فتاة المترو.. كيف حول المسرح الزهايمر إلى حكاية إنسانية؟ - بوابة الشروق
الثلاثاء 4 أغسطس 2026 12:58 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

فتاة المترو.. كيف حول المسرح الزهايمر إلى حكاية إنسانية؟

الشيماء أحمد فاروق
نشر في: الثلاثاء 4 أغسطس 2026 - 11:49 ص | آخر تحديث: الثلاثاء 4 أغسطس 2026 - 11:49 ص

يقدم الفن، ضمن أدواره المتعددة، وظيفة مهمة تتعلق بمناقشة قضايا إنسانية تمس مشاعر الناس، بما يتيح تقديم صورة مقربة لفهم طبيعة كثير من المشاكل والقضايا والأمراض عبر شخصية درامية مؤثرة تستطيع عبور الشاشة أو خشبة المسرح والنفاذ إلى عقل وقلب المتفرج.

وضمن عروض المهرجان القومي للمسرح في دورته الـ19، عُرضت مسرحية "فتاة المترو"، والتي تقدم معالجة درامية لا تخلو من الكوميديا لمشاعر الفقد وأعراض مرض الزهايمر، والعرض المسرحي من تأليف هاني قدري.

مسرحية "فتاة المترو" هي أول تجربة إنتاجية للمهرجان القومي للمسرح المصري، وتأتي بالتعاون بين وزارة الثقافة والمهرجان القومي للمسرح المصري وصندوق التنمية الثقافية، في خطوة تستهدف تحويل النصوص الفائزة بمسابقات المهرجان إلى عروض مسرحية تُقدم للجمهور، ويقدم التمثيل والسينوغرافيا والإخراج خريجو ومتدربو ورش المهرجان، تحت الإشراف العام للمخرج محسن رزق.

بين الضحك والدموع.. معالجة درامية للفقد

يقدم العرض المسرحي "فتاة المترو" لعبة درامية تجعل من الجمهور شريكا في الحدث، عبر حكاية مسرحية داخل حكاية مسرحية أخرى؛ حيث يشارك الممثلون حالة من الارتباك قبل كشف الأحداث عن طبيعة الشخصيات وشبكة العلاقات.

يروي العرض حكاية مؤلف شهير يُصاب بالزهايمر، وتوقفت ذاكرته عند حدث واحد مر عليه 30 عاما، وهو رحيل زوجته، ولكن ابنته تحاول أن تعيده إلى الحاضر عبر تجسيد قصة حبه لوالدتها على خشبة المسرح، خلال مسرحيتها الأولى، وهنا يتخلى البطل عن خشبة المسرح وينضم إلى الجمهور، كأنما الجمهور وهو جمهور مسرحية الابنة، ما يجعل الحضور يشاهدون معه ما جرى في الماضي، وكأنها رحلة عبر ذاكرة شخص يرفض رحيل نصفه الآخر.

اعتمد العرض على توظيف عناصر المسرح المختلفة لخدمة الحالة النفسية للشخصيات، فلم تكن السينوغرافيا مجرد خلفية للأحداث، بل جاءت امتدادا لذاكرة البطل المتصدعة، وتنقلت الديكورات بين فضاءات واقعية (المترو) وأخرى أقرب إلى الذكريات (صور من صحف قديمة)، بما يعكس التداخل بين الماضي والحاضر الذي يعيشه مريض الزهايمر، بينما أسهمت الإضاءة في الفصل بين المستويين الزمنيين، فبدت المشاهد المستعادة أكثر دفئا وحميمية، في مقابل برودة الحاضر ووحدته.

كما لعبت الموسيقى دورا مهما في بناء الإحساس بالفقد، إذ جاءت في لحظات كثيرة بوصفها محفزا للذاكرة، وهو ما يتوافق مع طبيعة المرض الذي قد يحتفظ فيه المريض بأغاني أو لحظات بعينها رغم تآكل تفاصيل حياته الأخرى، لذلك اختار صُناع العرض أغنية رومانسية تصاحب ذاكرة البطل قبل البداية وفي نهاية العرض.

الأداء التمثيلي في العرض استند إلى إيقاع متوازن بين الخفة والصدق الإنساني، حيث تجنب الممثلون تقديم الزهايمر بوصفه مادة للشفقة أو المبالغة، وركزوا على ارتباك الشخصية وعجزها عن الإمساك بالزمن، فيما كانت شخصية الأب نموذجا لإنسان يحاول التشبث بذكرى واحدة لأنها آخر ما تبقى له من عالمه، بينما حمل أداء الابنة قدرا من الصبر والحنين واليأس، لتصبح العلاقة بينهما هي المحرك الحقيقي للأحداث أكثر من المرض نفسه.

لكن هناك بعض الملاحظات التي قد أثرت في جزء الأداء التمثيلي، منها عمر الممثل الرئيسي الذي لعب شخصية الأب، حيث بدا أصغر بكثير من السن الذي من المفترض أن يجسده، بالإضافة إلى محاولة بعض الممثلين حشد إفيهات ترتبط بتريندات عصرية غير مناسبة لسياق المسرحية، مثل استغلال تريند أغاني ألبوم عمرو دياب الحديث، والتي كانت من أضعف أجزاء العرض، على العكس من المشهد الحواري بين موظف الأمن والشخصية الرئيسية، والذي خلق حالة من الكوميديا والضحك داخل صالة العرض انتهت بتصفيق حاد من المتفرجين.

وساعدت فكرة "المسرحية داخل المسرحية" في منح العرض بعدا ميتامسرحيا، إذ لم تكن مجرد حيلة سردية، وإنما وسيلة بصرية ودرامية لتجسيد عمل الذاكرة نفسها، فكما يعيد العقل ترتيب الذكريات في صور ومشاهد متفرقة، كانت الابنة تعيد تمثيل الماضي أمام والدها على أمل أن تعثر بين تلك المشاهد على طريق يقوده إلى الحاضر، وبهذا تحولت خشبة المسرح إلى مساحة للعلاج بقدر ما هي مساحة للفن.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك