البهنسا.. خطة تطوير لوضع بقيع مصر على الخريطة السياحية - بوابة الشروق
الأحد 19 يوليه 2026 12:26 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

البهنسا.. خطة تطوير لوضع بقيع مصر على الخريطة السياحية

إسلام عبد المعبود وفهد أبو الفضل
نشر في: السبت 18 يوليه 2026 - 9:24 م | آخر تحديث: السبت 18 يوليه 2026 - 9:24 م

- مصدر بالآثار: نعمل على إدراجها ضمن أهم مسارات السياحة الدينية والثقافية
- مصدر بالأوقاف: موسوعة تاريخية وتطبيق ذكي ضمن خطة الإحياء
- خبير أثري: تحتضن 17 قبة أثرية وتراثا حضاريا لا مثيل له.. وتضم رفات نحو 5 آلاف صحابي

أطلقت الحكومة خطة "متكاملة" لتطوير مدينة البهنسا بمحافظة المنيا، والتي توصف بأنها "بقيع مصر" بهدف تحويلها إلى مقصد عالمي للسياحة الدينية والثقافية.

تقع البهنسا على بُعد 15 كيلومترا من مدينة بني مزار على الجانب الغربي لبحر يوسف في محافظة المنيا، وتشتهر بجباناتها وتلالها الأثرية وأضرحة الأولياء والشهداء.

وتستهدف الخطة الحكومية، التي تقودها وزارتا الأوقاف والسياحة والآثار بالتعاون مع محافظة المنيا، الحفاظ على ما تضمه المدينة من كنوز أثرية وتراثية تمتد عبر مختلف العصور.

وقال مصدر مسئول بوزارة الأوقاف إن الوزارة تعمل بالتنسيق الكامل مع محافظة المنيا ووزارة السياحة والآثار وكافة الجهات المعنية لوضع خطة متكاملة لتطوير المنطقة وإبراز قيمتها الحضارية.

وأوضح المصدر لـ"الشروق"، أن وزير الأوقاف شدد خلال جولة ميدانية بالمدينة على أهمية الحفاظ على الطابع الأثري والإسلامي للبهنسا، مع تطوير الخدمات المقدمة للزائرين، بما يجعلها مقصدًا يستقبل الوفود من داخل مصر وخارجها.

وأضاف أن الوزارة بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات عملية لإعداد موسوعة علمية وتاريخية توثق كل ما كُتب عن البهنسا في المراجع والرسائل العلمية، إلى جانب العمل على إطلاق منصة إلكترونية وتطبيق ذكي يقدمان معلومات موثقة وخريطة تفاعلية للمزارات والمقامات التاريخية.

وأشار المصدر إلى أن أعمال التطوير لن تقتصر على ترميم المواقع الأثرية، وإنما تشمل تحسين البنية التحتية والهوية
البصرية للمنطقة، بالتعاون مع الجهات التنفيذية، بما يسهم في تقديم تجربة متكاملة للزائرين.

وأوضح أن "البهنسا" تمتلك مقومات تاريخية ودينية فريدة تؤهلها لتكون إحدى أهم وجهات السياحة الدينية والثقافية في مصر، تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية بالحفاظ على التراث الوطني وإحيائه.

ومن جانبه، قال مصدر مسؤول بوزارة السياحة والآثار إن الوزارة تعكف حاليًا على تنفيذ رؤية متكاملة لتطوير منطقة آثار البهنسا بمحافظة المنيا، في إطار خطة تستهدف استثمار ما تمتلكه المنطقة من مقومات أثرية ودينية فريدة، وتحويلها إلى مقصد رئيسي للسياحة الثقافية والدينية، مع الحفاظ على الطابع التاريخي والأثري للموقع.

وأضاف المصدر لـ"الشروق"، أن أعمال التطوير تُنفذ بالتنسيق مع عدد من الجهات المعنية، وتشمل: رفع كفاءة الطرق المؤدية إلى المنطقة، وتحسين المرافق والخدمات الأساسية، وإنشاء مسارات واضحة للزيارة، وتطوير منظومة الإرشاد السياحي من خلال لوحات تعريفية باللغات المختلفة، إلى جانب إعادة تأهيل المناطق المحيطة بالمواقع الأثرية، بما يسهم في تحسين تجربة الزائرين.

وأوضح أن الخطة تتضمن أيضًا استكمال أعمال ترميم عدد من المساجد والأضرحة التاريخية، وتطوير ساحات الزيارة، وإنشاء ممرات للمشاة ومناطق انتظار للسيارات، فضلًا عن دراسة تنفيذ مركز أو قاعة عرض للتعريف بتاريخ البهنسا وما شهدته من تعاقب حضاري عبر العصور المختلفة.

وأكد المصدر أن الوزارة تستهدف من خلال المشروع وضع البهنسا على خريطة السياحة الدولية، لافتًا إلى أن المنطقة لا تقتصر أهميتها على كونها مقصدًا للسياحة الدينية، وإنما تعد من أغنى المواقع الأثرية في مصر، إذ تضم شواهد تعود إلى الحضارات الفرعونية واليونانية والرومانية والقبطية والإسلامية، وهو ما يمنحها قيمة استثنائية بين المواقع الأثرية المصرية.

وأشار إلى أن البهنسا تحظى باهتمام كبير في الأوساط الأثرية العالمية، حيث تعرف تاريخيًا باسم "أوكسيرينخوس" (Oxyrhynchus)، وكانت واحدة من أبرز المدن المصرية خلال العصرين البطلمي والروماني، كما مثلت مركزًا إداريًا واقتصاديًا مهمًا في مصر الوسطى لعدة قرون.

وأضاف أن شهرة المدينة عالميًا تعود إلى الاكتشافات الأثرية الضخمة التي شهدتها منذ أواخر القرن التاسع عشر، وعلى رأسها العثور على ما يزيد على نصف مليون قطعة بردية، والتي تعد أكبر أرشيف للبرديات القديمة المكتشف في العالم حتى الآن.

وأوضح أن هذه الوثائق أسهمت في كشف جوانب واسعة من الحياة الاقتصادية والإدارية والاجتماعية في مصر القديمة، فضلا عن احتوائها على نصوص أدبية ودينية وعلمية نادرة اعتمدت عليها الجامعات ومراكز الأبحاث الدولية في العديد من الدراسات.

وأشار المصدر إلى أن أعمال التنقيب في البهنسا لا تزال مستمرة حتى الآن من خلال بعثات أثرية مصرية وأجنبية، وأسفرت خلال السنوات الأخيرة عن اكتشافات مهمة، من بينها مقابر من العصرين اليوناني والروماني، ومومياوات بحالة حفظ جيدة، وتماثيل ومقتنيات جنائزية نادرة، وهو ما يؤكد أن الموقع ما زال يحتفظ بقدر كبير من كنوزه الأثرية التي لم يُكشف عنها بعد.

وأكد أن الدراسات الأثرية تشير إلى أن المساحات التي جرى التنقيب عنها حتى الآن تمثل جزءًا محدودا من المدينة القديمة، وهو ما يجعل البهنسا من أكثر المواقع الواعدة للاكتشافات المستقبلية، ويمنح مشروع تطويرها أهمية إضافية على المستويين العلمي والسياحي.

وأشار المصدر إلى أن البهنسا تتمتع كذلك بمكانة دينية خاصة لدى المصريين، إذ تُعرف باسم "البقيع الثاني" لاحتضانها عددا كبيرا من أضرحة الصحابة والتابعين، إلى جانب العديد من القباب والمساجد التاريخية التي تمثل جزءًا مهمًا من التراث الإسلامي في صعيد مصر.

وأكد أن نجاح مشروع التطوير لن يقتصر على أعمال الترميم ورفع كفاءة الخدمات، وإنما يعتمد أيضا على دمج البهنسا ضمن برامج الزيارة السياحية بمحافظة المنيا، وربطها بمناطق أثرية أخرى مثل تل العمارنة، وتونا الجبل، والأشمونين، بما يسهم في زيادة الحركة السياحية، وإطالة مدة إقامة الزائر، وتعظيم العائد الاقتصادي من السياحة الثقافية والدينية.

