منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية في يناير 2025، بدأ الحديث عن حرب إسرائيلية أو أمريكية إسرائيلية مشتركة ضد إيران من أجل تفكيك برنامجها النووي. في المقابل كانت إيران تهدد باستمرار بإغلاق مضيق هرمز الذي تمر منه نحو خمس إمدادات الطاقة العالمية من نفط وغاز طبيعي مسال، وكميات ضخمة من المنتجات البتروكيماوية الحيوية مثل اليوريا والألومنيوم والهليوم، إذا ما تعرضت لأي هجوم عسكري شامل.
ويبدو أن إدارة الرئيس ترامب لم تصدق التهديدات الإيرانية فشنت بالاشتراك مع إسرائيل الحرب الثانية ضد إيران في 28 فبراير الماضي، لترد طهران بإغلاق المضيق أمام حركة الملاحة التجارية، فحرمت أسواق العالم من إمدادات النفط والغاز الطبيعي الحيوية، وفشلت كل المحاولات الأمريكية سواء بالحصار العسكري للموانئ الإيرانية وبنشر وحداتها البحرية في بحر العرب في إعادة فتح المضيق، رغم إعلان وقف إطلاق النار بين أطراف القتال في 7 أبريل الماضي، والالتزام به.
وبدأت الآثار الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز تظهر في مختلف دول العالم لتعاني من نقص حاد في الوقود ومنتجات أخرى وارتفاع حاد في أسعار وقود الطائرات، وانخفاض في الطلب العالمي على النفط لأول مرة منذ جائحة فيروس كورونا المستجد. وفي الولايات المتحدة، تجاوز سعر البنزين 4 دولارات للجالون، وقد يصل إلى 5 دولارات بنهاية الشهر الحالي. وإذا استمر إغلاق المضيق، فإن هذه الضغوط الاقتصادية ستتفاقم، مما سيؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ نمو الاقتصاد.
لذلك شبه المحللون السياسيون قدرة إيران على إغلاق المضيق بـ"سلاح النفط " الذي استخدمته الدول العربية المنتجة للنفط ضد الغرب للضغط على إسرائيل أثناء حرب أكتوبر بين مصر وسوريا وإسرائيل في سبعينيات القرن الماضي.
من ناحيته يقول جريجوري بريو المحلل الكبير في مؤسسة أوراسيا جروب" للأبحاث في تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية إن استخدام إيران لورقة مضيق هرمز في الحرب الحالية يضع النظام الدولي اليوم أمام تحد أكبر وأكثر استدامة مما كان عليه الأمر في السبعينيات. فحتى لو فشلت إيران في ترسيخ المفهوم الذي تروج له حاليا وهو فرض رسوم على المرور من المضيق على المدى الطويل، فإنها أثبتت قدرتها على إغلاق هذا الممر المائي الحيوي أمام حركة الملاحة حتى في مواجهة قوة عسكرية كبيرة مثل الولايات المتحدة.
لذا سيظل هذا التهديد يلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي في المستقبل المنظور. في الوقت نفسه من غير المرجح نجاح الحرب الأمريكية الإسرائيلية في الانتصار على النظام الإيراني، وسيظل المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية آية الله مجتبى خامنئي وحلفاؤه في الحرس الثوري الإسلامي في السلطة. وإذا ما تجددت الأعمال العدائية، فستكون طهران قادرة على إغلاق المضيق مرة أخرى، وهو الخطر الذي ينبغي على واشنطن الاعتراف به والتعامل معه وعدم الوقوع في وهم أن القوة العسكرية والمناورات الدبلوماسية كفيلة بحل هذه المشكلة بشكل دائم.
ويقول بريو مؤلف كتاب "الكفاح من أجل إيران: النفط والحكم الاستبدادي والحرب الباردة من 1951 إلى 1954" إن الولايات المتحدة تحتاج إلى إعادة فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن لتجنب أزمة اقتصادية أشد خطورة، وهو ما يتطلب مزيجا من المفاوضات والضغط الاقتصادي على طهران. كما يتعين على الولايات المتحدة إيجاد سبل لضمان عدم تضرر الاقتصاد العالمي كما هو الحال الآن في حال حاولت إيران إغلاق المضيق مجددا. ويعني هذا ضروة تطوير استراتيجيات تعزز مرونة قطاع الطاقة، ودعم جهود تنويع خطوط الشحن في دول الخليج العربي، بما يقوض الأهمية الاستراتيجية للمضيق وحرمان إيران من ورقة استراتيجية حيوية للغاية لديها.
