لم يحتج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى قاموس سياسي جديد عندما أعلنت وسائل الإعلام فوز -عبدالرحمن السيد صاحب الأصول المصرية- بترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان، فبعد عام تقريبًا من هجومه على زهران ممداني إثر انتصاره في الانتخابات التمهيدية لرئاسة بلدية نيويورك، عاد ترامب إلى الاتهامات ذاتها.
وذكر ترامب عبر منصة «تروث سوشيال» أن فوز عبدالرحمن السيد يمثل «أخبارًا عظيمة للحزب الجمهوري»، قبل أن يصفه بأنه «شيوعي خاسر يكره اليهود وإسرائيل»، زاعمًا أن استطلاعات الرأي أخطأت في تقدير نتيجة السباق أمام النائبة الديمقراطية هايلي ستيفنز، وهجوم ترامب جمع بين الشماتة الظاهرة في اختيار الديمقراطيين مرشحًا يراه الجمهوريون أكثر سهولة في مواجهته، والغضب من تكرار صعود مرشحين تقدميين يجمعون بين خطاب اقتصادي شعبوي وموقف معارض للسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
- عبدالرحمن السيد من الصحة العامة إلى السياسة
عبدالرحمن محمد السيد أمريكي من أصل مصري وُلد ونشأ في جنوب شرقي ولاية ميشيجان، ورباه والده محمد وهو مهاجر مصري، إلى جانب زوجة والده جاكي المنحدرة من أسرة أمريكية عاشت في الولاية منذ أجيال، وبزغ نجمع بالوطن العربي منذ عام 2017 عندما أعلن خوض الانتخابات التمهيدية لمنصب حاكم ميشيجان.
درس عبدالرحمن السيد في جامعة ميشيجان وتخرج بتقدير مرتفع، ثم حصل على منحة رودس للدراسة في جامعة أكسفورد حيث نال درجة الدكتوراه في الصحة العامة، قبل استكمال دراسته الطبية في جامعة كولومبيا، وانتقل بعدها إلى العمل الأكاديمي والإدارة الصحية، فتولى قيادة إدارة الصحة في مدينة ديترويت وساهم في إعادة بنائها بعد الأزمة المالية وإفلاس المدينة، ثم شغل منصب مدير إدارة الصحة والخدمات الإنسانية وشؤون المحاربين القدامى في مقاطعة واين.
وجاء انتقاله إلى السياسة من بوابة أزمة مياه فلينت التي تعرض خلالها آلاف السكان لمياه ملوثة بالرصاص، إذ قدم نفسه باعتباره متخصصًا في الصحة العامة يرى القرارات السياسية والاقتصادية سببًا في مرض المواطنين، وخاض عام 2018 الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمنصب حاكم ميشيجان، لكنه خسر أمام جريتشن ويتمر التي أصبحت لاحقًا حاكمة الولاية، ثم عاد إلى العمل العام قبل إطلاق حملته لعضوية مجلس الشيوخ.
وفي سباق 2026 قدم عبدالرحمن السيد برنامجًا ينتمي إلى الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، يشمل توفير التأمين الصحي الشامل من خلال برنامج «ميديكير للجميع»، وتقليل نفوذ الأموال الكبرى والشركات في الانتخابات، وزيادة الضرائب على أصحاب المليارات، إلى جانب وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، وحصل على دعم شخصيات بارزة في اليسار الديمقراطي مثل بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو كورتيز وإليزابيث وارن.
وواجه عبدالرحمن السيد النائبة هايلي ستيفنز التي مثلت جناح المؤسسة الديمقراطية وحظيت بدعم قيادات بارزة من بينها زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر وحاكمة ميشيجان جريتشن ويتمر، كما أنفقت لجنة سياسية كبرى مرتبطة بجماعات مؤيدة لإسرائيل أكثر من 30 مليون دولار لدعم ستيفنز، لكن «السيد» حسم الانتخابات التمهيدية بفارق محدود بعدما حصل على نحو 48.5% من الأصوات مقابل 47.5% لمنافسته بحسب النتائج المتاحة حتى الآن.
