الأمر أكثر تعقيدا مما نظن.. دراسات حديثة تثبت أن الاكتئاب ليس سببه الرئيسي الخلل في كيمياء الدماغ - بوابة الشروق
الثلاثاء 12 مايو 2026 11:19 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

الأمر أكثر تعقيدا مما نظن.. دراسات حديثة تثبت أن الاكتئاب ليس سببه الرئيسي الخلل في كيمياء الدماغ

منى غنيم
نشر في: الجمعة 22 سبتمبر 2023 - 7:22 م | آخر تحديث: الجمعة 22 سبتمبر 2023 - 7:23 م
ــ الاكتئاب يختلف جذريًا عن الحزن فالأخير إحساس طبيعى وخليط من المشاعر الحلوة والمرة أما مرضى الاكتئاب لا يشعرون سوى بسلسلة من المشاعر السلبية من جلد الذات

يُعتبر الاكتئاب مرض العصر بلا منازع حيث يعانى منه الكثير من البشر حول العالم من مختلف الفئات العمرية، وتسعى معظم الدراسات ــ التى بدأ إجراؤها منذ تسعينيات القرن الماضى ــ لكشف أسرار ذلك المرض القاتل الذى قد يدفع البعض للانتحار، وتشمل أعراضه الشائعة تردى الحالة المزاجية وفقدان الاهتمام وتغيرات فى موعد النوم واضطرابات فى الشهية، وهى كلها أمور تنشأ من نقص ناقل عصبى يسمى «السيروتونين» أو ما يُعرّفه العامة بـ «هرمون السعادة»، ومعظم الحبوب المضادة للاكتئاب الموجودة فى الأسواق مثل «بروزاك» تسعى لعلاج المرض عن طريق رفع مستويات ذلك الهرمون داخل الجسم البشرى.

بيد أن الأبحاث الأخيرة فى هذا المجال بيّنت أن الأمر أكثر تعقيدًا مما نظن؛ ففى العام الماضى خلصت إحدى الدراسات القائمة على مراجعة البيانات الحالية المتاحة عن مرض الاكتئاب إلى عدم وجود دليل واضح يدعم النظرية السائدة لعقود طويلة التى تقول إن الاكتئاب سببه خلل فى التوازن الكيميائى فى الدماغ.

وبرز مؤخرًا للساحة العلمية كتابان جديدان لباحثين متخصصين فى دراسة مرض الاكتئاب وأعراضه وطرق علاجه، وقد أشادت صحيفة «الجارديان» البريطانية بكلا الكتابين عبر مراجعة نقدية حديثة لها نظرًا لما يحويانه من معلومات وفيرة وسبل فريدة فى تحليل وطرح العلاجات المبتكرة لمرض الاكتئاب.

فى البداية تم تناول الكتاب الأول الصادر عن دار نشر «هاتشيت» والذى يحمل عنوان «التحرر من الاكتئاب ــ Breaking Through Depression» للباحث الأمريكى فيليب جولد، وهو أحد كبار الباحثين فى المعهد الوطنى الأمريكى للصحة العقلية، وقد كرّس حياته لطرح الأبحاث حول ماهية مرض الاكتئاب، كما أجرى بعضًا من التجارب على الأدوية مضادات الاكتئاب فى مراحل تصنيعها الأولى، وهو مستمر فى العمل بأحدث التقنيات فى هذا المجال حتى اليوم.

وقدم «جولد» كتابه على هيئة «مذكرات طبية»؛ حيث إنه ألحق بعض القصص الحقيقية لمرضى الاكتئاب ومعاناتهم الطويلة مع المرض بالتفسيرات العلمية الرصينة المفصلة فى الكتاب، ويلاحظ القارئ أن «جولد» يرفض الفكرة الشائعة القائلة بأن الاكتئاب ما هو إلا حالة من الحزن؛ حيث أشار إلى أن الحزن الحقيقى غالبًا ما يرتبط بذكريات عزيزة ومحببة للنفس.

وذكر على سبيل المثال فقدان المرء لأحد أفراد الأسرة، وإحساس الحزن بسبب رحيله، أى أن الإنسان يشعر فى حالة الحزن الطبيعية تلك بخليط من المشاعر الحلوة والمرة معًا؛ فهو يشعر بالامتنان للأوقات السعيدة التى قضاها مع الشخص فى حياته وفى نفس الوقت يتقبل الواقع القاسى بأن كل العلاقات يجب أن تنتهى بصورة أو بأخرى، غير أن هذه المشاعر غير متاحة عادة للأفراد الذين يعانون من الاكتئاب الشديد والذين تقتصر ذخيرتهم العاطفية على «سلسلة طويلة ومرهقة من جلد الذات والشعور باليأس الذى لا نهاية له».

وغالبًا ما تكون هذه الحالة مصحوبة بتغيرات فسيولوجية، مما دفع «جولد» إلى تسميتها «مرض الجسم بالكامل»؛ حيث أشار إلى أن مرض الاكتئاب يلقى بظلاله القاتلة على جسد الإنسان فيصيبه بالأمراض العضال كمرض الشريان التاجى المبكر، والسكرى، والسكتة الدماغية، وهشاشة العظام، والمرعب أن الدراسات تخبرنا أن واحدا من كل خمسة أشخاص يُصاب بالاكتئاب.

كما توضح الأبحاث أن الاكتئاب ينقص حوالى 10 سنوات من متوسط العمر المتوقع لشخص ما فى المتوسط؛ ولذلك منحه «جولد» اسم «سرطان الذات» لأنه لا يقوض كرامة واحترام الإنسان لنفسه فحسب، بل ينهش جسده من الداخل حرفيًا كما يفعل مرض السرطان.

وذكر «جولد» أن العديد من حالات الاكتئاب تنجم عن نمط من أنماط الاستجابة العصبية للضغط النفسى التى انحرفت بشكل كبير عن مسارها الطبيعى، ولشرح ذلك أورد «جولد» أحد الأمثلة فقال إن الشخص السليم حين يتعرض لموقف خطير ــ وليكن حريق فى غابة ما على سبيل المثال ــ فمن المنطقى أنه سيقوم بالتركيز على التهديد ذاته، وكيفية التعامل مع الخطر المباشر إلى أن يجد بر الأمان، وقال إن حتى دماغه يتغير كيميائيًا من أجل إعداد جسمه للعمل لهذه المهمة؛ فيقوم برفع معدلات محاربة الالتهاب وتجلط الدم لتقليل خطر العدوى والنزيف بعد الإصابة المحتملة.
أما ما يحدث فى أدمغة العديد من الأشخاص المصابين بالاكتئاب، فإن «أجراس الإنذار» تلك تستمر فى الرنين لفترة طويلة بعد مرور التهديد الحقيقى، ويستمر الشخص فى البحث عن علامات الخطر أو العداء المحتملة بينما يتجاهل الأشياء من حوله التى قد تسبب له السعادة أو الطمأنينة، وقال «جولد»: «إن عدم القدرة على الشعور بأية متعة يشكل عبئًا كبيرًا على نفسية المرء».

وأضاف أن مرضى الاكتئاب يشعرون معظم الوقت بخوف عميق مجهول المصدر بالإضافة إلى انعدام الشعور بالمتعة والحافز لعمل أى شىء مما يعطلهم بشدة عن أداء حتى أبسط الأشياء كالروتين الطبيعى لتناول الطعام والنوم، وقال عبر صفحات الكتاب: «إن العيش فى حالة من التوتر الدائم يمكن أن يؤدى إلى موت خلايا الدماغ وانخفاض القدرة على تكوين شبكات عصبية جديدة مما يترك الشخص حبيس أفكاره السوداء». ولهذا السبب، وصف «جولد» الاكتئاب بأنه «مرض انتكاسى عصبى»، وقال إن علاجات الاكتئاب ستكون ناجعة فقط إن نجحت فى إصلاح ذلك الشرخ النفسى الذى يسببه الاكتئاب ومنع حدوثه مرة أخرى.

أما الكتاب الثانى فكان للباحثة البريطانية رئيسة مختبر علم الأعصاب للصحة العقلية فى جامعة كامبريدج، كاميلا نورد، والذى يحمل عنوان «الدماغ المتوازن ــ The Balanced Brain» والصادر عن دار نشر «بنجوين»؛ حيث قدم العديد من وجهات النظر المختلفة والمميزة حول مرض الاكتئاب، وأشادت صحيفة «الجارديان» بوضوح حجة «نورد» وبراعة قلمها فى الحديث عن علاج مرض الاكتئاب.

وحرصت «نورد» على شرح الكيفية التى يمكن بها أن تختلف التجارب الإكلينيكية التى تُجرى حول ذلك المرض بشكل كبير من شخص لآخر، وبدلا من اختيار السرد التبسيطى، فإنها تقر بوجود غموض فى البحث الأكاديمى حول ذلك المرض العقلى الخطير.

وذكرت «نورد» عبر كتابها أن بعض العلماء حاولوا البحث عن دلائل أن الاكتئاب فى الجسم البشرى قد يكون ناتجا عن التهاب للجسم أو للأنسجة من طراز ما، ولكنهم لم يتمكنوا من العثور على العديد من الدلائل التى تدعم تلك النظرية لأن مجموعة فرعية فقط من المرضى أظهروا فى التحاليل معدلات التهابات أعلى من المتوسط، بينما أظهر المرضى الآخرون مستويات طبيعية، وحتى بين أولئك المرضى الذين يعانون من معدلات عالية من الالتهاب يمكن العثور على المصدر الأساسى وراء تلك الالتهابات فى أجزاء مختلفة من الجهاز المناعى.

وقالت «نورد»: «قد يمثل استهداف الجهاز المناعى طريقًا جديدًا لعلاج الصحة العقلية أو تحسينها، ولكنه يتطلب العثور بعناية على الأهداف المناعية الصحيحة وتصميم العلاجات لكل فرد على أساس نظام المناعة الخاص به».

وأضافت أن أحد التفسيرات المقنعة للاكتئاب يتعلق بالطرق الأساسية التى يتعلم بها الدماغ من تجاربه والمشكلات التى يمر بها ومن ثمّ يتنبأ بالمستقبل، ونذكر هنا مثالًا توضيحيًا أن الطبيعة الدقيقة للمشكلة التى تواجه الشخص ستختلف من مريض لآخر، ولذا قد تركز أدمغة بعض الناس كثيرًا على النتائج السلبية فيفشلون فى رؤية أى نتائج إيجابية أو وقائع حسية من حولهم قد تسبب السعادة، وفى النهاية تكون المحصلة رؤية أكثر تشاؤمًا ومزيدا من الفوضى فى حياة الشخص المكتئب.

جدير بالذكر أن العلم قد أعزى مرض الاكتئاب لفترة طويلة من الزمن لنظرية عدم التوازن الكيميائى أو اضطراب كيمياء الدماغ، ولكن مؤخرًا تم العثور على عدة دلائل أنه ليس بالضرورة أن يكون هذا المسبب الرئيسى للمرض مما ألقى بظلال من الشك على استخدام الأدوية المضادة للاكتئاب الموجودة حاليًا بالأسواق ومدى نجاعتها والتى كان المقصود منها استعادة «السيروتونين» المفقود. ومع ذلك، فإن البيانات الإحصائية تشير إلى أن تلك الأدوية تعمل بكل تأكيد بشكل أفضل من العلاج الوهمى أو الإيحائى كما يسمونه.

وقد استطاع مؤلفو هذين الكتابين تفسير السبب وراء ذلك؛ فبالنسبة لـ «نورد»، السبب هو أن الأدوية المضادة للاكتئاب تساعد فى تصحيح تصورات المريض للعالم التى غالبًا ما تكون مغلوطة أو مشحونة بالتحيز لفكرة ما، وضربت «نورد» مثالًا لذلك أنه فى معظم الحالات التى تم عرض فيها صور لأشخاص ينظرون بثبات للكاميرا ويعطون تعبيرات وجه محايدة على مرضى الاكتئاب، رأى هؤلاء المرضى أن تعبيرات الأشخاص مليئة بالغضب أو القلق وليس الحيادية على الإطلاق، ولكن مع الانتظام فى تناول الأدوية المضادة للاكتئاب تتحسن حالة المريض فى هذا الصدد.

وفى الوقت نفسه، أشارت «جولد» إلى أن بعض الدراسات الحديثة أظهرت أن الحبوب المضادة للاكتئاب الحالية تشجع على تكون خلايا دماغية وموصلات عصبية جديدة، وهو ما من شأنه أن يساعد الناس على التحرر من الاستجابة المفرطة للضغط النفسى الذى ذكرناه آنفًا.

وينطبق الشىء نفسه على الجيل الجديد من العلاجات مثل عقار «السيلوسيبين» المخدر الذى أظهر مؤخرًا نجاحًا كبيرًا فى التجارب السريرية مع وجود بعض الآثار الجانبية القليلة نسبيًا مقارنة بالعقاقير الأخرى والذى تمكن بالفعل من جلب راحة حقيقية للمرضى بعد تناول جرعة واحدة، وقالت «جولد» إن الأمر كله يتعلق باستعادة الاتصال بين مناطق الدماغ المختلفة والتراجع عن الضرر العصبى الذى خلفته آثار الاكتئاب المتراكمة؛ وأشارت إلى دراسات حديدة بيّنت أن «السيلوسيبين» يستقر فى الدماغ على نفس المستقبلات العصبية التى تستقبل البروتينات التى تعزز نمو الخلايا العصبية وإعادة توصيلها.

واقترح كل من «نورد» و«جولد» عبر كتابيهما مجموعة من الخيارات الواعدة للعلاج الاكتئاب، بما فى ذلك استكشاف العقاقير المخدرة الأخرى والطرق المختلفة لتحفيز الدماغ، ومن خلال تصوير الدماغ والاختبارات الجينية وفهمنا لطبيعة مرض الاكتئاب قد يكون من الممكن التنبؤ بالعلاجات التى ستعمل بشكل أفضل لكل شخص فى المستقبل.


قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك