الحرب والازدواجية الدولية في كتاب «ثقوب في الضمير»… قراءة نفسية للمشهد الراهن - بوابة الشروق
الأربعاء 4 مارس 2026 7:00 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

الحرب والازدواجية الدولية في كتاب «ثقوب في الضمير»… قراءة نفسية للمشهد الراهن

شيماء شناوي
نشر في: الثلاثاء 3 مارس 2026 - 1:18 م | آخر تحديث: الثلاثاء 3 مارس 2026 - 1:18 م

شنت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل قبل أيام قليلة، هجمات عسكرية على إيران، في تصعيد يعيد منطقة الشرق الأوسط إلى حافة مواجهة مفتوحة، ويطرح من جديد سؤال الانحياز الأمريكي الثابت، الذي لم يتغير بتغير الإدارات أو الشعارات.

في لحظة كهذه، يبدو استدعاء كتاب «ضمير في الثقوب.. نظرة على أحوالنا» للدكتور أحمد عكاشة، الصادر عن دار الشروق، محاولة لتفكيك المشهد الآني من منظور مختلف: منظور أحد أعلام الطب النفسي العربي، الذي قرأ السياسة من داخل النفس البشرية، ورأى في اختلال الضمير مفتاحًا لفهم كثير من تناقضات العالم.

الكتاب الصادر منذ أعوام عديدة لا يتحدث بالتأكيد عن حرب بعينها، لكنه يضع إطارًا نفسيًا يمكن عبره قراءة ما يحدث الآن؛ إذ يطرح مفهوم "الضمير المثقوب"، ذلك الذي يتبنى القيم نظريًا، ثم يستثني منها ما يتعارض مع مصالحه.

- "نمرًا من ورق"

يكتب أستاذ الطب النفسي بين طيات كتابه عن «الازدواجية العجيبة المتمثلة في الكيل بمكيالين دائمًا حسبما ترى سيدة العالم»، وهي عبارة تتجاوز سياقها الزمني لتغدو مفتاحًا لقراءة المشهد الراهن. فحين ترفع شعارات حماية الأمن والاستقرار، ويستدعى مفهوم "الدفاع عن النفس" لتبرير الضربات العسكرية، تبدو اللغة السياسية وكأنها تعيد إنتاج ذاتها، مهما تغيرت الإدارات.

الأمر اللافت أن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب استخدم، في أحد التسريبات المنسوبة إليه مؤخرًا بشأن إيران، تعبير "نمر من ورق" (Paper Tiger)، إذ قال "أصبحت متأكدًا الآن أن إيران نمر من ورق"، وهو الوصف القديم ذاته الذي صاغه السياسي الصيني الشهير ماو تسي تونج، لوصف الولايات المتحدة، باعتبارها قوة تبدو هائلة ومخيفة ظاهريًا لكنها أقل صلابة مما توحي به صورتها.

المفارقة هنا ليست لغوية فحسب، بل رمزية ودلالية؛ إذ إن استعارة قوة عظمى لمصطلح وُلد في سياق نقدها التاريخي تكشف وعيًا عميقًا بلعبة الصورة والقوة معًا. فالقوة، حين تصف خصمها بأنه “نمر من ورق”، لا تنفي عنه الهيبة فحسب، بل تعزز في الوقت ذاته سردية تفوقها هي.

وفي ضوء كتاب «ضمير في الثقوب»، يمكن قراءة هذا التوظيف بوصفه جزءًا من آلية نفسية وسياسية مركبة؛ فالقوة التي تصف غيرها بـ“النمر من ورق” إنما تؤكد في الوقت ذاته تمسكها بصورة التفوق. غير أن السؤال الذي يطرحه عكاشة يظل قائمًا: «ماذا يحدث حين تتحول القوة إلى معيارها الخاص، وحين تُعاد صياغة القيم وفق مقتضيات اللحظة؟»، بهذا المعنى، يصبح استدعاء التعبير الصيني داخل خطاب أمريكي معاصر تجسيدًا آخر للازدواجية التي يحللها الكتاب: ازدواجية ترى في ذاتها مركز النظام، لكنها لا تتردد في استعارة مفردات خصومها لتثبيت هذا المركز.

وهنا يتجدد السؤال الذي يخترق القراءة كلها: هل ما نشهده اليوم هو صلابة قوة مطلقة، أم محاولة دائمة لحماية صورة تلك القوة من أن تنكشف ثقوبها؟

يشير الكتاب بوضوح إلى أن الولايات المتحدة "تغض الطرف وتغمض العين عن انتهاكات صارخة… إذا كان هذا الانتهاك لا يعرقل مصالحها السياسية"، بينما "تصبح دعوتها المناوئة لانتهاك حقوق الإنسان صارخة وزاعقة إذا هُددت مصالحها".

هذا التوصيف لا يبدو بعيدًا عن مشهد اليوم، حيث يُعاد إنتاج خطاب القيم في إطار انتقائي.

- معادون لأمريكا… معجبون بها

في الفصل الذي حمل عنوان «معادون لأمريكا… معجبون بها»، يتحدث عكاشة عن أسباب التوحد الأمريكي – الإسرائيلي، مشيرًا إلى عناصر رمزية وتاريخية، مثل "إبادة الأجناس" و"الريادة في اكتشاف أرض جديدة"، وصولًا إلى "صبغ الشرق الأوسط بثقافة مشابهة". هذه الرؤية لا تقف عند حدود التحالف الاستراتيجي، بل تلمح إلى تشابه في السرديات المؤسسة، ما يجعل الانحياز يتجاوز حسابات السياسة اليومية إلى بنية أعمق.

من هنا يمكن فهم لماذا ظل الدعم الأمريكي لإسرائيل ثابتًا عبر تعاقب الرؤساء، من مرحلة إعلان "النظام العالمي الجديد" إلى اليوم؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بقرار إدارة بعينها، بل بإطار ذهني يرى في إسرائيل امتدادًا عضويًا.

- الحرب بوصفها عرضًا… لا سببًا

الضمير المثقوب كما يطرحه الدكتور أحمد عكاشة، لا يلغي القيم، بل يعيد تعريفها بما يخدم المصلحة. يتحدث عن الشرعية الدولية، لكنه يقرر متى تكون ملزمة ومتى تصبح مجرد نصوص.

وفي هذا السياق، يصبح التساؤل عن الالتزام بقرارات مجلس الأمن، أو عن حدود القوة المشروعة، جزءًا من سؤال أوسع: كيف يمكن لقوة عظمى أن ترى نفسها حارسًا للنظام الدولي، وفي الوقت ذاته طرفًا منحازًا فيه؟

- قراءة النفس لفهم السياسة

تكمن أهمية استدعاء «ضمير في الثقوب» اليوم في أنه يذكرنا بأن السياسة ليست فقط معادلات قوة، بل أيضًا انعكاس لبنية نفسية وأخلاقية.

حين يتحدث عكاشة عن إسقاطات الكراهية، وعن الإعجاب الذي يصاحبها، وعن الشعور بالعجز أمام قوة منفردة، فإنه يرسم خريطة وجدانية يمكن من خلالها قراءة ردود الفعل الشعبية على الحرب، بقدر ما يمكن من خلالها فهم منطق القوة ذاته.

- الكتاب كأداة لفهم اللحظة الراهنة

يخلص الكتاب إلى أن الحرب التي اندلعت قبل أيام ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل تجسيد لتاريخ طويل من الازدواجية، ومن علاقة ملتبسة بين القوة والضمير، بين الشعار والممارسة.

وفي عالم تتسع فيه دوائر الصراع، يبدو السؤال الذي يطرحه عكاشة ولو ضمنيًا أكثر إلحاحًا: هل يمكن لضمير مثقوب أن يحرس نظامًا دوليًا عادلًا؟ أم أن الثقوب، حين تتسع، تتحول إلى شروخ في بنية العالم ذاته؟



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك