د. خالد أمين يكتب: التعليم الطبي في مصر… التوسع وحده لا يكفي - بوابة الشروق
الجمعة 3 يوليه 2026 9:35 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

توقعاتك لـ مباراة مصر وأستراليا؟

د. خالد أمين يكتب: التعليم الطبي في مصر… التوسع وحده لا يكفي


نشر في: الجمعة 3 يوليه 2026 - 3:49 م | آخر تحديث: الجمعة 3 يوليه 2026 - 3:49 م

شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة توسعًا غير مسبوق في إنشاء كليات الطب بالجامعات الحكومية والأهلية والخاصة، مع زيادة كبيرة في أعداد الطلاب المقبولين سنويًا. ولا شك أن إتاحة الفرصة لعدد أكبر من الشباب لدراسة الطب هدف وطني مهم، إلا أن التوسع الكمي، إذا لم يصاحبه توسع مماثل في الإمكانات التعليمية والتدريبية، قد يتحول من فرصة إلى تحدٍ حقيقي يهدد جودة التعليم الطبي ومستقبل المنظومة الصحية.

فالطب ليس تخصصًا أكاديميًا يعتمد على المحاضرات والكتب والامتحانات فقط، وإنما مهنة تُبنى على الممارسة والتدريب السريري المباشر والتعامل اليومي مع المرضى تحت إشراف أساتذة واستشاريين مؤهلين داخل مستشفيات جامعية أو مستشفيات تعليمية تمتلك الإمكانات اللازمة للتدريب.

ومن هنا تبرز إحدى أهم القضايا التي تستحق وقفة جادة، وهي استمرار بعض كليات الطب في استقبال أعداد متزايدة من الطلاب رغم عدم امتلاكها مستشفى جامعيًا متكاملًا أو شبكة من المستشفيات التعليمية القادرة على توفير تدريب سريري حقيقي يتناسب مع هذه الأعداد. فالنتيجة الطبيعية هي اتساع الفجوة بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي، وهو ما ينعكس في النهاية على كفاءة الطبيب وجودة الخدمة الصحية التي يحصل عليها المواطن.

ولا تقف المشكلة عند مرحلة الدراسة الجامعية، بل تمتد إلى مرحلة الامتياز، وهي المرحلة التي يتحول فيها الطالب إلى طبيب يمارس المهنة تحت الإشراف. ولذلك أصبح من الضروري وضع خطة قومية واضحة وموحدة لتدريب أطباء الامتياز والأطباء حديثي التخرج، تعتمد على الكفاءة والمهارات العملية، وليس مجرد قضاء فترة زمنية داخل المستشفى.

وكنت قد تقدمت بمشروع قانون لتنظيم شئون أطباء الامتياز، وأسعى فيه منذ زمن؛ لأن طبيب الامتياز هو الأساس الحقيقي لبلورة ما تعلمه في الكلية وإعداده ليكون طبيبًا متمرسًا.

أخلاقيات المهنة والتشريعات الخاصة بها هي أيضًا من المواضيع التي يجب أن يتدرب عليها طبيب الامتياز، إضافةً إلى مهارات التواصل مع المرضى، ويجب أن يكون ذلك موضع تقدير وتقييم.

يجب أن يحصل كل طبيب على برنامج تدريبي واضح، يتضمن أهدافًا تعليمية محددة، وإشرافًا مباشرًا، وتقييمًا دوريًا، وحدًا أدنى من المهارات والإجراءات الطبية التي يجب أن يتقنها قبل الانتقال إلى المرحلة التالية من حياته المهنية. كما ينبغي توحيد معايير التدريب بين جميع المستشفيات التعليمية بما يضمن العدالة وجودة المخرجات.

وفي الوقت نفسه، فإن التخطيط للقوى البشرية الطبية يجب أن يتجاوز فكرة زيادة أعداد الخريجين. فمصر لا تحتاج فقط إلى المزيد من الأطباء، وإنما تحتاج إلى أطباء في التخصصات التي تعاني من نقص حقيقي، مثل التخدير، والرعاية المركزة، وطب الطوارئ، وطب الأسرة، والأشعة، والباثولوجيا، والجراحات المعقدة مثل جراحة المخ والأعصاب والقلب، وغيرها من التخصصات الحيوية. كما تحتاج إلى توزيع عادل للأطباء في المحافظات والمناطق الحدودية والأكثر احتياجًا مع وضع حوافز مالية ومعنوية مناسبة.

ومن ثم، فإن تحديد أعداد المقبولين بكليات الطب يجب أن يستند إلى دراسات علمية دقيقة لاحتياجات الدولة المستقبلية، وإلى الطاقة الاستيعابية الحقيقية للمستشفيات التعليمية، وليس إلى القدرة على إنشاء مبانٍ جديدة أو زيادة أعداد المقبولين فقط. وتلك لها معايير عالمية يجب ألا نتجاوزها، كما تجاوزناها في تخصص الصيدلة وطب الأسنان.

لكن ربما تبقى القضية الأكثر إلحاحًا هي قضية الاحتفاظ بالأطباء.

فزيادة أعداد خريجي كليات الطب، مع استمرار عوامل الطرد التي تدفع الأطباء إلى الهجرة أو إلى ترك الممارسة الطبية، لن تؤدي إلى حل أزمة القوى البشرية في القطاع الصحي، بل قد تؤدي إلى زيادة أعداد الأطباء الذين يغادرون مصر بعد سنوات قليلة من تخرجهم.

إن ضعف بيئة العمل، ومحدودية فرص التدريب المتقدم، وتدنّي العائد الاقتصادي مقارنة بحجم المسؤولية، وضغوط العمل المتزايدة، وغياب المسار المهني الواضح، كلها عوامل تجعل الطبيب يبحث عن فرصة أفضل خارج البلاد. وإذا استمرت هذه الأسباب دون معالجة، فإننا لن نكون بصدد حل المشكلة، وإنما بصدد تصدير مزيد من الكفاءات إلى أنظمة صحية أخرى استفادت من الطبيب الذي أنفقت الدولة المصرية سنوات طويلة في تعليمه وتأهيله.

وأتذكر خلال إحدى رحلاتي إلى الخارج أنني نظرت حولي داخل الطائرة، فوجدت عددًا كبيرًا من الركاب من الأطباء المصريين وأسرهم. وعندما دار الحديث مع عدد منهم، كانت الأسباب متشابهة: البحث عن تدريب أفضل، أو بيئة عمل أكثر احترامًا، أو فرصة مهنية أكثر استقرارًا، أو مستقبل أكثر أمانًا لأبنائهم. هذا المشهد يتكرر كثيرًا على الرحلات المتجهة إلى أوروبا أو المملكة المتحدة أو أمريكا أو دول الخليج، حتى أصبح واقعًا يلمسه كل من يسافر على هذه الخطوط.

إن هذه الهجرة ليست مجرد أرقام، وإنما هي خسارة متراكمة للخبرات والعقول والاستثمارات التي أنفقتها الدولة والمجتمع في إعداد الطبيب المصري. وكل طبيب يغادر يمثل سنوات من التعليم والتدريب كان من الممكن أن يستفيد منها المريض المصري.

ولهذا، فإن أي استراتيجية وطنية لإصلاح التعليم الطبي يجب أن تقوم على عدة محاور متكاملة، أهمها:

- ربط إنشاء أو التوسع في كليات الطب بتوافر مستشفى جامعي أو مستشفى تعليمي معتمد قادر على استيعاب التدريب السريري.
- ربط أعداد المقبولين بالطاقة الاستيعابية الحقيقية للتدريب.
- وضع برنامج قومي موحد لتدريب أطباء الامتياز والأطباء حديثي التخرج يعتمد على الكفاءة والمهارات العملية.
- تطبيق معايير صارمة للاعتماد وضمان الجودة في كليات الطب والمستشفيات التعليمية.
- إعداد خريطة قومية للاحتياجات الفعلية من التخصصات الطبية وتوزيعها الجغرافي.
- توفير حوافز حقيقية للعمل في التخصصات النادرة والمناطق الأكثر احتياجًا.
- تبنّي سياسة وطنية شاملة للاحتفاظ بالأطباء من خلال تحسين بيئة العمل، وتوفير دخل عادل، وفرص تدريب وتعليم مستمر، ومسار مهني واضح يضمن الاستقرار والتطور الوظيفي.

إن التعليم الطبي ليس مشروعًا استثماريًا فحسب، بل هو استثمار في صحة المصريين وأمنهم الصحي ومستقبل الدولة. والنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد كليات الطب التي نُنشئها، ولا بعدد الأطباء الذين يتخرجون كل عام، وإنما يُقاس بكفاءة الطبيب الذي نؤهله، وجودة التدريب الذي يحصل عليه، وقدرتنا على الاحتفاظ به داخل وطنه ليخدم أبناء بلده.

الاستثمار في الأطباء والتعليم الطبي ليس تكلفة فقط، بل يمكن أن يكون مدرًّا للأموال من خلال تفعيل خدمات السياحة العلاجية، والتي تحتاج إلى نقاش آخر، وكذلك تعزيز قدرات البحث العلمي والطبي. فمخرجات البحث العلمي من أهم مصادر الدخل القومي لعديد من البلدان، وكذلك في تقليل تكلفة المرض والعلاج والوقاية، وذلك من أدوار الأطباء الحيوية. ولذا فإن الاستثمار في هذا القطاع يراه الكثيرون من أهم عوامل تحسين أي اقتصاد.

إن مصر لا تحتاج فقط إلى مزيد من الأطباء، بل تحتاج إلى طبيب مؤهل، وطبيب مطمئن، وطبيب يجد في وطنه بيئةً تدفعه إلى البقاء والعطاء، لا إلى الرحيل.

* أمين عام مساعد نقابة الأطباء



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك