مصطفى الفقي يكتب: لبنان المفترى عليه! - بوابة الشروق
السبت 3 يناير 2026 12:46 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

مصطفى الفقي يكتب: لبنان المفترى عليه!

المفكر والكاتب مصطفى الفقي
المفكر والكاتب مصطفى الفقي

نشر في: الإثنين 21 يونيو 2021 - 11:08 م | آخر تحديث: الإثنين 21 يونيو 2021 - 11:08 م

رغم ما واجهه من مصاعب وأزمات يظل أيقونة العالم العربى بموقعه الفريد وتاريخه القريب والبعيد
بى ضعف شديد تجاه القطر اللبنانى، دولة شعارها شجرة الأرز وتاريخها تختلط فيه الأنماط البشرية والنماذج التاريخية، دولة هى موزاييك من مختلف ألوان الطيف السياسى تتجاور فيها الأديان والعقائد فى تداخل قومى رائع. على الرغم من كل ما اعتراه ذلك من مشكلات وما واجه من مصاعب وأزمات، إلا أن لبنان يظل أيقونة العالم العربى، متألقا على الرغم من مشكلاته، صامدا أمام أزماته، يدفع ضريبة غالية لموقعه الفريد وتاريخه القريب والبعيد. إنه لبنان الجبل والبقاع، لبنان بشير وفؤاد الشهابى، لبنان الموارنة والسُنّة والشيعة والأروام فى سبيكة واحدة متميزة، لا نكاد نعرف لها مثيلا. فاللبنانى نشيطٌ بطبعه، مقبل على الحياة، عاشق للمظاهر، مولعٌ بالفنون، ماهر فى التجارة، يستطيع الوصول إلى مصالحه بغض النظر عن أفكاره ومعتقداته، فهو مواطن عملى بامتياز يتعايش مع الصراعات ويتأقلم مع الأحداث مؤمنا بالحرية، عاشقا للفنون، متميزا فى الطرب موسيقى وغناء، فهو لبنان فيروز وصباح ووديع الصافى، وهو أيضا الذى تتباين فيه شخصيات وتتعدد الخلافات. إنه لبنان كميل شمعون وبيار الجميل ورشيد كرامى، وهو أيضا لبنان ميشال عون وحسن نصر الله، ولبنان رفيق الحريرى الذى كان يمثّل حلقة الوصل فى مرحلة معينة بين الواقع اللبنانى والسياسة السعودية فى المنطقة. إنه البلد الذى اختار له عبدالناصر ضابطا مرموقا هو عبدالحميد غالب ليكون سفيرا أقرب إلى المندوب السامى فى بعض اللحظات، وما زلت أتذكر حتى اليوم عندما كان حميد فرنجية مرشحا لرئاسة الجمهورية بدعم ناصرى وغيّرت القاهرة موقفها عشية الاختيار، لكى يأتى شارل حلو رئيسا لتلك الدولة المتألقة.
لذلك أستطيع القول إن لبنان عرف أحقابا متوالية من النفوذ العربى بدءًا من الحقبة الناصرية إلى الحقبة السعودية مع مظلة دائمة للوجود السورى على الأرض من منطق جمعى، يؤمن بالتعايش المشترك بين كل الألوان والأطياف عقائديا وسياسيا بل واقتصاديا أيضا. ولأنه كان دائما محصلة الصراعات فى المنطقة والدافع الأكبر لفاتورة غيره، فإننى أكتب عنه اليوم بتعاطف واضح، ذلك أننى أؤمن بحق أنه مفترى عليه، ويقودنى ذلك إلى عدد من النقاط، أوجزها فى ما يلى:
أولا: إن لبنان جزء لا يتجزّأ من أمته العربية، يعيش آمالها ويعانى مشكلاتها ويدفع مقدما تكاليف صراعاتها، فذلك البلد العربى الجميل الذى كنّا نسمّيه «سويسرا الشرق» قد عرف الأشلاء والدماء والاضطراب والفوضى فى العقود الأخيرة، ومرّ بحرب أهلية ضارية استمرت لأكثر من خمسة عشر عاما وظل دائما صامدا أمام الأحداث، يواجه الخطوب بإرادة الحياة والرغبة الدائمة بالاستمرار والتألق. ولذلك، فإننا عندما نتحدث عن النموذج اللبنانى، إنما نشير إلى فرادته وتنوع التجمع السكانى على أرضه ونذكر له دائما أنه لبنان الفكر والأدب والجمال والرقى.
ثانيا: إن لبنان مصدر قومى للحركات التى شهدها العرب وعرفها تاريخهم الحديث، فالحركة القومية ولدت فى لبنان وازدهرت فى الشام وتألقت فى المهجر ثم أصبحت عربية خالصة بفضل الرواد الأوائل والمفكرين العظام الذين حملوا لواءها وانتشروا بها، بل إن عصر النهضة المصرى، منذ حكم الخديوى اسماعيل حتى نهاية عصر الملك فاروق، كانت مرتبطة فى معظمها بأسماء من أصول شامية بل وربما لبنانية تحديدا، فنحن نذكر أدباء لبنان ومفكريه وكتّابه وصحفييه، بدءًا من الأخوين تقلا، مرورا بجورجى زيدان، وصولا إلى كريم خليل ثابت وغيرهم من الشعراء والأدباء والمؤرخين والصحفيين الذين ازدهرت بهم القاهرة والإسكندرية، وبدأ خط التواصل مع بيروت ودمشق وبغداد لكى تتمثل موجة كبرى من الاستنارة التى حمل لواءها شوام لبنانيون على أرض مصر التى شكّلت التربة الخصبة للأفكار الكبرى والأعمال الخالدة. لذلك، فإن العلاقات بين مصر ولبنان هى علاقات وثيقة وعميقة فى الأدب والفن، فى الموسيقى والغناء، وسوف يظل اسم فريد الأطرش رمزا ساطعا فى سماء العلاقة بين المركزين الرئيسَين للفنون فى المشرق العربى، وأعنى بهما بيروت والقاهرة وسوف نلاحظ أن العلاقة بينهما متكاملة. فعندما أطلت الحرب الأهلية على لبنان بوجهها الكئيب، فإن مصر لم تزدهر بديلا عنه، بل تراجعت الحركة الأدبية والفنية فيها وكأن ذلك تضامنا معه وارتباطا به.
هل يلجأ لبنان إلى ثروته الذهبية؟
ثالثا: إن العلاقات اللبنانية الخليجية، خصوصا مع السعودية وثيقة وقوية، فقد سعى اللبنانيون إلى ارتياد تلك الأرض المعطاءة، ولعل نموذج رفيق الحريرى هو تجسيد للعلاقة بين الرياض وبيروت وما يؤثر فيها ويمضى فيها. يبقى أن نؤكد أن الوجود الإيرانى فى الجنوب اللبنانى أصبح يمثّل قضية مثيرة للجدل، لا نكاد نعرف لها مثيلا فى أنواع التسلل السياسى تحت مظلة طائفية مثلما هو الأمر الحادث حاليا، إذ يسعى «حزب الله» إلى امتلاك «الثلث المعطل» فى السياسة اللبنانية ويضع قيدا حقيقيا على حرية الرأى وديمقراطية المؤسسة النيابية، وهنا نعود لنقول مرة ثانية إنه لبنان المفترى عليه من كل اتجاه.
