تُمثّل حرب إيران ٢٠٢٦ لحظة كاشفة فى تاريخ الصراعات فى الشرق الأوسط، ليس فقط لأنها أطلقت موجة جديدة من العنف الواسع، بل لأنها تعكس نمطا متكررا من السلوك السياسى والعسكرى لدى أطراف متعددة. فمن جهة، تُجسد هذه الحرب امتدادا واضحا لنزوع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى اللجوء للأدوات العسكرية بوصفها وسيلة مفضلة للتعامل مع التهديدات، حتى فى الحالات التى كان يمكن احتواؤها أو إدارتها عبر القنوات الدبلوماسية. ومن جهة أخرى، تقدم الحرب دليلا إضافيا على الطبيعة العدوانية للسياسات الإيرانية، التى لم تعد موجهة فقط ضد إسرائيل أو المصالح الأمريكية، بل امتدت بشكل مباشر وخطير إلى دول الجوار العربى، لا سيما فى الخليج، عبر هجمات لم تميز فى كثير من الأحيان بين الأهداف العسكرية والمنشآت المدنية. وفى المحصلة، فإن تفاعل هذه الديناميات يُنذر بإعادة تشكيل البيئة الإقليمية على نحو يجعلها أكثر هشاشة وأقل قابلية للاستقرار، مع ما يحمله ذلك من كُلف اقتصادية ومجتمعية باهظة.
على مدى عقود، اعتمدت الولايات المتحدة وإسرائيل على التفوق العسكرى كأداة رئيسية لإدارة التهديدات فى الشرق الأوسط. وقد بدا هذا التوجه واضحا فى التعامل مع البرنامج النووى الإيرانى، الذى شهد فترات من التوتر والتصعيد تخللتها محاولات دبلوماسية لم تكتمل. ومع ذلك، فإن قرار الذهاب إلى الحرب فى ٢٠٢٦ يعكس قناعة راسخة لدى صناع القرار فى واشنطن وتل أبيب بأن القوة العسكرية قادرة على حسم الصراع أو على الأقل إعادة تشكيل ميزان القوى بشكل جذرى. غير أن هذا التصور يتجاهل دروسا عديدة من تجارب سابقة فى المنطقة، حيث لم تؤدِ العمليات العسكرية الواسعة إلى إنهاء التهديدات بقدر ما ساهمت فى إعادة إنتاجها فى أشكال أكثر تعقيدا.
فالحروب التى استهدفت تقويض قدرات خصوم إقليميين كثيرا ما أدت إلى تفكيك هياكل الدولة دون تقديم بدائل مستقرة، وهو ما خلق فراغات أمنية استغلتها جماعات مسلحة وأطراف غير دولية. وفى حالة إيران، فإن استهداف بنيتها العسكرية والأمنية قد يضعف قدراتها التقليدية، لكنه لا يضمن إنهاء نفوذها الإقليمى أو شبكاتها غير المباشرة. بل إن الضربات العسكرية قد تعزز من سرديات المقاومة داخل إيران، وتدفع النظام إلى مزيد من التشدد بدلا من الانخراط فى تسويات سياسية. ومن ثم، فإن اللجوء إلى الحرب يعكس، فى جانب منه، إخفاقا فى استثمار الفرص الدبلوماسية التى كانت متاحة، سواء عبر التفاوض المباشر أو من خلال أطر إقليمية ودولية كان يمكن تطويرها لتقليل مستويات التوتر.
فى المقابل، لا يمكن فهم مسار الحرب دون التوقف عند السلوك الإيرانى ذاته، الذى أسهم بدرجة كبيرة فى دفع المنطقة نحو هذا السيناريو التصعيدى. فقد تبنت طهران، على مدى سنوات، استراتيجية قائمة على توسيع نفوذها الإقليمى عبر أدوات متعددة، من بينها دعم جماعات مسلحة وتطوير قدرات صاروخية وطائرات مسيرة. ومع اندلاع الحرب، انتقلت إيران إلى مرحلة أكثر مباشرة من المواجهة، مستهدفة ليس فقط إسرائيل أو القواعد العسكرية الأمريكية، بل أيضا بنى تحتية حيوية فى دول الخليج.
• • •
هذا التوسع فى نطاق الأهداف يعكس نزوعا عدوانيا يتجاوز منطق الردع التقليدى، إذ لم تعد الهجمات الإيرانية تقتصر على تحقيق توازن مع خصومها المباشرين، بل باتت تشمل أطرافا عربية لم تكن جزءا مباشرا من الصراع. وقد كان لافتا أن بعض هذه الهجمات لم يميز بوضوح بين الأهداف العسكرية والمنشآت المدنية، حيث تعرضت مرافق حيوية مثل الموانئ ومصادر الطاقة لهجمات أدت إلى تعطيل سلاسل الإمداد وإلحاق أضرار بالاقتصادات الوطنية. وهذا الخلط بين العسكرى والمدنى لا يشكل فقط انتهاكا لقواعد القانون الدولى، بل يعكس أيضا استعدادا لاستخدام أدوات الحرب على نحو يضاعف من كلفة الصراع على المجتمعات.
إن استهداف دول الخليج بهذه الطريقة يضعف من فرص بناء نظام إقليمى قائم على التعاون وحسن الجوار، ويعزز من مشاعر عدم الثقة والعداء تجاه إيران. فبدلا من أن تنجح طهران فى تقديم نفسها كفاعل إقليمى يمكن التفاهم معه، تكرس هذه السياسات صورة دولة مستعدة لتوظيف القوة بشكل واسع لتحقيق أهدافها، حتى على حساب استقرار جيرانها. وهذا بدوره يدفع الدول العربية إلى تعزيز تحالفاتها الأمنية وتكثيف إنفاقها العسكرى، ما يخلق حلقة مفرغة من التصعيد يصعب كسرها.
• • •
فى ظل هذا المشهد، تبدو البيئة الإقليمية مرشحة لمزيد من التدهور على المدى الطويل. فالحرب لا تقتصر آثارها على الدمار المباشر الذى تخلفه، بل تمتد لتشمل إعادة تشكيل أولويات الدول وسلوكياتها. ومع تصاعد التهديدات، تميل الحكومات إلى إعطاء الأولوية للأمن على حساب الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، وهو ما قد يؤدى إلى تباطؤ مسارات التنمية وزيادة الضغوط الاجتماعية. كما أن تكرار الهجمات على البنى التحتية الحيوية، خاصة فى قطاع الطاقة، يهدد استقرار الأسواق العالمية ويؤثر على عوائد الدول المنتجة، ما ينعكس بدوره على قدرتها على تمويل مشاريع التنمية والخدمات العامة.
على المستوى المجتمعى، تترك الحروب آثارا عميقة يصعب تجاوزها فى المدى القصير. فتصاعد المخاطر الأمنية يخلق حالة من القلق وعدم اليقين لدى المواطنين، ويؤثر على أنماط الحياة والاستثمار والعمل. كما أن الأضرار التى تلحق بالبنية التحتية والخدمات الأساسية تؤدى إلى تراجع مستويات المعيشة، خاصة فى المناطق الأكثر تعرضا للهجمات. وفى بعض الحالات، قد تدفع هذه الظروف إلى موجات نزوح داخلية أو هجرة خارجية، ما يزيد من تعقيد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
إلى جانب ذلك، فإن استمرار الحرب يعزز من دور الفاعلين غير الدوليين، الذين يجدون فى بيئة الفوضى فرصة لتوسيع نفوذهم. فمع تراجع قدرة الدول على بسط سيطرتها الكاملة، تنشط جماعات مسلحة وشبكات غير رسمية تستفيد من الفراغات الأمنية. وهذا بدوره يفاقم من حالة عدم الاستقرار، ويجعل من الصعب الوصول إلى تسويات سياسية شاملة، حيث تتعدد الأطراف وتتشابك المصالح على نحو يعقد أى جهود للتفاوض.
• • •
فى التحليل الأخير، تكشف حرب إيران ٢٠٢٦ عن تلاقى مسارين خطيرين: مسار يعتمد على القوة العسكرية كأداة أساسية لحل النزاعات، ومسار آخر يتسم بتوسيع نطاق الصراع ليشمل أطرافا ومجالات لم تكن تقليديا ضمن دائرة المواجهة. هذا التلاقى لا يؤدى إلى حسم الصراع بقدر ما يساهم فى تعميقه وإطالة أمده، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على الأمن والاستقرار فى الشرق الأوسط. وبينما قد تحقق بعض الأطراف مكاسب تكتيكية على المدى القصير، فإن الكلفة الإجمالية للحرب تبدو مرشحة لأن تكون مرتفعة للغاية، سواء من حيث الخسائر الاقتصادية أو الأضرار المجتمعية أو تآكل فرص السلام.
ومن ثم، فإن الدرس الأبرز الذى تطرحه هذه الحرب يتمثل فى محدودية الحلول العسكرية فى معالجة صراعات معقدة ومتجذرة. فبدون العودة إلى مسارات دبلوماسية جادة، تأخذ فى الاعتبار مخاوف جميع الأطراف وتسعى إلى بناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر شمولا، ستظل المنطقة عرضة لدورات متكررة من العنف. وفى غياب مثل هذه الجهود، يبدو أن الشرق الأوسط مقبل على مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، تتداخل فيها الأزمات وتتفاقم فيها التحديات، على نحو يهدد جديا تحقيق الأمن والتنمية.
أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى