أعلنت الكاتبة والروائية منصورة عز الدين، عن نشر الترجمة الإنجليزية لقصة «جدة بعيدة تبكي في الظلام»، من مجموعتها القصصية الأحدث «متحف الأخطاء»، الصادرة عن دار الشروق، ضمن مواد العدد الجديد من مجلة «روايات».
ويمنح صدور الترجمة الإنجليزية مناسبة لإعادة قراءة القصة والتوقف عند هذا النص، واستكشاف ما يقدمه من تجربة سردية تتشابك فيها الذاكرة مع الفقد، والحنين مع الزمن.
وتأخذنا قصة «جدة بعيدة تبكي في الظلام» إلى عالم تتداخل فيه الذاكرة بالحاضر، حيث تبدأ الحكاية من رغبة تبدو بسيطة، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات أعمق من المشاعر والأسئلة، إذ تنطلق البطلة في رحلة للبحث عن قلادة ذهبية كانت تملكها أمها، تصفها عزالدين: "أشبه بشبكة مكونة من حبات حمص ذهبية، تصل بينها سلاسل عرضية وطولية رفيعة".
لا تبدو القلادة داخل القصة مجرد حُلي فقدتها الأسرة في وقت من الأوقات، وإنما تحمل قيمة عاطفية كبيرة، لأنها ترتبط بالأم التي اضطرت إلى بيعها من أجل تأمين مستقبل أبنائها، ثم بقيت تتحسر عليها حتى رحيلها، ومن هنا يصبح البحث عنها محاولة للاحتفاظ بجزء من الأم نفسها، وكأن البطلة تريد أن تستعيد حضورها ولو في صورة شيء مادي يحمل رائحتها وذكرياتها.
ومع انتقال البطلة بين محال الصاغة وشوارع القاهرة، تستعيد تفاصيل كثيرة من حياتها، لتكتشف أن الماضي لا يغيب كما نظن، وإنما يرافقنا في أبسط المواقف، وأن كل خطوة في رحلتها تعيد إليها موقفًا قديمًا أو حكاية سمعتها في طفولتها، حتى تبدو المدينة نفسها وكأنها تحتفظ بذكريات أصحابها.
ولا تتوقف قصة «جدة بعيدة تبكي في الظلام»، عند حدود الحنين إلى الأم، وإنما تفتح بابًا للتأمل في العلاقات الإنسانية وما يصاحبها من حيرة وصراع، فالبطلة تعيش علاقة عاطفية مع رجل متزوج، وتدرك منذ البداية تعقيد هذا الاختيار، إذ تعيش حالة من التشظي بين الرغبة في الاستمرار والشعور بالذنب: «كلما ازداد ارتباطك بهذا الغريب، وجدتِ نفسك في مواجهة مع سِلسال جَداتك؛ نساء لا تعرفين عن معظمهن سوى أسمائهن، لكنهن يمثلن خط نسبِك من ناحية الأم. تقف هؤلاء النسوة أمامك وفي عيونهن نظرات لوم، فيما تحدقين أنتِ في أمِكِ وحدها فتشيح بوجهها عنك. تؤمنين بأن علاقتك هذه تقصيكِ عنهن، وتضعكِ في موضع الخاطئة. أحيانًا تشعركِ هذه الإدانة المفترضة من جداتك بلذة مصحوبة بإحساس خافت بالذنب، وفي أحيان أخرى تريدين البكاء كطفلة تتمسح في رداء أم غافلة عنها»، وهكذا لا تهتم القصة بتقديم أحكامًا جاهزة، لكنها تترك الشخصية تواجه أسئلتها بنفسها، وهو ما يمنحها قدرًا كبيرًا من الإنسانية.
ومن أكثر الجوانب تأثيرًا حضور الجدات في ذاكرة البطلة، فهن لا يظهرن باعتبارهن شخصيات من الماضي فقط، وإنما كامتداد لحياتها، وكأن أصواتهن ما زالت ترافقها وهي تتخذ قراراتها فهى تظل «إلهام بنت عائشة بنت فاطمة بنت سالمين بنت نوال بنت نوال بنت خديجة». ومع استرجاع حكاية الجدة التي وقعت في حب خطيب ابنتها، تدرك البطلة أن النساء اللاتي سبقنها لم يكنّ بعيدات عن الضعف أو التردد أو الرغبة، وأن لكل واحدة منهن حكاية لم تُرو كاملة.
ومن هنا يكتسب عنوان القصة دلالته المؤثرة؛ فالمقصود بتلك «الجدة البعيدة التي تبكي في الظلام» ليس امرأة بعينها بقدر ما هو مصير أجيال من النساء اللاتي حملن أحزانهن في صمت، وواصلن الحياة دون أن يجدن فرصة للبوح بكل ما في داخلهن، ومن بينهن البطلة ذاتها التي تكتشف أنها تحمل داخلها شيئًا من أمها، وشيئًا من جدتها، وربما من نساء كثيرات سبقنها، وأن الإنسان لا يبدأ حياته من الصفر، وإنما يواصل حكاية بدأت قبل ولادته بسنوات طويلة.
تنهي منصورة عز الدين القصة على لحظة تحمل قدرًا من الطمأنينة، عندما تجد البطلة من يستطيع تنفيذ القلادة اعتمادًا على صورتها القديمة، صحيح أنها ليست القطعة الأصلية التي ارتدتها الأم، لكنها تمنحها إحساسًا بأنها استعادت شيئًا من الماضي، وأن الذكريات يمكن أن تستمر بأشكال مختلفة، حتى لو استحال استعادة الزمن نفسه.
في النهاية تقدم «جدة بعيدة تبكي في الظلام» حكاية إنسانية عن الذاكرة، والعائلة، والأمومة، والحنين، وما يتركه الماضي من أثر في اختياراتنا. ومن خلال تفاصيل يومية تبدو مألوفة، تطرح أسئلة عن الحب والذنب والميراث العاطفي، لتذكرنا بأن بعض الأشياء التي نظن أننا فقدناها تظل تعيش في داخلنا، وتعود إلينا كلما منحناها فرصة للكلام.