العروبة / القومية العربية فى بدايات السينما المصرية - مايسة مصطفى - بوابة الشروق
الجمعة 17 يوليه 2026 12:32 ص القاهرة

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

العروبة / القومية العربية فى بدايات السينما المصرية

نشر فى : الخميس 16 يوليه 2026 - 7:05 م | آخر تحديث : الخميس 16 يوليه 2026 - 7:05 م

مع عودة الروح القومية إلى الشارع العربى بمناسبة وصول مصر إلى الدور 16 فى كأس العالم لكرة القدم 2026، وإيقاظ الشعور بالأخوة ووحدة الأصل والتاريخ والمستقبل، وبالرغم من خروج مصر من البطولة مرفوعة الرأس، وبفوز أعلى قيمة من الكأس، لا يمكن أن نغفل دور القوى الناعمة المصرية المختلفة، التى أظهرت روح العروبة وعززتها حتى من قبل ثورة 1952، وإعلاء النزعة إلى القومية العربية وزعامة الوطن العربى بقيادة ناصر.
• • •
فى بدايات السينما فى العشرينيات، وهى ما زالت صامتة، كانت باكورة الإنتاج أفلامًا أطلق عليها النقاد والمؤرخون اسم رومانسيات الصحراء؛ وذلك لأنها مستوحاة من التراث العربى، وخاصة البدوى. عندما أراد صناع السينما فى ذلك الوقت إحياء التراث وتصويره على الشاشة الفضية - هذا الفن الوليد الساحر - مثل الأخوين إبراهيم وبدر لاما، والرائدة المنتجة والممثلة والمخرجة عزيزة أمير، قاموا باختيار التراث العربى، فكان فيلم ليلى عام 1927، وقبلة فى الصحراء عام 1928.
ثم شهدت السينما المصرية خلال ثلاثينيات القرن العشرين حدثًا مهمًا كان له أثر عظيم على صناعة السينما فى مصر، وهو تأسيس استوديو مصر على يد طلعت حرب باشا، رائد الاقتصاد المصرى الحديث. لم تقتصر رؤيته على إضفاء الطابع المصرى على صناعة السينما فحسب، بل شملت أيضًا الحفاظ عليها للأجيال القادمة عن طريق حفظ كل الإنتاج المصرى فى أرشيف خاص به. أراد طلعت حرب باشا، أكثر من المخرجين السابقين، إبراز عظمة التاريخ العربى، وكان أول إنتاج عام 1936 فيلمًا من التراث العربى بعنوان وداد، وهو فيلم موسيقى مقتبس من قصة رومانسية كتبها عمر الخيام من كتاب ألف ليلة وليلة. كان إنتاجًا ضخمًا فى ذلك الوقت، وقامت ببطولته المطربة الآنسة أم كلثوم. وبفضل نجاح هذا الفيلم بشكل منقطع النظير، أصبح استوديو مصر الكيان الرائد فى مصر خلال أربعينيات القرن العشرين. واستمر إنتاج أفلام التراث العربى، وأنتج استوديو مصر العديد من الأفلام، أهمها فيلم دنانير، الذى أُنتج عام 1940، وقامت ببطولته أيضًا كوكب الشرق.
وما لا يعلمه الكثيرون، أن فى عام 1941 أنتج الأخوان لاما فيلمًا مهمًا عن السلطان الأيوبى الناصر صلاح الدين، موحد العرب وقاهر الصليبيين، وذلك للأسف لضياع الفيلم، قبل الفيلم المشهور الذى أخرجه يوسف شاهين بحوالى 22 عامًا، عام 1963. وقد قام ببطولة فيلم 1941 بدر لاما مع زوجته بدرية رفعت. واستمرت فى الأربعينيات الرغبة فى إنتاج أفلام التراث العربى، فقام نيازى مصطفى بإخراج سلسلة أفلام، مثل فيلم ابن الصحراء عام 1942، وفيلم رابحة عام 1943، بطولة زوجته كوكا، التى اشتهرت بأدوارها فى هذه النوعية من الأفلام. ثم كان فيلم البدوية الحسناء آخر أفلام بدر لاما، الذى أخرجه عام 1947 قبل وفاته بعام واحد.
وأخيرًا، وليس آخرًا، كيف ننسى كلمات يوسف وهبى الشهيرة فى فيلم غرام وانتقام عام 1944، وهو يتحدث إلى أسمهان، التى لعبت دور مغنية مشهورة فى هذا الفيلم، وهو ينصحها بعمل أوبريت عن مصر العربية بدلًا من رغبتها فى عمل أوبريت عن مصر الفرعونية، ويقول لها: مصر الآن هى عربية الثقافة.
• • •
إذا أردنا تحليل الأسباب وراء هذه العروبة السينمائية فى فترة ما قبل ثورة 1952، فهى ترجع إلى أسباب عدة؛ منها أسباب شخصية لأصحاب الأفلام، ولكن الأهم أسباب اجتماعية وسياسية حقيقية عاشتها الشعوب العربية. بالنسبة للسبب الأول، فهو يرجع إلى رؤى صانعى الأفلام أنفسهم. فعلى سبيل المثال، قدم الأخوان لاما إلى مصر من تشيلى، بعد إقامة فترة فى الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تأثرا بالنجاح الباهر لسلسلة أفلام الشيخ، التى قام ببطولتها الممثل الأمريكى الوسيم الشهير رودولف فالنتينو خلال أوائل عشرينيات القرن الماضى. وقد تشابهت المشاهد فى الإطار والأزياء والهيئة الجسدية للأبطال بين الأفلام الأمريكية والمصرية على حد سواء.
أما السبب الثانى لاختيار موضوع التراث العربى، فهو سبب اجتماعى، ألا وهو شغف المصريين بقصص البدو والقصص العربية. ويعود هذا الشغف إلى فن رواية القصص الشعبية القديم فى مصر، الذى يؤديه الراوى. وقد اشتهر هذا الفن منذ القرن الرابع عشر، وكان موضوعه الرئيسى ملحمة السيرة الهلالية. وقد رواها الشعراء، الذين كانوا يُنشدون الأبيات مصحوبة بموسيقى تُعزف على آلة الربابة. وكانت هذه الرواية تُقام فى الريف خلال الاحتفالات الاجتماعية، كالأعراس وحفلات الختان والتجمعات العائلية. أما فى المدن، فكانت المصدر الرئيسى للترفيه قبل اختراع الراديو والسينما، حيث كانت تُعرض فى المقاهى الشعبية ومنازل الأثرياء. وإلى جانب ملحمة السيرة الهلالية، كانت هناك ملحمة عربية أخرى من التاريخ العربى لاقت استحسانًا كبيرًا من الجمهور، وهى عنترة بن شداد. لذا، كان من المنطقى مواصلة هذا التراث العربى بعد ظهور السينما، التى تُعتبر شكلًا آخر من أشكال سرد القصص، ولكن بتقنيات بصرية حديثة.
أما السبب الثالث لاختيار موضوع التراث العربى، فكان سببًا تقنيًا، وهو سهولة خلق بيئة بدوية صحراوية فى صناعة الفيلم، وتقليل ميزانية الفيلم، خاصة مع وجود معدات ثقيلة فى عصر بدايات السينما. فعلى سبيل المثال، لا يزال البدو المعاصرون يرتدون الأزياء والأنماط التقليدية، كما أن استخدام الجمال - وهى وسيلة النقل نفسها فى الصحراء - كان شائعًا منذ مئات السنين وحتى يومنا هذا. وأخيرًا، سهولة الوصول إلى مواقع التصوير الصحراوية، التى لا تبعد سوى بضعة كيلومترات عن الاستوديوهات والمدينة على حد سواء.
أخيرًا، كان السبب الرابع والأهم سياسيًا، وهو النزعة السياسية المصرية نحو القومية العربية. وقد برزت هذه القومية بشكل عفوى عشية انهيار الإمبراطورية العثمانية فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وكانت بمثابة رد فعل على تتريك كمال أتاتورك فى تركيا والبلاد التابعة لها من جهة - أى تغيير اللغة من العربية إلى التركية - وحركات التبشير والاستعمار الجديد من جهة أخرى. فقد احتل الإنجليز مصر عام 1882، ثم السودان، كما احتلت فرنسا الجزائر عام 1830، وتونس عام 1881، وفرضت الحماية على مراكش عام 1912، كما احتلت إيطاليا ليبيا عام 1911.
• • •
كان حكام مصر أول من دعموا بقوة الاتجاه إلى القومية العربية فى تلك الأثناء، مثل الملك فؤاد (1917-1936)، ومن بعده ابنه الملك فاروق (1936-1952). والحقيقة أنهم تمنوا - كما يقال - أن يضربوا عصفورين بحجر واحد؛ فمن ناحية، أرادوا التخلص من السلطة الإنجليزية، ومن ناحية أخرى، إعلان أنفسهم، وخاصة الملك فاروق، سلطانًا جديدًا للعرب.
ولكن، مع الأسف، واجهت القومية بعد الحرب العالمية الأولى أحداثًا خطيرة وكبيرة فرضها الاستعمار الأوروبى، مثل معاهدة سايكس/بيكو، التى تمت عام 1916، والبدء فى تنفيذ وعد بلفور عام 1917، الذى كان يهدف إلى منح اليهود وطنًا قوميًا فى دولة عربية على أرض فلسطين. وقد تمثل رد الفعل العربى فى تمجيد العروبة، والتمسك باللغة العربية، ورفض هيمنة السلطات الأجنبية، والاعتزاز بالتاريخ والفن والأدب العربى، أو بمعنى آخر التراث العربى. وبالتالى، كانت السينما، هذا الفن الناشئ حديثًا، أحد تجليات هذا الاتجاه السياسى.
وهكذا، بعد عقود كثيرة من غياب الحلم العربى، تعيد الكرة المصرية الروح إلى هذا الحلم، كما فعلت السينما فى النصف الأول من القرن العشرين، وتؤكد أن مصر ستظل دائمًا وأبدًا قلب العروبة النابض بالحياة والثقافة والرياضة والفن.

مايسة مصطفى الكاتبة: مايسة مصطفى التوصيف: باحثة في التراث الثقافي المصري
التعليقات