به أو شريكًا إقليميًا طبيعيًا. صحيح أن العراق خرج من حرب الكويت بقدرات عسكرية أضعف وتحت نظام عقوبات دولية صارم، غير أن التجربة المريرة لغزو الكويت جعلت الثقة بينه وبين محيطه الخليجى شبه معدومة. وبقيت العلاقة محكومة بالشكوك والهواجس الأمنية إلى أن انتهى حكم صدام حسين بسقوط النظام.
هذه الخبرة التاريخية تعكس حقيقة مهمة فى العلاقات الإقليمية: إضعاف دولة معتدية عسكريًا لا يكفى لإعادة دمجها فى محيطها إذا لم يترافق ذلك مع تغير جوهرى فى سلوكها السياسى واستراتيجيتها الإقليمية. فالذاكرة الأمنية للدول لا تُمحى بسهولة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتهديدات وجودية مثل غزو دولة لدولة أخرى أو استهداف منشآت حيوية وبنى تحتية استراتيجية.
• • •
من هذا المنظور، قد تجد دول الخليج نفسها بعد الحرب مع إيران أمام وضع يشبه، فى بعض جوانبه، ما واجهته بعد حرب الكويت. فإيران التى ستخرج من الحرب أضعف عسكريًا قد تبقى، فى نظر جيرانها، دولة يصعب الوثوق بنواياها الإقليمية. وستظل الشكوك قائمة حول ما إذا كانت ستسعى إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية والعودة إلى سياسات النفوذ والتدخل فى المنطقة.

كما أن إيران، فى ظل تراجع قدراتها العسكرية التقليدية، قد تميل إلى الحفاظ على ما تبقى من أدوات النفوذ غير المباشر فى المنطقة باعتبارها إحدى وسائل الردع القليلة المتاحة لها. وهذا بدوره سيعزز مخاوف دول الخليج ويجعلها أكثر تمسكًا بسياسات الاحتواء والردع.
بذلك، فإن نهاية الحرب لن تعنى بالضرورة بداية مرحلة جديدة من التعايش بين إيران وجوارها العربى فى الخليج. فحتى لو تقلصت قدراتها العسكرية وتراجعت قدرتها على تهديد أمن الخليج بصورة مباشرة، فإن الإرث السياسى والاستراتيجى للصراع سيظل حاضرًا لسنوات طويلة. فالتعايش الإقليمى لا يقوم فقط على توازن القوى، بل يعتمد أيضًا على الحد الأدنى من الثقة المتبادلة، وهى الثقة التى يبدو أن الحرب، بكل ما تحمله من دمار وخسائر، ستجعل إعادة بنائها أكثر صعوبة من أى وقت مضى.

أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى

 

عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي
التعليقات