ومن ناحيته، قال مجدي شاكر، كبير الأثريين، إن البهنسا من أهم المدن الأثرية والتاريخية في مصر، لأنها تضم كنوزا وأسرارا كثيرة لم يُكشف عنها بالكامل حتى الآن، موضحا أن المنطقة تحتوي على آثار من جميع العصور التي مرت بها الحضارة المصرية، بداية من العصر الفرعوني، مرورا بالعصرين اليوناني والروماني، ثم العصر القبطي، وصولا إلى العصر الإسلامي، بل وتمتد آثارها إلى التاريخ الحديث من خلال المباني والقصور التي يزيد عمرها على مائة عام، وهو ما يجعلها متحفًا تاريخيًا مفتوحًا يجسد تاريخ مصر عبر آلاف السنين.

وأضاف شاكر لـ"الشروق"، أن البهنسا مدينة أثرية قديمة عثر فيها على الكثير من البرديات التي ترجع إلى العصر اليوناني الروماني، كما ذكر المؤرخون العرب أنها كانت عند فتح مصر مدينة كبيرة حصينة الأسوار، لها أربعة أبواب، ولكل باب ثلاثة أبراج، وكانت تضم العديد من الكنائس والقصور.

وأوضح أنها ازدهرت خلال العصر الإسلامي، واشتهرت بصناعة أنواع فاخرة من النسيج الموشى بالذهب، حتى ورد في المصادر التاريخية أن كسوة الكعبة كانت تصنع بها، وهو ما يعكس مكانتها الاقتصادية والحضارية في ذلك الوقت.

وأشار كبير الأثريين إلى أن البهنسا تُعرف بلقب "بقيع مصر"، لأنها تضم قبور ورفات مئات من صحابة الرسول، وتذكر المصادر التاريخية أن بها نحو 5000 صحابي، من بينهم 70 من أهل بدر، وهو ما منحها مكانة دينية خاصة لدى المسلمين على مر العصور.

وأكد شاكر أن مكانة البهنسا في العصر الإسلامي تجلت فيما ضمته من جوامع وقباب ووكالات وحمامات، فضلا عن ازدهار الصناعات بها، وعلى رأسها النسيج والخزف والفخار والمسكوكات، حتى أصبحت من أهم مراكز هذه الصناعات في مصر خلال تلك الفترة.

وأشار إلى أن البهنسا كانت تعرف قبل الإسلام باسم "مج" أو "بجة"، وهو اسم قبطي، وكان الحرفان الأخيران منه ينطقان بالعربية "ه، س"، ومن هنا أطلق عليها العرب المسلمون اسم "البهنسا".

ولفت إلى أن علي باشا مبارك ذكر في كتاب "الخطط التوفيقية" أن البهنسا كانت مدينة ذات شهرة عظيمة، بلغت مساحتها نحو ألف فدان، وكانت تشتهر بصناعة الستور الذهبية، وكان طول الستر الواحد يبلغ 30 ذراعًا، كما كان إقليمها يم 120 قرية بخلاف الكفور والنجوع، وكانت عند فتحها مدينة عالية الجدران، حصينة البنيان، منيعة الأركان، لها أربعة أبواب هي: الباب الشمالي "قندس"، والباب الغربي "الجبل"، والباب القبلي "توما"، والباب الشرقي "البحر"، وكان لكل باب ثلاثة أبراج، كما كان بها أربعون رباطا، وعدد كبير من القصور والمساجد.

وأضاف أن النهاية الغربية للمدينة تضم مكانًا شهيرا يعرف باسم "السبع بنات"، وهو موقع يحتوي على انحدار طبيعي ومراغة كان الناس يتمرغون فيها، رجالا ونساء، اعتقادا منهم بأنها سبب في الشفاء، كما يضم عددا من القبور التاريخية.

وأوضح شاكر أنه بعد الفتح الإسلامي استقرت في البهنسا قبائل عربية عديدة، من بينها قبيلة غفار المنتمية إلى الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري، وكذلك قبيلة بني الزبير من أبناء الزبير بن العوام، كما أصبحت المدينة مقصدا لكثير من الأمراء والعلماء والزائرين، ومنهم الإمام النووي القادم من العراق، والتكروري من المغرب.

وتابع: كما زارها الإمام الأكبر الراحل الشيخ عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر الشريف، الذي خلع نعليه احتراما لأرض البهنسا التي وطئتها أقدام الصحابة والشهداء وارتوت بدمائهم.

وأشار إلى أن المدينة تضم 17 قبة أثرية، من بينها قبة الأمير زياد بن أبي سفيان، الذي شارك في فتح البهنسا بعدما استدعاه عمرو بن العاص وسلمه الراية، وكان من أمهر الفرسان، وقبة خولة بنت الأزور التي اشتهرت بشجاعتها عندما تنكرت في زي فارس لإنقاذ شقيقها ضرار من الأسر، وتوجد بالقبة لوحة حجرية مؤرخة بسنة 733 هجرية الموافق 1332 ميلادية تحمل اسم عبد الله بن مالك بن إدريس.

وأضاف أن المدينة تضم أيضا قبة أبان بن عثمان بن عفان بن أبان، حفيد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتوجد وثيقة ترجع إلى سنة 973 هجرية، كما كان بالقبة مصحف شريف مكتوب بالخط الكوفي على رق الغزال، ويذكر أنه نزل البهنسا ومعه 500 ناقة و260 دينارًا ذهبيا وعبدان وجارية، كما تتميز القبة بارتفاعها عن سطح الأرض.

وأوضح أن من أبرز القباب كذلك قبة محمد بن عقبة بن عامر الجهني، والتي تضم أسماء عدد من الشخصيات التاريخية، منها عقبة بن عامر الجهني، والقعقاع بن عمرو، وميسرة بن مسروق العبسي، ومالك الأشتر الربعي، وذو الكلاع الحميري، وهاشم بن المرقاب، وهي أسماء منقوشة على شاهد من الحجر الجيري بأرضية القبة، وورد ذكرها أيضا في روايات الواقدي عن فتح البهنسا.

وأضاف أن المدينة تضم كذلك قبتي فتح الباب وخادمه عبد الرازق الأنصاري، أول من فتح باب الحصن أمام الجيش الإسلامي واستشهد في هذا المكان، إلى جانب قبة محمد بن أبي ذر الغفاري، وقبة محمد بن أبي بكر الصديق، الذي قدم إلى مصر ودفن بها، وكان قد ولاه عثمان بن عفان إمارة مصر، ثم انضم إلى الإمام علي بن أبي طالب، فولاه مصر سنة 37 هجرية الموافق 657 ميلادية، قبل أن يقتل ويدفن بأرض مصر، كما استقرت بالبهنسا جماعات من نسل أبي بكر الصديق وولديه محمد وعبد الرحمن.

وأكد شاكر أن القباب الأثرية بالبهنسا تشمل قبة عبد الله التكروري، وقبة الأمير زياد بن أبي سفيان، وقبة خولة بنت الأزور، وقبتي علي الجمام وأولاد عقيل، وقبة أبان بن عثمان بن عفان، وقبة محمد بن عقبة بن عامر الجهني، وقباب محمد الخرسي والحسن الصالح والسيدة رقية، وقبتي فتح الباب وخادمه، وقبة محمد بن أبي ذر الغفاري، وقبة محمد بن أبي بكر الصديق.

وأشار إلى أن البهنسا تعرف أيضا باسم "مدينة الشهداء"، لأنها شهدت واحدة من أهم معارك الفتح الإسلامي لمصر، إذ تشير المصادر إلى أنه في عام 22 هجرية أرسل عمرو بن العاص جيشا بقيادة قيس بن الحارث لفتح الصعيد، وعندما وصل الجيش إلى البهنسا واجه مقاومة شديدة من الحامية الرومانية التي كانت تتحصن داخل الأسوار والأبواب المنيعة، واستشهد عدد كبير من المسلمين خلال المعركة، وهو ما منح المدينة هذه المكانة الروحية لدى المصريين.

ولفت كبير الأثريين إلى وجود شجرة عتيقة في منطقة البهنسا، يعتقد، وفقًا للموروث التاريخي والشعبي، أن العائلة المقدسة استظلت بها وشربت من البئر الموجودة بجوارها أثناء رحلة الهروب إلى مصر، مؤكدا أن كل هذه المقومات التاريخية والدينية والأثرية تجعل من البهنسا واحدة من أهم المدن المؤهلة لتكون مقصدًا عالميا للسياحة الدينية والثقافية، خاصة مع خطط الدولة الحالية لتطويرها والحفاظ على تراثها الفريد.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك