من قوائم الحصر إلى قرارات الهدم.. مصير مبنى يتجاوز عمره 170 عاما في شارع المعز - بوابة الشروق
الأربعاء 11 مارس 2026 11:06 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

من قوائم الحصر إلى قرارات الهدم.. مصير مبنى يتجاوز عمره 170 عاما في شارع المعز

تحقيق: هند الشناوي
نشر في: الإثنين 12 يناير 2026 - 6:50 م | آخر تحديث: الإثنين 12 يناير 2026 - 6:51 م

قبل نحو 5 أشهر، أعاد صاحب أحد محال العصائر بالعقار رقم 112 بشارع المعز فتح محله بعد فترة من الإغلاق، إلا أن عودته لم تكتمل؛ إذ فوجئ عقب تشغيل العصارة بانهيار جزء من الطابق العلوي بالمبنى الملاصق لمسجد سليمان بك السلحدار، بحسب رواية أحد أقدم سكان الشارع. وعلى إثر الواقعة، أغلق الحي المحال الواقعة في نطاق الانهيار، في وقت لم تكن قد صدرت فيه أي تراخيص سابقة لأعمال ترميم.

وقال الحاج فؤاد عبده، أحد التجار القدامى بالمنطقة: «المبنى، وهو ملكية خاصة، يعود تاريخه إلى أكثر من 170 عامًا، ويعاني جزء منه منذ سنوات من تأثيرات المياه الجوفية، لا سيما القادمة من محيط مسجد سليمان أغا السلحدار المجاور له، والتي أثّرت بشكل مباشر على أساساته».

ويتميز العقار بطراز معماري إسلامي، وشبابيك مزخرفة بخشب الأرابيسك، إلا أن الجزء الخلفي منه تعرض لتلف شديد بسبب تجمع المياه أسفل المسجد، ما أدى إلى انهيار مفاجئ لأحد أجزائه.

وتعاقب على ملكية المبنى نحو 180 وريثًا دون أن تُتخذ خطوات جادة لترميمه، رغم تركيب عدادات كهرباء حديثًا لساكنيه. ويقع العقار على بُعد أمتار قليلة من بيت السحيمي، ممتدًا بواجهة عريضة على شارع المعز، ويضم قرابة 21 محلًا تجاريًا. وكان المبنى مسجلًا ضمن قوائم الحصر بالجهاز القومي للتنسيق الحضاري باعتباره مبنى تراثيًا ذا قيمة معمارية مميزة.

- قرار الإسكان رقم 1218 لسنة 2025.. الشطب تمهيدًا للهدم

غير أن قرارًا صادرًا عن وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، حمل رقم 1218 لسنة 2025، قضى بشطب المبنى 112 شارع المعز برقم توثيق (03160000253)، إلى جانب مبانٍ تراثية أخرى بالقاهرة: (المبنى رقم 2 بشارع الزيادة ناصية ابن طولون برقم توثيق (033000000319)، والعقار رقم 19 بشارع يعقوب متفرع من شارع خيرت بالسيدة زينب برقم توثيق (0300000016))، من سجلات الحصر، تمهيدًا لهدمها ضمن مشروع تطوير القاهرة التاريخية، وهو ما أثار تساؤلات حول موازنة التطوير مع الحفاظ على التراث.

وفي هذا السياق، قال المهندس محمد أبو سعدة، رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، في تصريحات خاصة لـ«الشروق»، إن المبنى رقم 112 بشارع المعز فقد مقومات تسجيله ضمن الأبنية المحمية بعدما أصبح يشكل خطورة داهمة، إثر انهيار جزء كبير منه وميل الجزء المتبقي بشكل حاد في اتجاه مسجد السلحدار، معتبرًا أن قرار شطبه من سجلات الحصر جاء حفاظًا على أرواح المواطنين.

- قانون البناء.. 3 فئات للمباني التراثية

ووفقًا لقانون البناء الموحد رقم 144 لسنة 2006، فإن التسجيل في قوائم الحصر بجهاز التنسيق الحضاري يسمح بإدراج المباني التراثية وفقًا لثلاث فئات، وهي:

الفئة (أ): وهي المباني عالية القيمة، والتي لا يُسمح فيها بإجراء أي تعديلات خارجية أو داخلية على المبنى.

الفئة (ب): وهي فئة المباني التي أغلبها يسكنها شاغرون، ويُسمح فيها بإجراء بعض التعديلات التي لا تغير في أصالة المبنى، مثل تركيب مصعد، وتوضيب دورة مياه، بعد موافقة لجنة المناطق التراثية.

الفئة (ج): وهي تسمح بإمكان هدم المبنى في حالة وجود خطورة داهمة، مع الحفاظ على واجهته كما هي كذاكرة للمكان.

وفي هذا السياق، علق أبو سعدة بأنه أيًا كانت الفئة المدرج بها العقار رقم 112 بشارع المعز، فقد صدر قرار بشطبه من سجلات الحصر تمهيدًا لهدمه، حيث لم يعد ذا قيمة معمارية تسمح بالإبقاء عليه.

في المقابل، قال المهندس عمرو خطاب، المتحدث الرسمي باسم وزارة الإسكان، إن محافظة القاهرة خاطبت وزارة الإسكان باعتبار الوزارة الجهة المسؤولة عن التخطيط، بتوصيات اللجان الدائمة لحصر المباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز بالمنطقتين الغربية والجنوبية، بشأن حذف المباني المشار إليها من سجلات الحصر بالتنسيق الحضاري تمهيدًا لهدمها. وأضاف أن الوزارة أعلنت قرار الحذف، ونُشر القرار في العدد رقم 279 بجريدة الوقائع المصرية تحت رقم 1218 لسنة 2025 بتاريخ 11 ديسمبر 2025.

وقالت سمية إبراهيم، رئيس حي وسط القاهرة، في تصريح خاص لـ«الشروق»: «المبنى رقم 112 شارع المعز مكون من جزئين؛ الأول عبارة عن دور أرضي وطابق واحد، والثاني عبارة عن دور أرضي وطابقين، وما حدث هو انهيار الجانب الأيسر من الجزء الثاني منذ أكتوبر الماضي. بعدها تم إخلاء العقار ومخاطبة محافظة القاهرة لإرسال لجنة لمعاينة العقار، حيث إنه ذو طراز معماري متميز. وقامت المحافظة بمخاطبة الجهاز القومي للتنسيق الحضاري بقرار شطب المبنى من قوائم الحصر بسبب حالته الإنشائية السيئة».

وتابعت: «آخر رخصة صدرت لترميم المبنى كانت في التسعينات، بعدها لم تصدر أي رخص أخرى للترميم».

وفيما يتعلق بماهية مُلّاك العقار، أوضحت رئيس الحي أنه لا توجد معلومات عن المالكين، وجارٍ حاليًا استصدار رخصة لهدم المبنى بالكامل لخطورته الداهمة.

- الجدل القانوني: هل يجوز شطب مبنى تراثي دون مسار تظلمات أو قضاء؟

وفي تصريحات خاصة لـ«الشروق»، كشفت الدكتورة سهير حواس، أستاذ العمارة والتصميم العمراني بكلية الهندسة جامعة القاهرة، عن الآليات القانونية لشطب المباني ذات القيمة التراثية من سجلات الحصر بالجهاز القومي للتنسيق الحضاري.

وقالت حواس إن هناك مسارين رئيسيين لشطب مبنى تراثي من السجلات: المسار الأول يبدأ بتقديم المالك طلبًا إلى لجنة التظلمات بالجهاز وفقًا لأحكام القانون رقم 144 لسنة 2006، حيث تقوم اللجنة بمعاينة العقار ميدانيًا، ولها الحق في قبول أو رفض التظلم بعد المعاينة، وإذا ما تمت الموافقة يُحال الأمر إلى مجلس الوزراء لاتخاذ القرار النهائي بشطب المبنى.

أما المسار الثاني، فيتمثل في صدور حكم قضائي من المحكمة، التي تنتدب بدورها خبيرًا لمعاينة الموقع وتحديد ما إذا كان المبنى يستحق التسجيل كتراث أم لا. وأكدت حواس أهمية انتداب أكثر من خبير لضمان دقة التقييم، وضرورة أخذ رأي رئيس لجنة الحصر قبل رفع تقرير الخبير إلى المحكمة.

وأضافت حواس أن هناك استثناءً يتمثل في وقوع المبنى ضمن نطاق مشروع قومي، حيث لا يُلجأ في هذه الحالة إلى لجنة التظلمات أو القضاء. وشددت على أن المبنى رقم 112 بشارع المعز لدين الله الفاطمي لا يقع ضمن أي مشروع قومي، وبالتالي لا يجوز شطبه دون العودة إلى الجهات المختصة واتباع الإجراءات القانونية المقررة.

وأوضحت أن مفهوم «التطوير» في المناطق التراثية يعني في الأساس إنقاذ ما يمكن إنقاذه، مع الحفاظ على المباني كما هي وتطبيق سياسات الترميم والصيانة. وتساءلت: «كيف وصل هذا المبنى إلى حالة الانهيار الجزئي؟ ولماذا لم يُرمم على مدار السنوات الماضية؟».

وناشدت حواس الجهات المعنية سرعة التدخل لإنقاذ ما تبقى من المبنى رقم 112، مشيرة إلى أن انهيار جزء منه لا يبرر هدمه كليًا، بل يمكن ترميمه أو على الأقل الحفاظ على واجهته كذاكرة حية للمكان، حتى لا يفقد شارع المعز التاريخي أحد أعضائه التراثية المهمة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك