تعد سير الصالحات تربية عملية للنفوس، وغَرْس للفضائل، وتدريب على التجمل بالآداب الإنسانية في ميادين الخُلُق والرضا وطاعة الله؛ ذلك لأن التربية بالاقتداء من خير الأساليب التربوية؛ لصقل الطباع، وتهذيب المشاعر، والسير قدما على طريق التقوى والاستقامة.
وفي عصر الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- برزت قصص عشرات النساء في حياة نبي الأمة، ممن كان لهن أثر عظيم في عصرهن والعصور التي تلته، أفرد لهن المؤلف والمترجم السوري أحمد خليل جمعة كتاب "نساء في عصر النبوة" الصادر عن دار نشر ابن كثير، ليركز على دورهن وما جرى لهن من أحداث ترتبط بالدعوة الإسلامية وبالرسول.
زينب بنت أبي معاوية رضي الله عنها
قال لها رسول الله ﷺ: إذا خرجت إلى العشاء الآخرة فلا تمسي طيباً.. وقال لها عليه الصلاة والسلام: صدق ابن مسعود زوجك وولدكِ أحقُّ من تصدقت به عليهم.
زينب الثقفية إحدى الزيانب:
وصفها أبو نعيم الأصبهاني -رحمه الله- في مطلع ترجمته لها فقال: المتصدقةُ المُصلية، زينبُ الثقفية، المتخلية من حليها، المتقربة به إلى وليها رضي الله عنها.
وزينب هذه إحدى الزيانب -جمع زينب- اللواتي بلغن شأنا عظيماً بين نساء الصحابة في مجال الفضائل، إنَّها زينب بنت أبي معاوية الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وعنها.
كانت زينب امرأةً صناعة، تعمل بيدها، وتبيع من صناعتها، وتنفق على ذويها، وقد أسلمت مع من أسلم وبايعت مع من بايع، وروت عن رسول الله، وشهدت خيبر.
زينب راوية أحاديث الرسول:
وكانت زینب رضي الله عنها إحدى فُضليات نساء الصحابة اللاتي وعين الحديث النبوي، حيث بلغت مروياتها ثمانية أحاديث، وروت عن رسول الله وعن زوجها عبد الله بن مسعود وعمر بن عنهما، وروى عنها الحديث ابنها أبو عبيدة وابن أخيها وبشر بن سعيد الله الخطاب رضي وغيرهم.
ومن مروياتها ما ذكرته عن نهي رسول الله ﷺ المرأة عن مس الطيب عند خروجها من بيتها؛ فقد أخرج ابن سعد - رحمه الله ـ بسنده عن بشر بن سعيد قال: أخبرتني زينب الثَّقفية امرأة عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: إذا خرجت إلى العشاء الآخرة فلا تمسي طيباً.
زينب وزوجها والطب النبوي:
في حياة الصحابية الكريمة زينب الثّقفية وقفات رائعة، ولمسات مباركة، وأعمال رائعة، إذ اقتبست من زوجها كثيراً من الفضائل والصفات الحميدة، فقد كان زوجها إماماً حبراً فقيهاً سابقاً للإيمان نجيباً عالماً خيراً ديناً، أحد أذكياء علماء الصَّحابة وفضلائهم، فقد اقتدت زينب بزوجها المؤتسي برسول الله ﷺ وربَّما سابقته في مجال الفضائل، وكان زوجها يرشدها لتقتفي الهدي النبوي في جميع أمورها، وتنقل زينب رضي الله عنها صورة طيبة عن ذلك.
فقد أخرج الإمام أحمد - رحمه الله - بسنده عنها قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه، وإنه جاء ذات يوم فتنحنح وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، فأدخلتُها تحت السرير، فدخل فجلس على جانبي فرأى في عنقي خيطاً فقال: ما هذا الخيط ؟، قلت: خيط رقي لي فيه، فأخذه فقطعه.
ثم قال: إِنَّ آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، فقد سمعت رسول الله يقول إِنَّ الرُّقى والتمائم والتولة شرك، فقلتُ له: لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف، فكنتُ أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، فكان إذا رقاها سكنت، فقال: إنما ذاك من الشَّيطان كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كفَّ عنها، إنَّما كان يكفيك أن تقولي كما قال النَّبيُّ ﷺ: أذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً.
موقف زينب والتصدق على زوجها
يقول الفقهاء إذا كان للزوجة مالٌ تَجِبُ فيه الزَّكاة، فلها أن تعطي زوجها من زكاتها - إذا كان من أهل الاستحقاق - لأنَّه لا يجب عليها الإنفاق عليه، وثوابها في إعطائه أفضل من ثوابها إذا أعطتِ الأجنبي.
وتوفرت هذه الشروط في زينب الثّقفية رضي الله عنها، خصوصاً وأنها قد سمعتِ النَّبي الله يحضُّ النساء على الصدقة والتَّقرب إلى الله عزَّ وجلَّ، فأخذت حلياً لها لتتصدق به فقال لها زوجها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أين تذهبين بهذا الحلي؟، فقالت : أتقرب به إلى الله ورسوله، فقال: هلمي تصدقي به علي وعلى ولدي فأنا له مَوْضِعُ.
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن زينب امرأة ابن مسعود قالت: يا نبي الله، إنَّك أمرتَ اليوم بالصَّدقةِ وكان عندي حلي، فأردت أن أتصدق به فزعم ابن مسعود أنَّه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النَّبِيُّ: صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدَّقتِ به عليهم.
وفي رواية أخرى عن عمرو بن الحارث عن زينب امرأة عبد الله رضي الله عنهما قالت: أن رسول الله قال تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن، فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنَّك رجلٌ خفيف ذات اليد - قليل المال - وإنَّ رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصَّدقة فائته فاسأله، فإن كان ذلك يُجزى عني، وإلا صرفتها إلى غيركم، فقال لي عبد الله: بل ائتِه أنتِ.
فانطلقتُ فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله حاجتها حاجتي، وكان رسول الله قد أُلْقِيَتْ عليه المهابة، فخرج علينا بلال رضي الله عنه فقلنا له: ائت رسول الله، فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزي الصَّدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما، ولا تخبره من نحن؟، فدخل بلال على رسول الله له فسأله فقال له رسول الله ﷺ: مَنْ هُما؟.
فقال: امرأة من الأنصار وزينب، فقال رسول الله ﷺ: أي الزيانِبِ؟، قال: امرأةُ عبد الله بن مسعود، فقال رسول الله: لهما أجران أجر القرابة، وأجر الصدقة؟، ورجعت زينب وقد قرَّتْ عينُها بما أخبرها به النبي الكريم ﷺ عن مضاعفة الله عزَّ وجلَّ لها الأجر في الإنفاق على زوجها وذويها.
الأيام الأخيرة ووصية زوجها
وعاشت الصحابية زينب الثَّقفية إلى نهاية عصر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، يدل على ذلك وصية زوجها عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: بسن الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى عبد الله بن مسعود، إن حدث به حَدَث في مرضه، إنَّ مرجع وصيته إلى الزبير بن العوام وإلى ابنه عبد الله ابن الزبير، وإنّهما في حل وبل فيما وليا من ذلك وقضيا من ذلك لا حرج عليهما في شيء منه، وإنه لا تزوّج امرأة من بناته إلا بعلمهما، ولا يُحْجَرُ ذلك عن امرأته زينب بنت عبد الله الثقفية، وقد توفي ابن مسعود سنة 32 هجريا، وربما عاشت امرأته زينب بعده مدة من الزمن رضي الله عنهما.ر