فيروس كورونا: عندما أغلقت المطاعم في هونغ كونغ لم يجد الناس أماكن عامة تسعهم - بوابة الشروق
الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 6:05 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

تنصح الأهلي بالتعاقد مع؟


فيروس كورونا: عندما أغلقت المطاعم في هونغ كونغ لم يجد الناس أماكن عامة تسعهم

بي بي سي
نشر في: الأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 6:27 ص | آخر تحديث: الأربعاء 16 سبتمبر 2020 - 6:27 ص

بدأت الصور تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر العمال في الهواء الطلق يستخدمون فترات استراحاتهم لتناول الطعام في حدائق المدينة في الحر الشديد أو في المراحيض العامة تحت الأمطار الغزيرة.

وعلى الرغم من أن القرار قد تم التراجع عنه في غضون 48 ساعة، إلا أنه سلط الضوء على ندرة الأماكن العامة الحضرية في هذه المدينة التي يبلغ عدد سكانها 7.5 مليون نسمة.

في حين أن الإغريق القدماء حازوا قصب السبق في جعل ساحة المدينة أو "أغورا" قلب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما فعل الرومان الشيء نفسه مع المنتدى (الفورام)، أصبح توفير الأماكن العامة في المدن الحديثة معقدًا.

ولا يكفي فقط أن تكون هناك مساحة، يجب أن تكون متاحة ومريحة وربما الأهم من ذلك أن تكون مُعدّة ومريحة لمرتاديها. وقد أدت هذه الجائحة والغلق وسياسات التباعد الاجتماعي إلى إبراز الطابع الملّح لهذه القضية.

وفي هونغ كونغ، تمثل المساحات الخضراء العامة في الواقع ما يصل إلى 40 في المئة من إجمالي الأراضي، وهي نسبة كبيرة مقارنة بلندن ونيويورك.

ولكن نظرة فاحصة تظهر أنه في حين أن غالبية السكان يعيشون في ربع مساحة المدينة فقط، فإن أكبر الحدائق تقع في أجزاء أقل كثافة سكانية في المنطقة.

ويستغرق الوصول إلى حديقة ريفية كبيرة في المتوسط مدة ساعة، وفقًا لكارين لاي، وهي كبيرة باحثين في مركز أبحاث سيفيك إكستشينج في هونغ كونغ.

ولكن نظرة فاحصة تظهر أنه في حين أن غالبية السكان يعيشون في ربع مساحة المدينة فقط، فإن أكبر الحدائق تقع في أجزاء أقل كثافة سكانية في المنطقة.

ويستغرق الوصول إلى حديقة ريفية كبيرة في المتوسط مدة ساعة، وفقًا لكارين لاي، وهي كبيرة باحثين في مركز أبحاث سيفيك إكستشينج في هونغ كونغ.

ويقول هندريك تايبين، مدير برنامج التصميم الحضري في الجامعة الصينية في هونغ كونغ، إن الحدائق العامة في هونغ كونغ ليست دائمًا سهلة الاستخدام. ويضيف قائلاً: "ليس هناك الكثير الذي يمكنك القيام به في الحدائق [الحضرية]، مثل الجلوس على العشب وتناول الطعام في الحديقة وما إلى ذلك". "ففي أغلب الوقت لا يُسمح للناس بلمس النباتات".

ويقول تايبين إنه حتى لو كان هناك نافورة في مكان عام، فإن جوانبها تكون مائلة حتى لا يتمكن الناس من الجلوس بشكل مريح.

ومع ذلك، فإن البقاء في المنزل ليس خيارًا جذابًا بشكل خاص للعديد من سكان هونغ كونغ الذين يعيشون في مساحة محدودة للغاية بسبب ارتفاع أسعار العقارات.

وبالنسبة لأسعار المساكن، يبلغ متوسط سعر القدم المربعة 2091 دولارًا، أي أربعة أضعاف سعر نيويورك (526 دولارًا) وضعف سعر سنغافورة (1063 دولارًا أمريكيًا)، كما أظهرت بيانات تقرير شركة الأبحاث السكنية CBRE UK لعام 2019.

وتظهر البيانات الحكومية أن متوسط مساحة الأسرة المعيشية لا يتجاوز 15 مترا مربعا (161.5 قدما مربعة) لكل شخص، في حين ينخفض هذا الرقم في الشقق المقسمة إلى 5.3 متر مربع (56.5 قدما مربعة).

أولويات الأرض
جزء من المشكلة تاريخيّ. وفي حال هونغ كونغ، تقول لاي إن الحكومة الاستعمارية البريطانية كان لديها حافز محدود للغاية لإنشاء مساحة مفتوحة عامة في القرن التاسع عشر حيث اعتمدت بشكل كبير على مبيعات الأراضي للحصول على الإيرادات حتى تتمكن من الحفاظ على الضرائب منخفضة.

وتضيف لاي: "في ذلك الوقت، كان مصطلح 'المساحة المفتوحة ' يعني ببساطة مطالبة أصحاب العقارات بترك الأرض غير المبنية في الجزء الخلفي من المنزل لأغراض الصرف الصحي والتهوية والوقاية من الأمراض. هذا ليس مساحة عامة مفتوحة [كما] نعرف اليوم".

جنة المتسوقين
وأسهمت مراكز التسوق العديدة التي تحتل مساحة تجارية في جعل هونغ كونغ تسمى "جنة المتسوقين".

وتقول لاي إن الحكومة البريطانية لم تبدأ في دمج المفهوم الحديث للمساحة المفتوحة العامة في التخطيط الحضري إلا في أواخر القرن العشرين. وحتى مع ذلك، لم يتحسن الوضع كثيرًا، حيث اعتمدت هونغ كونغ نهج عدم التدخل في تنظيم المطورين من القطاع الخاص.

وتعج هونغ كونغ، التي يطلق عليها اسم "جنة المتسوقين"، بأنواع مختلفة من مراكز التسوق، وهي نتاج مفهوم المدينة للتطوير الهادف إلى تشجيع السياحة.

وخلال فترة النمو الاقتصادي السريع في الثمانينيات، وضعت سياسات لإعادة التوازن بين الاحتياجات المكانية للمواطنين مع المصالح التجارية للمطورين، وفقا لتايبين. وتتمحور هذه السياسات حول ظهور المساحات العامة المملوكة للقطاع الخاص(POPs) .

والغرض من POPs التي استخدمت منذ فترة طويلة في كل من لندن ونيويورك -هو أن تكون حافزًا للمطورين. وفي مقابل السماح لهم بتجاوز أو مخالفة لوائح تقسيم المناطق، يتعين على المطورين فتح جزء من المساحة الخاصة بهم للجمهور.

ومع ذلك، تعرضت POPs للانتقاد في كل من هونغ كونغ ونيويورك ولندن بعد أن كشفت التحقيقات أنه على الرغم من كونها مفتوحة من الناحية الفنية للجمهور، فإن غياب بعض الميزات يثني الناس عن استخدامها.

ففي هونغ كونغ، على سبيل المثال، تندر وسائل الراحة، بما في ذلك المقاعد في الأماكن الداخلية المملوكة للقطاع الخاص مثل مراكز التسوق. فإذا كنت تريد مكانا للجلوس، عليك أولاً أن تشتري شيئاً تستهلكه.

وكتبت الطالبة المحلية كلير لو في دراسة في جامعة لينغنان في هونغ كونغ حول سلبيات التصميم الحضري للمدينة "علينا ان نمر عبر عدد لا يحصى من المحلات التجارية لكي نصل إلى السلالم الكهربية المتحركة، لا يمكننا إلا تناول الطعام الذي تقدمه المطاعم داخل مراكز التسوق، يشجعوننا على الاستهلاك ولا يمكننا الجلوس على الأرض أو الصراخ في مراكز التسوق".

المساحات العامة والرفاهية
منذ تفشي كوفيد-19، أصبحت المساحة العامة الحضرية أكثر أهمية كمهرب تشتد الحاجة إليه من عزلة المنزل لنزهة تراعي التباعد الاجتماعي.

كما أن المدن في جميع أنحاء العالم تتزاحم لاستيعاب السكان؛ فقد منحت العاصمة الليتوانية فيلنيوس الحانات والمقاهي إمكانية الوصول إلى الأماكن العامة لإتاحة فرصة التباعد الاجتماعي للزبائن.

وأغلقت سلطات سان فرانسيسكو طرقًا بعينها أمام المركبات للسماح للسكان بالركض وركوب الدراجات والمشي بأمان. وتشهد المقابر الأمريكية طفرة في عدد الزوار الباحثين عن بعض المساحات في الهواء الطلق.

ولا يُعتبر الفضاء المدني العمراني مجرد شيء لطيف يتوفر لنا. فقد أظهرت الدراسات أن العيش في مدينة يزيد خطر الإصابة بالاكتئاب بنسبة 40 في المئة وأكثر من 20 في المئة من خطر الإصابة بالقلق مقارنة بالمناطق الريفية. وللتبسيط فإن الساحات العامة جيدة لرفاهيتك ولصحتك الذهنية.

وتقول الدكتورة ليلى ماكاي، مديرة مركز التصميم الحضري والصحة العقلية: "يمكن أن يشكل هذا الأمر تحدياً في مدينة مكتظة مثل هونغ كونغ ذات المساحة العامة المحدودة. "خاصة عندما يطلب من الناس البقاء على مقربة من منازلهم، أو تجنُّب وسائل النقل العام للحد من خطر انتشار الفيروس، مما قد يحدّ من إمكانية وصولهم إلى المساحات الخضراء والزرقاء الأكبر في هونغ كونغ".

تعيش الأم العزباء ليندا تشان مع ابنتها البالغة من العمر ثلاث سنوات وابنها البالغ من العمر سبع سنوات في شقة مقسمة تقل مساحتها عن 100 قدم مربعة في واحدة من أكثر المناطق ازدحامًا في المدينة.

وخلال الموجة الأولى والثانية من عدوى فيروس كورونا، استمر أعضاء العائلة في ممارسة المشي لمسافات طويلة في عطلة نهاية الأسبوع ولكن منذ الموجة الثالثة، أصبحت القيود أكثر صرامة والآن هم يمكثون في المنزل.

تقول ليندا: "يرغب الأطفال دائمًا في الخروج، حيث لا توجد مساحة كبيرة لهم للعب هنا [في الشقة]". "لقد انتقلوا من زيارة المتنزهات مرة واحدة في الأسبوع إلى لا شيء في الوقت الحالي. إنهم ليسوا سعداء. لقد أصبح الجميع أكثر مشاكسة. أما أنا فيساورني الغضب كثيرًا".

هناك حاجة إلى مزيد من الطموح
ويرغب تايبين في رؤية المزيد من التعاون بين مسؤولي المدينة والجماعات المحلية من أجل تحويل المناطق غير المستغلة في هونغ كونغ إلى مساحات عامة، كما حدث في عام 2007 في نيويورك كجزء من خطط المدينة للمستقبل.

ويهدف برنامج نيويورك بلازا إلى تزويد سكان نيويورك بمساحة مفتوحة عالية الجودة على بعد 10 دقائق سيرًا على الأقدام.

ويقول تايبين: "تريد أن يكون لديك مساحة عامة تسمح بتصميم الأماكن واستخدامها وتمكين المجتمع المحلي".

لقد حققت حكومة هونغ كونغ بعض التقدم على مر السنين، بما في ذلك تشييد ممرات وطرق التنزه على الواجهة البحرية. وقد زادت إدارة الخدمات الترفيهية والثقافية، المسؤولة عن إدارة الحدائق العامة في المدينة، عدد حدائق الحيوانات الأليفة من 19 حديقة في عام 2010 إلى 45 في عام 2019.

وتضيف المتحدثة باسم تلك الإدارة أنها توفر الآن 50 مساحة خضراء متعددة الأغراض للاستخدام العام، بزيادة من 39 في عام 2010 إلى 51 في عام 2018.

وتقول المتحدثة: "أفراد الجمهور مرحب بهم لاستخدام هذه المساحات العشبية لأنشطة مختلفة مثل القيام بنزهة أو ممارسة الألعاب أو مجرد الاستلقاء لقراءة الكتب تحت أشعة الشمس".

كما نشرت إدارة التخطيط في المدينة خطة لزيادة الحد الأدنى للمساحة العامة للفرد إلى 2.5 متر مربع بحلول عام 2030 (بعد أن كانت 2 متر مربع) على الرغم من أن 40 في المئة من هونغ كونغ تتكون من المساحات الخضراء، إلا أن إمكانية الوصول قد تكون مشكلة بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في المناطق المكتظة بالسكان.

وهذا من شأنه أن يشكل تحسنا بالنسبة للناس في المناطق الأكثر ازدحاما، ولكن لا يزال أقل من 3-3.5 متر مربع، وهو المعيار الذي توصي به لاي، والذي حتى لو تحقق فمن شأنه أن يترك هونغ كونغ متخلفة عن المدن الآسيوية الكبرى مثل طوكيو وسيول وشنغهاي وسنغافورة.

وتعتقد لاى أن هونغ كونغ يجب أن تكون أكثر طموحا، وخاصة في ضوء الدروس المستفادة من الوباء. وتقول: "لا ينبغي أن يعتاد الناس على عدم وجود مساحة عامة كافية".

وفي الوقت الذي تبحث فيه المدن في جميع أنحاء العالم عن وسائل آمنة متباعدة اجتماعيًا لممارسة الرياضة والاختلاط والعمل واللعب، أدركنا أن هذه المساحات أكثر حيوية من أي وقت مضى. إن وضع هذه المرافق في قلب وروح المدينة يحقق ما هو أكثر بكثير من الناحية الجمالية وحدها.

إنه يتعلق بالمجتمع والمشاركة والترابط. فهل حاز الإغريق القدماء والرومان على الفكرة الصحيحة عن تنظيم المدن على امتداد الزمان؟



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك