عندما يُقبل الأفراد على تعلم لغة جديدة غالبا ما يكون هدفهم الأول هو التركيز على القواعد والمفردات الصارمة والممارسة الميكانيكية، لكن الغالبية تواجه صعوبة في التحصيل وإتقان اللغة برغم الحفظ المستمر للقواعد والكلمات.
وبحسب موقع معهد اللغات القديمة، يستغرق تعلم لغة جديدة ما بين 600 إلى أكثر من 2000 ساعة من الدراسة والممارسة بناء على مدى صلة اللغة الجديدة باللغة الأم، وتتوقف سرعة التعلم على الهدف المرجعي ومدى الانتظام اليومي وبيئة الانغماس، حيث يختصر التواجد في بيئة تستخدم اللغة من سرعة تعلمها واختصار المدة الزمنية بشكل ملحوظ مقارنة بالتعلم الذاتي البحت.
كيف تستوعب أدمغتنا اللغة الأجنبية؟
يحاول المتعلمون للغات الجديدة عادة مطابقة أصوات اللغة الجديدة مع مخزون أصوات لغتهم الأم، وكلما تباعدت الأصوات زادت صعوبة التعلم، لكن أثبتت دراسة مشتركة أجراها باحثون من جامعة لندن الجامعية وجامعة توهوكو في اليابان، ومنشورة في مجلة علم النفس التجريبي، أن اللغويين الأبرع يتمتعون بقدرة فريدة، فعندما يستمعون إلى أصوات أجنبية غير مألوفة تعالج أدمغتهم هذه الأصوات باعتبارها أصواتا غير كلامية أو ضوضاء عشوائية وليست كلمات محددة، وهذا الفصل الذهني يمنع التداخل الناتج عن أنماط اللغة الأم، مما يسهل استيعاب النطق الجديد بدقة وسرعة.
وكشفت الدراسة عن أسرار جديدة تتعلق بكيفية استيعاب أدمغتنا للغات الأجنبية، وما الذي يميز الموهوبين لغويا عن غيرهم، وشملت الدراسة 67 متعلما يابانيا للغة الإنجليزية، وتم تقييم دقتهم السمعية عبر تمييز فروق طفيفة في درجات الصوت ونبرته في أصوات غير كلامية، إلى جانب قياس نشاط أدمغتهم بالرنين المغناطيسي الوظيفي.
عقول اللغويين الموهوبين
وأظهرت النتائج أن أصحاب الدقة السمعية العالية أتقنوا النطق الأجنبي بشكل أسرع وأدق واعتمدوا بشكل أقل على الجهاز الحسي الحركي الأيسر المسئول عن معالجة اللغة، بينما اعتمد أصحاب الدقة السمعية المنخفضة على الشبكة الحسية الحركية اليسرى في الدماغ بشكل مكثف، وأسقطوا قواعد نطق لغتهم الأم على الأصوات الجديدة، مما عرقل تقدمهم.
وبحسب صحيفة الجارديان البريطانية، يوضح البروفيسور كازويا سايتوفان بوتيرين، المؤلف الرئيسي للدراسة، أنه فيما يتعلق بالاعتقاد الشائع بأن بعض الشعوب تفتقر بيولوجيا إلى مهارات إتقان اللغات، فإن المشكلة تكمن في طرق التدريس وقصور التعرض اللغوي الفعال وليس في القدرات البيولوجية، مشيرا إلى أن المتعلمين ذوي الأذن الموسيقية أو الدقة السمعية العالية يستغلون الساعات القليلة من الممارسة بفاعلية، بينما يحتاج الآخرون إلى فترات تعرض أطول بكثير لترسيخ الأصوات غير المألوفة.
من التعلم التقليدي إلى التفاعل الحي
توصي الدراسة بإعادة النظر في المناهج التقليدية لتدريس اللغات، والتي تفرط في التركيز على القواعد والمفردات الصارمة والممارسة الميكانيكية.
ويقترح الخبراء ضرورة التحول نحو أساليب تعليمية تحفز المهارات السمعية للمتعلمين وتزيد من تفاعلهم الحي مع الأصوات، لأن أدمغتنا مهيأة بطبيعتها لاكتساب اللغات عبر الاستماع والتعرض المباشر، خصوصا في المراحل الأولى.