هل يعرف الفرّان زياد الرحبانى؟ - أسامة غريب - بوابة الشروق
الجمعة 26 يونيو 2026 10:08 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟


هل يعرف الفرّان زياد الرحبانى؟

نشر فى : الجمعة 26 يونيو 2026 - 6:00 ص | آخر تحديث : الجمعة 26 يونيو 2026 - 6:04 م

لفتت الجلبة الصادرة من الفرن البلدى على الناصية انتباهى فاقتربت لاستجلاء الموقف. كان الرجل ينتفض من الغضب وهو يلوّح بقبضته فى الهواء وعروقه النافرة تكاد تنفجر، وهو يصرخ فى الفران القابع خلف طاولة الخبز يرص العجين ويدفع به للنار. قال الرجل: قل لى الحقيقة حتى أرتاح.. قل إنك أكلت اللحمة وقد أسامحك، لكن حكاية القطة هذه لا تنطلى علىّ.. كيف يمكن للقطة أن تأكل ورقة اللحمة وهى خارجة من الفرن ملهلبة ولا يمكن إمساكها بدون قفاز، وأنّى لها أن تفتحها من الأساس؟.. إن الذى أكل ورقة اللحمة هو قط بشرى دنىء وأنت تعرفه جيدًا.

قال الخباز وهو ينظر حوله فى خبث واضح: «والله العظيم القطة هى التى أكلت اللحمة وليس أنا.. كُف عن افترائك واتركنى فى حالى!»، قال هذا ثم التفت للجمهرة الواقفة على الرصيف، صارخًا: «هذا الرجل ينتمى للعصر الحجرى.. هل هناك من يأتى بطعام مثل صينية بطاطس أو ورقة لحمة إلى الفرن البلدى فى وقتنا هذا؟ لقد انتهى هذا الموضوع من زمان بوجود البوتاجازات فى كل منزل، ومع ذلك فقد ابتلانى الله بهذا الزبون وورقة لحمته فأخذتها إكرامًا منى ووضعتها فى التنور بما يرضى الله، لكن القطة اللعينة اقتحمت النار واختطفتها وجرت، فما ذنبى أنا؟ التفت الرجل الذى بدا فى هيئة الموظفين للناس التى تجمعت على الصياح، وقال يُشهدهم: «يا ناس يا هووه.. ماذا حدث للدنيا؟» هل مات الشرف وانتحر الضمير؟ أنبوبة البوتاجاز فرغت وفشلت فى استبدالها، فهل هذه جريمة يحاسبنى عليها فران السوء؟ إننى كنت قد اعتزمت عمل ورقة لحمة بالفرن، ولم أشأ أن أسمح لأنبوبة البوتاجاز الفارغة أن تعطل مشروعى فاستدعيت إلى ذهنى صورة الحياة فى الأيام الخوالى حين كان الناس يودعون صوانى البطاطس والمكرونة بالبشاميل عند الفرن البلدى ليسويها. قمت بشراء قطعة لحمة موزة من عند الجزار يعلم الله أنها كلفتنى ربع راتبى ثم أحضرت البصل وحبة بطاطس مع فلفل ألوان وخلطت الجميع بالتوابل ثم قمت بلف المشروع فى ورق الفويل وتركته بالثلاجة طوال الليل ليتشرب التتبيلة.

اليوم بعد عودتى من الشغل نزلت من البيت وسلمت ورقة اللحمة لهذا الرجل. علا صوت الفران مؤمنًا على كلامه: «مضبوط يا أستاذ.. وهل أنكرتُ أنك أحضرت لى ورقة اللحمة؟ لكن المشكلة أن البسّة بنت الحرام غافلتنى بعد أن أخرجتها من الفرن وأنشبت فيها أسنانها ثم حملتها ولاذت بالفرار».. فما ذنبى أنا؟ قال الرجل صارخًا: «هل سمعتم هذا الكذاب الأشر».. فى البداية قال إن القطة اقتحمت التنور واختطفتها من داخله والآن يقول إنها سرقتها بعد إخراجها مباشرة، فهل تصدقونه بعد كل هذا التناقض فى الرواية؟ تدخّل أحد عقلاء الحى فى محاولة لحل المشكلة موجهًا كلامه للفران: نحن نعلم أنك رجل أمين ولم تسرق اللحمة، ومع ذلك فأنت ملزم قانونًا بتعويض الرجل بصرف النظر عن الجانى. قال الفران اللص: وكيف أعوضه؟ أنا رجل غلبان على باب الله.

رد صاحب اللحمة: وهل أنا أقف بباب أحد آخر؟ إن الله وحده عالمٌ بحالى ولا أريد أن أستفيض. غمغم الفران فى لهجة منكسرة بعد أن أحس بالحصار: اسمع يا أستاذ..أنا مستعد أن أشترى لك رغيف لحمة راس وربنا يعوض علىّ. نظر الموظف للناس وقسمات وجهه تتراوح ما بين الابتسام والأسى ثم أطلق ضحكة طويلة قبل أن يتوقف، قائلًا: «لقد حرمنى هذا الرجل من ورقة اللحمة التى أعددتها بحبٍ وإتقان والآن يريد أن يعوضنى برغيف لحمة راس.. هل تعرفون يا حضرات فلسفة لحمة الراس والفشة والطحال والممبار؟»، إنها محاولة عبقرية من الفقراء للتغلب على بؤسهم وإقناع أنفسهم بأنهم يأكلون الزَفَر بينما هم فى حقيقة الأمر يأكلون زبالة! إن الأمر يا سادة لا يتعلق باللحمة فى حد ذاتها على الرغم من أهميتها..إنه لمن لا يعلم عبارة عن ترتيب سعيت إلى تنفيذه وقمت بالتحضير له منذ مدة طويلة.. إن اليوم هو ذكرى زواجى وقد اعتزمت أن أجعله بالنسبة لزوجتى يومًا لطيفًا أقدم فيه الشكر لها على رفقتها الطيبة فى رحلة الحياة، وعلاوة على ذلك فإن اليوم هو موعد حفلة زياد الرحبانى التى انتظرناها طويلًا، فأنا وزوجتى من عشاق فيروز والرحبانية، أما زياد بالذات فهو أيقونتنا الغالية، ولا أذيعكم سرًا لو قلت إننا قبضنا جمعية منذ شهرين فادخرناها لدفع ثمن تذكرتين فى الصف الأول.

قال الرجل هذا ثم التفت للفران متسائلًا: هل تعرف زياد رحبانى؟ ارتبك الفران الدنىء، ولم يعرف ماذا يقول. نظر الموظف للناس ثم أكمل بعينين تلمعان ومشاعر فياضة: إنه بروتوكول قمت بإعداده داخل ذاتى يبدأ بدعوة زوجتى على الغداء وتناول ورقة اللحمة فى حديقة الأزهر إحياء لذكرى عقد قراننا الذى تم فى الحديقة منذ عدة سنوات.. بعد ذلك آخذها وأمضى بها إلى الحفل الغنائى، وأخيرًا نختتم السهرة بتمشية ليلية على الكورنيش نستعيد فيها ليالينا الحلوة أو التى جعلناها حلوة رغم أنف الزمن.. والآن يختل البرنامج بكامله ولا يعود قابلًا للتنفيذ..هذا اللص كسر البروتوكول وخرّب حلمى الصغير. قال الرجل كلماته الأخيرة وهو يمسح دموعه التى لم يستطع منعها.


فى نفس الوقت كان الفران يتناول من تحت البنك زجاجة سفن أب أخذ يرتشفها فى نهم ربما لأن ورقة اللحمة كانت من الدسامة، بحيث احتاجت إلى مشروب مهضم!

أسامة غريب روائي وكاتب ساخر
التعليقات