- سيد محمود: كتاب إعلام الجماهير فتح ملف أرشيف الصوت الغائب عن التاريخ المعاصر
- بدر الرفاعي: شعرت بألفة خاصة تجاه كتاب «إعلام الجماهير»
- عماد أبو غازي: «أرشيف الظل» ضرورة بحثية فرضتها قيود الوثائق الرسمية
- عماد أبو غازي: استضافة الشيخ إمام في آداب القاهرة 1968 غيرت مساره الجماهيري
أكد الباحث الأمريكي أندرو سايمون أن كتابه «إعلام الجماهير.. ثقافة الكاسيت في مصر» يمثل محاولة لكتابة تاريخ ثقافي واجتماعي بعيدًا عن الوثائق الرسمية، عبر ما أسماه «أرشيف الظل» أو «الأرشيف البديل»، مشددًا على أن الثقافة الشعبية جزء لا يتجزأ من الثقافة العامة، ولا يمكن فهم المجتمع المصري دون التوقف عندها.
وأوضح سايمون، خلال ندوة مناقشة وتوقيع الكتاب التي نظمتها دار الشروق بمبنى قنصلية، بحضور لافت من المثقفين والمهتمين بالتاريخ الثقافي، أن سؤالًا أساسيًا كان نقطة انطلاقه في البحث: كيف يمكن كتابة تاريخ بلد في ظل غياب أو صعوبة الوصول إلى الوثائق الرسمية، خاصة لفترات تاريخية قريبة ومهمة، مستشهدًا بقول المؤرخ المصري فتحي عبده: «تاريخ بلا وثائق رسمية».
وأشار إلى أنه لجأ لبناء أرشيفه الخاص من خلال مصادر سمعية وبصرية متنوعة، شملت البحث في مكتبات سور الأزبكية، وشركات شرائط الكاسيت، والمقابلات الشخصية، والمجلات القديمة مثل «روز اليوسف» و«آخر ساعة»، مؤكدًا أنه اطلع على أعداد هذه المجلات على مدى ثلاثين عامًا، وجمع نحو 20 ألف صورة خلال عامين أصبحت جزءًا من أرشيفه البحثي.
وأوضح أن فكرة الكتاب تبلورت إبان ثورة 25 يناير، حين كان يقيم بوسط البلد وشاهد أحداثها عن قرب، ولاحظ ما وصفه بـ«قوة الصوت» و«الثقافة الصوتية»، واستمع إلى أغاني الشيخ إمام في الميدان، ما دفعه للتفكير في كتابة بحثه حول الإعلام قبل عصر الإنترنت، من خلال وسيط الكاسيت.
وتطرق سايمون إلى اهتمامه بالحياة اليومية للمصريين، مؤكدًا أن كثيرًا من الدراسات الغربية عن الشرق الأوسط تنشغل بموضوعات نمطية مثل النفط أو الإسلام أو الإرهاب، بينما كان هو معنيًا بالكتابة عن مصر الاجتماعية التي عاشها، لافتًا إلى إعجابه بأغاني أحمد عدوية وسماعه لها في المواصلات وسيارات الأصدقاء، ومشيرًا إلى وجود تشابه بين الجدل الذي أثير حول عدوية في الماضي، وما يثار اليوم حول مطربي المهرجانات، باستخدام المصطلحات ذاتها مثل «انهيار الذوق العام» و«التلوث السمعي».
وكشف عن امتلاكه نحو 500 شريط كاسيت نادر، يعتزم إتاحتها رقميًا على الإنترنت خلال الفترة المقبلة، مؤكدًا أن العودة إلى الأرشيف الصحفي تكشف تكرار الخطاب الثقافي نفسه عبر الزمن.
وفيما يتعلق بترجمة الكتاب، شدد سايمون على أهمية صدوره بالعربية، موضحًا أنه حرص على اختيار مترجم عاش الفترة التي يتناولها الكتاب، ومؤكدًا أن الترجمة تمثل تحقيقًا لحلم قديم، وأنه يخطط لترجمة أعماله المقبلة إلى العربية، لأنه لم يكتب الكتاب ليكون موجهًا للغرب أو للأكاديميين فقط، بل للقارئ المصري أيضًا.
وأعرب الباحث الأمريكي عن شكره لدار الشروق على نشر الكتاب واستضافتها اللقاء، مؤكدًا أن أول زيارة له إلى مصر كانت عام 2007 وعندما زار «مكتبة الشروق» بمقرها في شارع طلعت حرب، بوسط البلد، ولم يكن يتخيل آنذاك أن ينشر كتابًا مع الدار ويباع في المكتبة نفسها.
كما وجه الشكر إلى مترجم الكتاب بدر الرفاعي تقديرًا لجهده، وإلى الكاتب الصحفي سيد محمود لدعمه منذ وصوله إلى مصر، معربًا عن امتنانه للأصدقاء والكتاب المصريين الذين كتبوا عن الكتاب وتفاعلوا معه.
واختتم سايمون حديثه بالتأكيد على أن الكتاب ثمرة عشر سنوات من البحث والعمل، ورغم ما تطلبه من جهد وتعب، فإنه يراه عملًا ممتعًا ومهمًا.
وخلال كلمته أشاد الكاتب الصحفي سيد محمود بكتاب "إعلام الجماهير.. ثقافة الكاسيت في مصر" الصادر عن دار الشروق، معتبرا أنه يتناول فترة هامة في التاريخ المعاصر، وهي فترات لا تحظى بحضور كافٍ في الدراسات الأكاديمية، على عكس ما نجده في كتابات الباحثين الأجانب.
وأشار محمود، إلى أن أبرز مميزات الكتاب لفت الانتباه إلى ما وصفه المؤلف بـ"أرشيف الظل"، أو أرشيف الصوت، بوصفه أرشيفا مهمشا في الدراسات التاريخية المعاصرة، موضحا أن الأرشيف المتعارف عليه إما رسمي أو غير رسمي، لكن الحقيقة أن هناك أرشيف ظل.
وتابع أن المؤلف يعرف أرشيف الظل من خلال أماكن، مثل سور الأزبكية وغيرها من أسواق الكتب القديمة، ومن خلال هذا الأرشيف، إلى جانب المصادر من المقابلات والكتب التاريخية، استطاع أن يكون "كولاجا" معرفيا عن فترة تاريخية تمتد من سبعينيات القرن الماضي وحتى ثورة 25 يناير.
وأوضح أن الكتاب في أصله رسالة دكتوراة قُدمت في جامعة ستانفورد، ووقف خلفها عدد كبير من الأساتذة المتميزين، لافتا إلى قدرة المؤلف على التعامل مع مصادر وأرشيفات متنوعة، خاصةً ما يسميه "الإمكانية غير المستغلة للأرشيف الصحفي" كمصدر أساسي لأرشيف الظل.
ولفت سيد محمود، إلى أن من مصادر إلهام الكتاب أن الباحث آندرو سايمون عاش فترة إعداد أطروحته خلال ثورة يناير، وكان قريبا من ميدان التحرير، حيث استمع إلى أصوات الثورة والنداءات المختلفة، ولاحظ إعادة توظيف أغاني تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، ما دفعه إلى تعميق اهتمامه بالصوت بوصفه أداة للتعبئة والاحتجاج.
وأشار إلى أن الكتاب ينبه كذلك إلى إسهامات باحثين مصريين في مجال تاريخ الصوت، من بينهم زياد فهمي، الذي لم تترجم أعماله إلى العربية، رغم أهميتها في دراسة أرشيفات الصوت.
وأكد أن الكتاب يقارب فترة زمنية يعرفها الجميع، وهي مرحلة الانفتاح الاقتصادي وما تلاها، وأن القارئ يلمس حجم الجهد المبذول فيه، ومعرفة المؤلف الدقيقة بالواقع المصري.
ورأى أن سايمون حاول أن يكون موضوعيا إلى حد كبير، وإن لم تخفي هذه الموضوعية بعض انحيازاته، إلا أنه نجح في إبراز الدور الذي تلعبه الأصوات في تشكيل الهوية خلال لحظات التحول التاريخي.
وأوضح أن الكتاب يدرس ظاهرة الكاسيت انطلاقا من مفهوم "تاريخ الأشياء"، مقدما نماذج مقارنة من مجتمعات أخرى، مثل فهم التاريخ المعاصر لإيطاليا عبر صناعة السجائر، ليطبق الفكرة نفسها على تقنية الكاسيت ولحظة ظهورها عالميا.
وأشار إلى أن خطورة الكاسيت، من منظور الكتاب والدراسات الثقافية، تكمن في ما يسميه "ديمقراطية الوسيط"؛ حيث أسهمت الوسائط الجديدة في تقويض احتكار الدولة لوسائل الثقافة والإعلام، وقلصت قدرتها على تشكيل المواطن وفق شروطها وسياساتها.
وأكد سيد محمود، أن سايمون يتتبع ظاهرة الكاسيت بوصفها ظاهرة مصرية أسهمت في تشكيل هوية ثقافية تواجه الثقافة الرسمية، من خلال الاشتغال على أصوات تبدو متناقضة ظاهريا، لكنها تقود إلى فهم أعمق لما يسمى بالثقافة الجماهيرية أو الشعبية.
وأشار إلى وعي المؤلف بالتقابلات الأيديولوجية، مستشهدا بكيفية استقبال أغاني أحمد عدوية، وتحول هذا الاستقبال من الرفض إلى الاندماج، مع بقاء رمزيته مرتبطة بنقطة اشتباك دائمة بين التصورين الرسمي وغير الرسمي.
وقال إن آندرو سايمون لفت الانتباه إلى أن امتلاك الأفراد لأجهزة الكاسيت ونسخ ما يشاؤون يمثل أحد أشكال القرصنة والاعتداء على حقوق الملكية الفكرية، موضحا أن الكتاب يتتبع أشكال هذه القرصنة وكيف تطورت إلى حد إنشاء وحدة داخل وزارة الداخلية لمتابعة الظاهرة في سياقاتها المختلفة.
وتابع كما يضع الكتاب القارئ أمام مسألة التواطؤ المحتمل بين أطراف متعددة في الصناعة، حيث تتداخل عمليات النسخ مع القرصنة ومع الإنتاج الرسمي.
واختتم حديثه بالإشارة إلى توقف الكتاب أمام الأصوات المهمشة، مثل "الإسلام المسموع" الذي برز في سبعينيات القرن الماضي، باعتباره جزءً أساسيا من مشهد الصوت والثقافة في مصر خلال تلك المرحلة.
وفي مداخلته قال الكاتب بدر الرفاعي، مترجم كتاب «إعلام الجماهير.. ثقافة الكاسيت في مصر»، إنه على الرغم من عمله الطويل في مجالي التأليف والترجمة، فإن هذه هي المرة الأولى التي يشارك فيها بحفل توقيع كتاب، مشيرًا إلى أن تجربته مع هذا العمل كانت مختلفة واستثنائية.
وأضاف أن علاقة خاصة من الألفة نشأت بينه وبين الكتاب خلال فترة العمل عليه، موضحًا أنه رغم أن الكتاب يتناول في الأساس ثقافة الكاسيت، فإنه يفتح في الوقت نفسه ملفًا تاريخيًا بالغ الأهمية، يتمثل في مرحلة الانتقال من اقتصاد الدولة إلى سياسة الانفتاح.
وأشار الرفاعي إلى أن آندرو سايمون فاجأه بنجاحه في بناء «أرشيف ظل» متكامل بعيدًا عن الوثائق الرسمية، وهو ما منح الكتاب قيمة بحثية وتاريخية مضاعفة.
وأكد أن الكتاب يتقاطع مع حياته الشخصية، معتبرًا نفسه شاهد عيان على كثير من الوقائع الواردة فيه، بل إن بعض هذه الوقائع كان طرفًا فيها، ومن بينها مشاركته في أول ظهور جماهيري واسع للشيخ إمام عام 1968، وهو عام وصفه بالحاسم والمختلف.
وأوضح أنه عقب انتفاضة الطلبة حدثت مساحة من الانفراجة، ونجح الطلاب في تأسيس اتحاد طلاب يتمتع بقدر من الاستقلال، ما أدى إلى ازدهار الأنشطة الثقافية داخل الجامعة.
وأضاف أن الشاعر الكبير زين العابدين فؤاد نظم في تلك الفترة احتفالية بكلية الآداب جامعة القاهرة في ذكرى استشهاد تشي جيفارا والمهدي بن بركة، وتمكن من إقناع عميد الكلية بأنه سيستضيف «شيخًا أعمى يغني»، في وقت كان فيه صوت الشيخ إمام يتداول بشكل شبه سري.
وتابع أن تلك المناسبة شكلت بداية علاقة الطلاب بالشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، حيث بدأوا في التردد على منزلهما بحوش آدم، قبل أن يكتب الدكتور فؤاد زكريا مقالًا بعنوان «ظاهرة الشيخ إمام»، الذي أسهم في اتساع دائرة التعرف عليه، وأن أشعار الشيخ إمام بدأت تغنى بأصوات مطربين آخرين، كما خصص برنامج إذاعي خلال شهر رمضان عام 1968 لتقديم ألحانه، من إعداد وتقديم رجاء النقاش، وهو ما اعتبره محاولات لشراءه لكن باءت بالفشل.
ومن جهته، قال الدكتور عماد أبو غازي، وزير الثقافة الأسبق، إن «أرشيف الظل» الذي انتهجه الباحث الأمريكي آندرو سايمون في تأليف كتاب إعلام الجماهير ثقافة الكاسيت في مصر الصادر عن دار الشروق، يمثل في حد ذاته مهمة بحثية شاقة وعملًا علميًا مضنيًا، معتبرًا أن القيود المفروضة على الوصول إلى دار الوثائق القومية وغيرها من المؤسسات الأرشيفية تدفع الباحثين، إلى البحث عن مصادر بديلة وأكثر تنوعًا لكتابة التاريخ.
وأشار أبو غازي إلى أن تجربة الشيخ إمام مرت بتحولات واضحة في مسارها الجماهيري، موضحًا أنه بدأ كصوت تتداوله النخبة ودوائر اليسار، حيث كان محبيه يسجلون أغانيه التي يلقيها في المنازل وبين الأصدقاء.
وأضاف أن استضافته في كلية الآداب عام 1968 شكلت نقطة تحول مهمة، إذ اتسعت قاعدته الجماهيرية لتشمل مختلف الطبقات الاجتماعية، وبدأت أغانيه تسجل وتنسخ وتتداول داخل مصر وخارجها.
ولفت إلى أنه حضر آخر حفلة للشيخ إمام بنقابة الصحفيين، مؤكدًا أن القاعة كانت مكتظة بالحضور، وهو ما يعكس حجم جماهيريته، مشيرًا إلى أن ظهوره في أي مكان كان كفيلًا بجذب جمهور واسع.
وشارك بالحضور كل من الكاتب الصحفي محمد بصل مدير تحرير جريدة الشروق، والفنان سعد حجو، وأسامة عرابي، والمخرجة ليالي بدر، والكاتبة الصحفية غدير حسين، وعمرو عز الدين، وكارمن التوارجي، ونادية أبو العلا مؤسسة جروب نادي قراء الشروق، ومحمد الشماع، ونانسي حبيب مسئولة النشر بدار الشروق، إلى جانب عدد من الكتاب والصحفيين والمهتمين بالشأن الثقافي.
وفي تقديم الكتاب، أُشير إلى أن شريط الكاسيت، الذي يبدو اليوم قطعة من الماضي، كان في الربع الأخير من القرن العشرين نشاطًا ثقافيًا وسياسيًا وفنيًا واقتصاديًا مؤثرًا، أتاح بدائل واسعة في الغناء والفكر والخطاب العام، من أم كلثوم و«البيتلز» إلى أحمد عدوية والشيخ إمام والشيخ كشك. ويرصد الكتاب، عبر ستة فصول، كيف أسهمت تقنية الكاسيت في تفكيك احتكار الإعلام الرسمي قبل عصر الفضائيات والإنترنت، لتتحول من وسيلة ترفيه إلى ما يمكن وصفه بحق بـ«إعلام الجماهير».