وكان أوضح مثال على النفط كسلاح لتحقيق أهداف سياسية هو قرار الدول العربية الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) إنتاج النفط وحظر تصديره إلى الولايات المتحدة عقب اندلاع الحرب مع إسرائيل في أكتوبر 1973. وكان للحظر تأثير قوي، حيث ارتفعت أسعار النفط العالمية بنسبة 400% تقريبا وعانت الولايات المتحدة من أزمة وقود حادة. لكن استخدام العرب للنفط كأداة سياسية لم يدم طويلا.
وفي أعقاب أزمة النفط في أوائل السبعينيات طورت الولايات المتحدة والدول الصناعية الأخرى أدوات للتعامل مع الصدمات المستقبلية، أهمها تكوين مخزونات استراتيجية من النفط تكون حاجز صد في مواجهة الاضطرابات المفاجئة. ولم تتمكن أي دولة أو مجموعة دول من استخدام سلاح النفط بنجاح مرة أخرى، لأن منظمة أوبك وأعضائها العرب لم يعودوا قادرين على ابتزاز الاقتصاد العالمي.
في المقابل، من المرجح أن يكون نجاح إيران في استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط أكثر استدامة. فقد أمضت طهران عقودا في تطوير الأدوات اللازمة لإغلاق المضيق، من الألغام، والصواريخ، والطائرات المسيرة، والصواريخ الباليستية المضادة للسفن، وأسطول من الزوارق الصغيرة السريعة القادرة على مهاجمة السفن العابرة وإغراقها. في الوقت نفسه لم يكن شهر من القصف الأمريكي والإسرائيلي المكثف لإيران كافيا لإجبارها على فتح المضيق؛ كما اتضح صعوبة استخدام القوة البحرية العسكرية لمرافقة السفن التي تريد العبور من المضيق، نظراً لتردد الدول الأخرى في الدخول في الصراع.
في الوقت نفسه بات في إمكان إيران التهديد بإغلاق مضيق هرمز مستقبلا، حيث لا تحتاج إلا لجهد يسير لردع شركات الشحن عن استئناف حركة الملاحة. كل ما عليها فعله هو زرع المزيد من الألغام أو شن هجمات محدودة على السفن العابرة لكي تفكر الشركات ألف مرة قبل المغامرة بعبور سفنها للمضيق دون موافقة طهران. وإذا نجحت إيران في فرض نظام رسوم مرور على السفن في المضيق، فمن غير المرجح إجبارها على تغيير موقفها بالقوة العسكرية. لذلك يجب على دول المنطقة وشركات الشحن والجهات الدولية الفاعلة اعتبار تهديد إيران لحرية الملاحة في المضيق حقيقيا، حتى لو أُعيد فتحه على المدى القريب.
كما ستحتاج الولايات المتحدة إلى استخدام مزيج من القوة والدبلوماسية لإعادة فتح مضيق هرمز خلال الشهور المقبلة. وقد بدأت إيران فرض رسوم على السفن العابرة، لكن من المرجح أن تواجه صعوبات في الحفاظ على هذا النظام نظرا للمعارضة الدولية والإقليمية الواسعة لها. وقد اختارت واشنطن الضغط الاقتصادي عبر حصار بحري يخنق قدرة إيران على تصدير النفط، في حين مازالت قناة المفاوضات بين الجانبين مفتوحة.
مع ذلك، يتعين على واشنطن وشركائها الدوليين اتباع استراتيجيات إضافية للحد من تعرضهم لأي إغلاق مستقبلي للمضيق خلال السنوات القليلة المقبلة. ومن هذه الاستراتيجيات توسيع شبكات خطوط نقل الطاقة في الخليج العربي، بعيدا عن المضيق، خاصة وأن هذه الخطوط الحالية تستطيع نقل ما يقارب 9 ملايين برميل خام يوميا، أي ما يقارب نصف إجمالي الكمية التي تمر عادة عبر المضيق. وستكون هناك حاجة إلى خطوط إضافية لتخفيف الضغط على البحرين والعراق والكويت، التي تفتقر حاليًا إلى طرق بديلة لتجاوز المضيق.
خيرا وكما كان الحال مع أزمة السبعينيات، من المرجح أن يكون للصدمة الناجمة عن الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز آثار واسعة النطاق، بغض النظر عن كيفية أو وقت انتهاء الصراع. لكن على عكس الأزمة السابقة، سيكون التهديد الذي يشكله "سلاح النفط" الإيراني الجديد أكثر استمرارا. فقد أثبتت إيران قدرتها على إغلاق المضيق وإبقائه مغلقًا، حتى في مواجهة القوة العسكرية الكاملة للقوة العظمى الأكبر في العالم. لذلك ستحتاج الولايات المتحدة ودول أخرى، في المنطقة وخارجها، إلى تطوير نظام الطاقة العالمي بحيث لا يقع العالم في فخ إيران بسهولة في المرة القادمة.