رابعا: إن إسرائيل تنظر بحسدٍ واضح وقلقٍ مستمر إلى النموذج اللبنانى لأنه كان التهديد الأول لادّعائها بأنها واحة الديمقراطية، وأنها امتداد للحياة الغربية فى تقدمها وارتباطها الوثيق بأساليب المعيشة الغربية والأنماط الحديثة فى المعاملات والخدمات والسياسات. وما زلت أتذكر أن أستاذنا الراحل بطرس بطرس غالى كان يتوقع أحيانا فى منتصف الستينيات من القرن الماضى أن لبنان هو النموذج الأقرب إلى توقيع اتفاق مع إسرائيل، فإذا بالدولة العربية الكبرى مصر هى التى تكون أول من وقّع وآخر من طبع! ولذلك تستهدف إسرائيل دائما الدولة اللبنانية وترى فى ذلك النموذج خطرا عليها وتهديدا لها ومنافسا قويا أمام الغرب وأوروبا تحديدا. وحين تتردد مقولة إن لبنان «سويسرا الشرق»، فإن الاستهداف يزيد ومحاولة تعويق المسيرة اللبنانية تكون أكثر وضوحا وتركيزا.
خامسا: إن العلاقات اللبنانية الفرنسية ذات خصوصية معروفة منذ أن اختارت باريس الموارنة لكى يكونوا أقرب الطوائف إليها فى المشرق العربى، مثلما اختارت بريطانيا الدروز لشىء من ذلك، ومضى أهل السُنّة فى علاقات وثيقة مع مصر الأزهر ثم السعودية، ومضت العلاقات بين شيعة لبنان وإيران فى طريق هادئ إلى أن قامت الثورة الإٍسلامية فى طهران، فتغيّرت معالم الأحداث وتطلعت السياسة الإيرانية إلى لبنان كحليف يرتبط جنوبه بالدولة الشيعية الكبرى فى طهران. ولقد أتاحت لى الظروف ذات مرة أن أتجول فى الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث اكتشفت بوضوح أنها تكاد تكون جزءًا لا يتجزّأ من أحد الأحياء الإيرانية فى بلادها، ولا تزال المواجهات مستمرة فى العلن وفى الخفاء بين الوجود الإيرانى فى لبنان والسياسات الأخرى المعادية له والرافضة لوجوده. وعندما وقع الانفجار الأخير فى ميناء بيروت، فإن أصابع الاتهام أشارت إلى «حزب الله» ويومها تحرّك العالمان العربى والأوروبى دعما للبنان وحرصا على الاستقرار فيه، خصوصا أن الأوضاع القائمة ليست فى أفضل حالاتها، سيما فى الجانب الاقتصادى ومستوى المعيشة وعوائد الدخل القومى عموما مع التدنى الشديد لسعر العملة اللبنانية، إذ إن لبنان دولة خدمات، فالاستقرار مهم للغاية لازدهاره ولا مجال للحديث عن التقدم والنهوض فى ظل العنف والاضطرابات التى تجرى على أرضه. لذلك، فزع الغرب وجاءت أكثر من زيارة للرئيس الفرنسى ماكرون دعما لذلك البلد العربى الذى يمثّل جسرا للتقارب مع أوروبا وفرنسا بصفة خاصة التى تتمتع فى الوقت ذاته بجسور اتصال قوية مع عرب شمال أفريقيا، خصوصا فى تونس والجزائر والمغرب.
سابعا: لقد عانى لبنان كثيرا من الطبقة السياسية التى توارثت السلطة والنفوذ بل والمال أيضا لفترات طويلة امتدت من القرن التاسع عشر حتى الآن، وبرزت خلالها زعامات أثار دورها علامات استفهام كثيرة وانتهى الأمر بأن تحوّل لبنان المنكوب أحيانا إلى لبنان المنهوب دائما، وظل الأمر على ما هو عليه حتى الساعة، ولن تنصلح حال لبنان إلا بصلاح الطبقة السياسية وكوادر الحكم فيها، خصوصا أنه بلد منجب ومعطاء ويتميز بتفوّق العنصر البشرى فى المجالات جميع. بعد هذه السطور، ألا نشعر بحق بأن لبنان البلد العربى الجميل المزدهر دائما حتى فى أحلك لحظاته هو ذاته المفترى عليه؟!



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك