لم أعد أستطيع أن أزعم - بثقة الماضي - أن ما أكتبه هو ملكي وحدي، أو أن السطور التي تتدفق على الصفحات هي من بنات أفكاري وحدي. كان الأمر مختلفًا قبل سنوات قليلة مضت؛ كنت أجلس أمام الحاسب وأوراقي البيضاء كمن يجلس أمام مرآته، أفتش في داخلي، أقلب في مئات التجارب وملايين المشاهدات والقصص والمواقف عبر الزمن، أستخرج المعنى من تجاربي، وأصوغ اللغة كما أشاء، أتعثر أحيانًا، وأتلذذ معظم الوقت بذلك التعثر ومحاولاتي للتحسين، وقتها كانت الكتابة رحلة بطيئة، لكنها صادقة وممتعة، تُشبهني إلى حد كبير.
اليوم، تغيّر الأمر. لم تعد الصفحات البيضاء مربكة كما كانت، ولم يعد الصمت الذي يسبق الكتابة طويلاً وثقيلاً. صار بإمكاني، بكبسة زر، أن أجد فكرة، وأن أفتح بابًا، وأن أستدعي جملة، بل مقالًا كاملًا في دقائق. صديقي الرقمي الجديد - "شات جي بي تي وأخواته"- ذكي، سريع، متاح دائمًا، لا يعرف قفلة الكتابة ولا سدة القراءة، يمدّ لي يد العون دون تردد، يختصر الطريق، ويقترح، ويكتب ويعيد الصياغة، ويلبي طلباتي ويملأ الفراغات التي كانت تُقلقني، وكلما فرغ من المهمة اقترح بدائل كتابية أخرى لا نهاية لها.
لكن، وسط هذا اليسر، يلاحقني سؤال: لمن تنتمي هذه الأفكار حقًا؟
أعترف أنني لم أعد الكاتب نفسه. لم تعد الأفكار كلها تنبع من مخزوني المعرفي الخاص، هناك شراكة صامتة تتشكل الآن بيني وبين هذا الكيان الرقمي؛ هو يقترح، وأنا أختار. هو يفتح الاحتمالات، وأنا أقرر أيها يستحق أن يُكتب، وربما، في لحظة ما، تختلط الحدود: أين ينتهي اقتراحه وأين تبدأ بصمتي؟
الاعتراف لا يعني الهزيمة، ولا يعني الاستسهال بالضرورة، الأمر الآن يتجاوز شغف التجريب ومتعة الاكتشاف أو مواكبة صيحة استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في البحث والكتابة، ومن ثم لا يعني أنني فقدت هويتي ككاتب. ربما نحن أمام بداية وعي جديد بطبيعة الكتابة نفسها، ووعي يتشكل بخصوص تجربة التلقي والقراءة، فقد بدت الكتابة قديمًا فعلًا فرديًا خالصًا وإن كانت اللغة التي نكتب بها هي بالأساس ميراث مشترك، كانت لي بعض أفكاري الطازجة الجديدة، كما كانت هناك بعض الأفكار التي أطرحها أو أعيد إنتاجها، وهي في جوهرها نتاج تراكم إنساني ومعرفي كبير، أصبت منه ما أصبت وحصلت منه ما أستطعت، وقبل قرون عديدة مضت، عبَّر الشاعر الجاهلي عنترة بن شداد العبسي، عن هذا المعنى في معلقته الشهيرة الملقبة بـالذهبيّة، وفيها يتساءل:
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَـرَدَّمِ أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ
الشاعر تساءل عما إذا كان الشعراء الأوائل قد تركوا شيئًا - سواء أفكار أو معانٍ - لم يكتبوا فيها أو يتطرقوا إليها ليقولها الشعراء من بعدهم؟". أقف اليوم وقد تضاعف حيرتي حين واجهت نفسي بالسؤال: ما الذي يجعل كتابة ما "أصيلة" بالكامل، وأخرى "مستعارة"، إذا كان كل شيء في النهاية متصلًا بغيره؟
نعم تغيرت أدوات الكتابة، وإن لم يتغير جوهرها. كنت في الماضي، أستعين بكتاب قرأته أو تجربة أو موقف مررت به، أو جملة علقت في ذهني، أو كلمة وحكاية سمعتها. اليوم، قد أستعين بأداة أكثر تطورًا، أكثر سرعة، وأكثر قدرة على التجميع والتوليد. الفارق أن هذه الأداة صارت تفرض على الكاتب مواجهة السؤال الأخلاقي بشكل أوضح: هل أُنسب لنفسي ما لم أكتبه وحدي؟
خلال زياراتي المتكررة لأحدث معارض الكتب الدولية بالقاهرة وغيرها من العواصم، سمعتهم يرددون أن بعض الكتب والروايات التي احتضنتها صالات العرض، أنُتجت بالكامل بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي وأدواته في الكتابة، ورأيتهم يسخرون على وسائل التواصل الاجتماعي فيرفقون فقرات كان من الواجب حذفها بعد تقفيل الكتابة وتشطيب الكتب، وردت الفقرات ضمن ثنايا هذه الكتب والروايات الآلية، وفيها يقترح الذكاء الاصطناعي بسخاء وكرم معهود، خدماته مرددًا:
"هل تريد النص بلغة أكثر حماسة أم أكثر فخامة وغموضًا، أم نص يجمع بين اللغة الرسمية والتهديد، أم تود أن يشبه النص شاعريتك ، قل لي يا معلم وأنا أزبطك"!
هنا تأتي حتمية الاعتراف المسؤول أن الكاتب أو من ينسب نفسه للكُتاب قد استعان بالذكاء الاصطناعي في الكتابة؛ أن تعترف ليس ضعفًا، بل احترامًا للكتابة نفسها، وواجبًا والتزامًا أخلاقيًا تجاه القراء سواء قراء الكتب أو الصحف، أن أقول إن ما أكتبه اليوم هو نتاج تفاعل، لا ادعاء تفرد مطلق، بات أمرًا ضروريًا - إن استعنت شخصيًا بأدوات الذكاء الاصطناعي في الكتابة - أن أكون صادقًا مع القارئ، ومع نفسي، في أن "بنات أفكاري" لم تعد وحدها في هذا العالم، ولم تعد ملكي وحدي، تشاركني الآلة في هذه الأفكار، ولا استبعد في السنوات القليلة المقبلة أن تشهد ساحات المحاكم قضايا انتهاك حقوق النشر والملكية الفكرية، لكن هذا المرة سترفعها الآلات وملاكها ضد البشر الذين يسطون على ما يكتبه الشات جي بي تي وجيمناي وديب سيك وغيرها، وقد يفعلها قراء الصحف وعشاق القراءة والكتب.
في 31 مارس من عام 2026 الجاري، قطعت صحيفة ذي نيويورك تايمز الأمريكية علاقتها بصحفي حر "فريلانسر" بعد أن اكتشفت أنه استعان بالذكاء الاصطناعي في كتابة عرض كتاب، حينما لاحظ أحد قراء الصحيفة أن هناك أجزاء متشابهة مع عرض للكتاب نفسه، سبق ونشرته صحيفة ذي جارديان البريطانية.
أجرت "ذي نيويورك تايمز" تحقيقًا اعترف فيه الكاتب الحر بأنه استعان بالذكاء الاصطناعي في كتابة عرض للكتاب، وأنه لم يلاحظ الأجزاء المنقولة من "ذي جارديان" قبل تسليمه للنشر وإلا كان قد حذفها، الجميل أن الكاتب الحر أليكس بيترسن أعرب عن أسفه وخجله وندمه الشديد وأقر بأنه ارتكب "خطأ جسيمًا"، وبدورها وجهت "ذي نيوروك تايمز" رسالة إلكترونية إلى "ذي جارديان" نوهت فيها إلى التشابه بين المقالتين، وأشارت إلى أن قارئا نبَّه الجريدة إلى أن هذه المقالة تحتوي تفاصيل مماثلة لمقالة عن الكتاب نفسه في "ذي جارديان"..وقد تحدثنا إلى كاتب المقالة، فأخبرنا بأنه استعان بأداة من أدوات الذكاء الاصطناعي، أدرجت في مقالته مواد من مقالة "ذي جارديان" لم ينتبه إليها، وأن هذا يعد انتهاكًا لمعايير نيويورك تايمز، التي قطعت علاقتها بالكاتب الحر أليكس بيترسن".
في مقاله "بالمجلة العربية" عدد ابريل 2026 بعنوان "ما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابته"، يذهب الدكتور عماد عبد اللطيف أستاذ النقد والبلاغة وتحليل الخطاب في جامعتي القاهرة وقطر، إلى أن البشر لم يعد بمقدورهم في السنوات الأخيرة التمييز بين النصوص الأدبية التي يُنتجها الكتاب، والنصوص المكتوبة بالذكاء الاصطناعي، بل أن البشر يميلون إلى إعطاء تقييم أكبر لنصوص الآلة. والأكثر إثارة للدهشة أن الآلة نفسها ترى أنها تكتب أفضل من البشر، وحين يُطلَب تقييم الذكاء الاصطناعي لنص ما، وتحديد ما إذا كان بشريًا أم آليًا، فإنه يميل إلى نسبة النصوص الدقيقة المتقنة إلى الآلة، ونسبة النصوص الضعيفة المفككة إلى البشر. والتجلي الساخر لذلك أن الآلة حين يُطلب منها تحويل نص كُتب آليًا إلى نص يشبه النصوص البشرية، فإنها تكاد لا تفعل شيئًا سوى إضافة بعض الأخطاء اللغوية والركاكة الأسلوبية إليه!
لا شك أن الكتابة الآلية صارت واقعًا لا محالة، وتتطور باستمرار ولا بأس في ذلك، لكن يبقى شيء لا يمكن لأي أداة أن تمنحه لي وهو التجربة. ذلك الألم الذي عشته، الفرح الذي مرّ بي، الخيبات الصغيرة، الانتصارات والانكسارات، الشعور والإحساس، الثقة والارتباك، الشك واليقين. هذه هي المادة الخام التي لا تُستورد، ولا تُولد صناعيًا. ربما تساعدني التقنية في التعبير عنها، لكنها لا تستطيع أن تعيشها نيابة عني، وحين استعين بأدوات الذكاء الاصطناعي، سأكتب وأنا أكثر ثقة ووعي بأن الأفكار وإن لم تعد كلها لي، إلا أن صوتي وبصمتي الخاصة ستبقى واضحة فيها.
د. سمير محمود
Logo70@gmail.com