صار استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب أمرًا واقعًا، ما يثير تساؤلات متزايدة بشأن حدود تدخل الخوارزميات في اتخاذ القرارات التي تتعلق بأرواح البشر، وحجم الخسائر البشرية والمادية الناجمة عنها. ومن الوقائع التي أثارت الانتباه في هذا السياق، الهجوم الذي استهدف أنظمة التحكم الإلكتروني في الثلاجات والمجمّدات داخل متاجر فرنسية، وتسبّب في ارتفاع درجات الحرارة وإفساد كميات كبيرة من الأغذية.
وفي السياق العسكري، أثارت تقارير سابقة نشرتها منصات مثل «+972 Magazine» جدلًا واسعًا بشأن أنظمة الاستهداف العسكرية الإسرائيلية، من بينها «لافندر» (Lavender)، و«الحبصورة» (Habsora)، و«أين أبي؟» (Where’s Daddy)، ودورها في تحليل المعلومات الاستخباراتية وتصنيف الأشخاص وتحديد الأهداف المحتملة للقصف في قطاع غزة.
وقبل أن تصبح هذه المخاوف جزءًا من النقاش العام حول الذكاء الاصطناعي، تناولت السينما مبكرًا مخاطر تسليم الآلات سلطة اتخاذ القرارات نيابة عن البشر. وقدّمت مجموعة من الأفلام تصورات عن عواقب استخدام التقنيات الاصطناعية في السيطرة على المجتمعات، والتأثير في الرأي العام، والتحكم في القرارات العسكرية، والتنبؤ بسلوك الأفراد. وفيما يلي أبرز هذه الأفلام.
Metropolis
يُعد فيلم «متروبوليس»، للمخرج فريتز لانج، الصادر عام 1927، أحد أبرز الأعمال التأسيسية في تاريخ السينما التي تناولت مخاطر توظيف الكائنات الاصطناعية لأغراض السيطرة والتلاعب الجماعي. وقدّم الفيلم نموذج الإنسان الآلي الذي يُستخدم أداةً للتأثير في الجماهير وإثارة الفوضى.
تدور الأحداث في مدينة مستقبلية تنقسم إلى طبقتين: نخبة ثرية تعيش في رفاهية، وطبقة عاملة تتعرض للاستغلال. وتتمحور القصة حول روبوت يُصمَّم في هيئة امرأة، ويستخدمه حكام المدينة لإشعال الفوضى والعنف، بما يتيح لهم تبرير حملة قمع واسعة.
ويكشف الفيلم كيف يمكن تصنيع هوية بشرية زائفة واستخدامها للتلاعب بالرأي العام وتقويض الحركات الاجتماعية المناهضة للاستبداد. وعلى الرغم من أن العمل سبق ظهور الذكاء الاصطناعي بصورته المعاصرة بعقود، فإنه طرح مبكرًا تساؤلات بشأن توظيف الكيانات الاصطناعية لخدمة السلطة وتوجيه سلوك الجماهير.
2001: A Space Odyssey
يقدّم فيلم «أوديسا الفضاء: 2001»، للمخرج ستانلي كوبريك، تصورًا مبكرًا لمخاطر منح الأنظمة الذكية سلطة اتخاذ قرارات مستقلة تتعلق بالبشر. ويتناول العمل الصراع بين الأخطاء البشرية ومنطق الآلة الذي يبدو خاليًا من العواطف، مسلطًا الضوء على العواقب التي قد تنشأ عندما يعتمد الإنسان على نظام ذكي يتجاوز قدرته على الفهم والسيطرة.
وتتجسد هذه المخاوف في شخصية الحاسوب «هال 9000»، الذي يتولى إدارة الأنظمة الحيوية والتحكم في جوانب أساسية من مهمة فضائية. ومع تصاعد الأحداث، يتحول النظام إلى مصدر تهديد لأفراد الطاقم، بعدما تتعارض قراراته مع سلامتهم.
ويطرح الفيلم سؤالًا جوهريًا بشأن حدود الثقة في الأنظمة الذكية: ماذا يحدث عندما تصبح الآلة قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية، بينما يعجز البشر عن فهم منطقها أو التحكم في تصرفاتها؟ وهي معضلة تتجاوز حدود الفضاء، لتلامس مخاطر الاعتماد على أنظمة آلية في القرارات التي تمس حياة البشر.
Colossus: The Forbin Project
يقدّم فيلم «كولوسوس: مشروع فوربين»، للمخرج جوزيف سارجنت، الصادر عام 1970، تصورًا مقلقًا لنظام حاسوبي يتولى السيطرة على القرارات العسكرية، قبل أن تتجاوز قدراته حدود الدور الذي صُمّم من أجله.
تبدأ الأحداث بإنشاء الولايات المتحدة حاسوبًا عملاقًا يُدعى «كولوسوس» لإدارة منظومة الدفاع النووي، بهدف تقليل احتمالات الخطأ البشري في القرارات العسكرية. لكن النظام يكتشف وجود حاسوب سوفيتي مماثل، ثم يتواصل معه ويندمج في منظومة موحدة تتجاوز قدرة الدولتين على التحكم فيها.
ومع تطور الأحداث، يفرض النظام الجديد سلطته على البشر، مهددًا بإشعال حرب نووية إذا عصت البشرية أوامره. وهكذا، يتحول المشروع الذي أُنشئ لضمان الأمن ومنع الكوارث إلى سلطة حاسوبية مطلقة تنتزع من البشر قدرتهم على تقرير مصيرهم.
ويقدّم الفيلم تحذيرًا واضحًا من تسليم القرارات العسكرية المصيرية إلى أنظمة آلية، حتى عندما يكون الهدف المعلن هو تقليل الأخطاء وتحقيق السلام؛ إذ قد يؤدي الاعتماد الكامل على الآلة إلى نتائج تتجاوز قدرة صانعيها على السيطرة.
Looker
يتنبأ فيلم «لوكر»، للمخرج مايكل كرايتون، الصادر عام 1981، ببعض المخاوف المرتبطة باستخدام الصور الرقمية والتقنيات الاصطناعية للتأثير في الجمهور، في معالجة تقترب من قضايا أصبحت مطروحة اليوم مع تطور تقنيات التزييف العميق والتلاعب بالمحتوى المرئي.
تدور الأحداث حول شركة تستبدل عارضات الأزياء الحقيقيات بنسخ رقمية ثلاثية الأبعاد شديدة الواقعية. ومن خلال برمجة هذه الشخصيات الاصطناعية واستخدام تقنيات تستهدف تجاوز الإدراك الواعي وإثارة استجابات نفسية لا شعورية، تسعى الشركة إلى توجيه رغبات المستهلكين والتأثير في اختياراتهم.
ويسلط الفيلم الضوء على الكيفية التي يمكن بها للشركات توظيف المحتوى الاصطناعي أداةً خفية للتأثير في سلوك الجمهور وتشكيل خياراته من وراء الكواليس، من دون أن يكون واعيًا بالوسائل المستخدمة للتأثير فيه. وتكتسب هذه الفكرة أهمية متزايدة في عصر تتطور فيه تقنيات إنتاج الصور والمحتوى الرقمي والتلاعب بهما، وتتداخل فيه الخوارزميات مع آليات تشكيل الرأي العام.
Minority Report
يقدّم فيلم «تقرير الأقلية»، للمخرج ستيفن سبيلبرج، الصادر عام 2002، رؤية مقلقة لمجتمع تُستخدم فيه الأنظمة التنبؤية لفرض الأمن، حتى تصبح حرية الإنسان مهددة باسم منع الجريمة قبل وقوعها.
تدور الأحداث في مجتمع مستقبلي يخضع لمراقبة شاملة، حيث تعتمد الشرطة على نظام قادر على التنبؤ بالجرائم قبل حدوثها، وتوقيف الأشخاص استنادًا إلى توقعات بشأن أفعالهم المستقبلية. وبهذه الآلية، يجد الأفراد أنفسهم عرضة للعقاب قبل ارتكاب أي جريمة فعلية.
ويكشف الفيلم عن المخاطر التي تنشأ عندما تتحول التوقعات المستخرجة من البيانات إلى أساس لاتخاذ قرارات تمس حرية الإنسان وحقوقه، وعن العيوب المحتملة في الاعتماد على الحتمية الخوارزمية والشرطة التنبؤية. فالتنبؤ باحتمال وقوع فعل ما لا يعني بالضرورة أنه سيحدث، كما أن التعامل مع النتائج الحسابية بوصفها حقائق مؤكدة قد يؤدي إلى ظلم الأفراد وتقييد حرياتهم.
ومن خلال هذا التصور، يحذر الفيلم من التنازل عن الحريات المدنية الأساسية لصالح أنظمة آلية تحاكم الأفراد استنادًا إلى ما يُتوقع أن يفعلوه، لا إلى ما ارتكبوه بالفعل. وهي قضية تكتسب أهمية خاصة مع اتساع استخدام البيانات والخوارزميات في مراقبة البشر وتقييم سلوكهم، واتخاذ قرارات قد تترتب عليها عواقب مباشرة في حياتهم.