ويخوض عبدالرحمن السيد الانتخابات العامة في الثالث من نوفمبر أمام الجمهوري مايك روجرز المدعوم من ترامب، في سباق يتجاوز رمزيته الشخصية، فميشيجان ولاية متأرجحة ومقعدها في مجلس الشيوخ يمثل جزءًا أساسيًا من معركة السيطرة على المجلس، كما أن فوز السيد سيجعله أول مسلم يُنتخب عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي.
- السيناريو نفسه بدأ مع ممداني
في الرابع والعشرين من يونيو 2025 فجّر زهران ممداني مفاجأة سياسية بهزيمة حاكم نيويورك السابق أندرو كومو في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لرئاسة بلدية نيويورك، وحصل ممداني في الجولة النهائية من نظام التصويت التفضيلي على أكثر من 573 ألف صوت مقابل نحو 443 ألفًا لكومو، لتنتهي محاولة أحد أشهر رموز المؤسسة الديمقراطية للعودة إلى المشهد أمام عضو شاب في مجلس نواب الولاية بدأ السباق بعيدًا عن صدارة التوقعات.
ووصف ترامب ممداني بعد فوزه بأنه «شيوعي مجنون بنسبة 100%»، معتبرًا أن الديمقراطيين تجاوزوا باختياره «الخط الأحمر»، ثم وسع هجومه خلال الحملة وصولًا إلى التهديد بخفض التمويل الفيدرالي عن نيويورك، والتشكيك في جنسية ممداني، والادعاء بأنه يكره اليهود، بينما تعامل الجمهوريون مع صعوده باعتباره فرصة لربط المرشحين الديمقراطيين في مختلف الولايات بصورته وبرنامجه السياسي.
وبنى ممداني حملته أساسًا حول أزمة تكلفة المعيشة في نيويورك، متعهدًا بتجميد الإيجارات في الوحدات الخاضعة للتنظيم، وتوفير حافلات عامة مجانية، وإنشاء وحدات سكنية ميسرة، وإتاحة رعاية شاملة للأطفال، على أن تمول هذه السياسات من خلال زيادة الضرائب على الشركات الكبرى والأثرياء، كما تبنى موقفًا مؤيدًا لحقوق الفلسطينيين وانتقد العمليات الإسرائيلية في غزة، وهو ما وضعه تحت ضغط سياسي وإعلامي واسع وفتح الباب أمام اتهامات بمعاداة السامية رفضها ممداني باعتبارها خلطًا بين انتقاد الحكومة الإسرائيلية والعداء لليهود.
وواصل ممداني طريقه بعد الانتخابات التمهيدية حتى فاز برئاسة بلدية نيويورك في الرابع من نوفمبر 2025، ليصبح أول مسلم يتولى رئاسة أكبر مدينة أمريكية؛ ما جعل هجوم ترامب عليه أكثر من خلاف مع مرشح محلي، فقد تحول ممداني إلى رمز سياسي للتيار التقدمي وإلى نموذج يستخدمه الجمهوريون للتحذير مما يصفونه بسيطرة اليسار على الحزب الديمقراطي.
- المرشح المسلم التقدمي وخصم المؤسسة
يجمع ممداني وعبدالرحمن السيد أولًا انتماؤهما إلى جيل صاعد داخل الحزب الديمقراطي يقدم نفسه في مواجهة المؤسسة التقليدية ومانحيها الكبار، فممداني أسقط أندرو كومو الذي حكم ولاية نيويورك لثلاث فترات وحظي بدعم شبكة واسعة من رجال الأعمال والشخصيات السياسية، بينما تغلب السيد على عضوة في الكونجرس حظيت بدعم قيادة الحزب وحاكمة ميشيجان وإنفاق انتخابي خارجي بعشرات الملايين من الدولارات.
ويجمعهما كذلك الاعتماد على خطاب اقتصادي موجه إلى العمال والطبقات المتوسطة والشباب، فممداني ركز على الإيجارات والمواصلات ورعاية الأطفال، بينما وضع عبدالرحمن السيد الرعاية الصحية والديون الطبية وأجور العاملين ونفوذ الشركات في قلب حملته، وفي الحالتين لم يكن الدعم للقضية الفلسطينية منفصلًا عن الخطاب الداخلي، بل جرى تقديم الإنفاق العسكري الأمريكي على إسرائيل بوصفه أموالًا يمكن توجيهها إلى احتياجات الأمريكيين في الصحة والسكن والخدمات.
وينتمي المرشحان إلى خلفيتين مسلمتين ومهاجرتين ويطرح كل منهما احتمالًا تاريخيًا، ممداني أصبح أول مسلم يرأس بلدية نيويورك، وعبدالرحمن السيد قد يصبح أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ، وهي رمزية تكتسب وزنًا إضافيًا في ظل معارك الهوية والهجرة والدين داخل السياسة الأمريكية، لكنها لا تفسر وحدها نجاحهما الذي اعتمد بصورة أساسية على برامج اقتصادية واضحة وتنظيم انتخابي واسع ودعم من الناخبين الشباب والتيار التقدمي.
أما المشترك الأبرز في رد ترامب فهو تحويل انتقاد إسرائيل إلى اتهام بكراهية اليهود، فالرئيس الأمريكي لم يقدم في منشوره عن عبدالرحمن السيد دليلًا على وصفه بأنه «يكره اليهود»، بينما تتركز مواقف عبدالرحمن السيد المعلنة في معارضة المساعدات العسكرية لإسرائيل واتهامها بارتكاب إبادة في غزة والدعوة إلى مساواة الفلسطينيين والإسرائيليين في الحقوق، وهو النمط نفسه الذي ظهر مع ممداني عندما استخدم ترامب والجمهوريون موقفه من إسرائيل لتقديمه بوصفه معاديًا لليهود.
ويطلق أيضًا ترامب وصف «الشيوعي» على ممداني والسيد؛ رغم أن الأول يعرّف نفسه بوصفه اشتراكيًا ديمقراطيًا ويدعو إلى توسيع الخدمات العامة وفرض ضرائب أعلى على الأثرياء، بينما لا ينتمي عبدالرحمن السيد إلى منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين ويقدم نفسه بوصفه مؤمنًا بالاقتصاد الرأسمالي مع ضرورة إخضاعه لقواعد تمنع الاحتكار وتضمن الرعاية الصحية والعدالة الاجتماعية، ما يجعل الهجوم الأيدولوجي غير مبرهن.
- تشابه كبير واختلافات حاسمة
يدخل الاختلاف الأول من طبيعة المنصب والبيئة الانتخابية، فرئاسة بلدية نيويورك منصب محلي داخل مدينة يهيمن عليها الديمقراطيون، وكان انتصار ممداني في الانتخابات التمهيدية يعني أن فرصه في الفوز بالانتخابات العامة مرتفعة، أما عبدالرحمن السيد فيخوض سباقًا في ولاية متأرجحة أمام مرشح جمهوري قوي ومدعوم مباشرة من ترامب، كما أن نتيجة السباق قد تؤثر في ميزان القوى داخل مجلس الشيوخ والسياسات الأمريكية الداخلية والخارجية.
ويتمثل الاختلاف الثاني في المرحلة التي وصل إليها كل منهما، فممداني اجتاز الانتخابات التمهيدية والعامة وأصبح عمدة نيويورك بالفعل، بينما حسم عبدالرحمن السيد ترشيح حزبه فقط، وما زال مطالبًا بتوحيد الديمقراطيين وجذب الناخبين المستقلين وهزيمة مايك روجرز في نوفمبر، ومن هنا جاءت عبارة ترامب عن «الأخبار العظيمة للحزب الجمهوري»، إذ يراهن الرئيس على أن مواقف السيد التقدمية ستمنح الجمهوريين فرصة لاستعادة المقعد أو الاحتفاظ بتفوقهم في الولاية.
تكشف المقارنة أن ترامب لا ينظر إلى ممداني وعبدالرحمن السيد بوصفهما خصمين منفصلين، بل صورتين لمنافس واحد يسعى إلى تثبيته في أذهان الناخبين، ديمقراطي مسلم وتقدمي وناقد لإسرائيل ومؤيد لتدخل أكبر للدولة في الاقتصاد، ومن خلال تكرار كلمتي «الشيوعية» و«كراهية إسرائيل» يحاول ترامب تحويل الانتصارات الداخلية لليسار الديمقراطي إلى مادة تعبئة للجمهوريين.