"جاي هنا عشان انبسط، وأشارك الناس فرحتها".. بهذه الكلمات عبر الفنان التشكيلي حسني أبو بكر عن سعادته بالمشاركة في فعاليات شارع الفن التي تقام أسبوعيًا في شارع الشريفين وسط البلد أيام الخميس والجمعة والسبت، لتضفي حالة من البهجة على المكان وتحوله إلى كرنفال مفتوح.
فعلى جانبي الشارع الذي يتزين باللوحات الفنية، يطلق الفنانون العنان لإبداعتهم، هذا منساب فوق لوحته، وآخر منهمك في النحت والخزف، بينما تخطف أذنك توليفة موسيقية استثنائية تجمع بين الألحان الشرقية والعربية والأبرالية، وغيرها من القصائد الشعرية، معظم من يقدمها شباب من جيل "زي" ليؤكد أن الفن باق ومتجدد عبر الأجيال.
وبين الألوان والأنغام، تدور رقصات التنورة بمشهد يخطف الأنظار، ويطل الأراجوز ليرسم البسمة على وجوه الكبار والصغار ويعيد روح الفن الشعبي إلى الشارع من جديد.
الرسم في الشارع ممتع
بدوره، يقول الفنان حسني أبو بكر في حديثه لـ "الشروق"، إنه حرص على الحضور من أجل الانبساط، والتغلب على ضغوطات الحياة بالفن، معربًا عن سعادته بمشاركة الناس حال البهجة.
ووجه أبو بكر الشكر لكل القائمين على المبادرة، وتنفيذها وخروجها بهذا الشكل، متمنيًا التوسع بها أكثر لتشمل الكثير من الأماكن، مضيفًا: "احنا محتاجين ده في مصر فعلا".
ولفت أبو بكر إلى أنه شارك في فعالية "شارع الفن" بدعوة من نقابة الفنانين التشكيليين، وحتى دون توجيه الدعوة له، كان سيشارك بكل تأكيد، لأنه يسعد بالرسم في الشارع وسط الجمهور، قائلًا: "أنا حاسس إن الموضوع لذيذ، والرسم في الشارع ده ممتع جدا على فكرة، لأن باخد رد فعل عى طول من الناس، بحس بمتعة زي ممثل المسرح كدا بياخد المردود أولا بأول".
وعن الرسمة التي انساب عليها بريشته، قال إنه من محبي لوحات البروترية، ويرسم هذه اللوحة إهداءً لإحدى الفتيات التي طلبت منه رسمها: "قالت لي ارسمني فحسيت إن أنا لو رسمتها هبسطها.. فالواحد مش جاي بس عشان يبسط نفسه لاء كمان يقدر يبسط الآخرين".
شارك أيضًا محمد أحمد، طالب من كلية تربية فنية، في الفعالية رفقة 11 من زملائه، بحقائب ومحافظ مصنوعة من الجلد الطبيعي عن التراث وبتقنيات عالية مع التطعيم بالمعادن وأقلام الحرق.
كما شاركت مي محمد عز الدين، طالبة بكلية تربية فنية، بلوحتين، الأولى فكرتها الدمج بين الحضارة والمستقبل، والأخرى لوحة خشبية عبارة عن رأس حمار وحشي مصنوع بتقنية سي ال سي، وقشر الخش، مشيرة إلى أن الأعمال استهلكت منها المزيد من الوقت والجهد، لكنها سعيد جدًا بالنتيجة وبالمشاركة بهما.
وكذلك رضوى جمال، خريجة فنون جميلة، المشاركة بإحدى لوحاتها، إذ أعربت رضوى عن سعادتها بالمشاركة، موضحة أن اللوحة المشاركة عبارة عن "باب على الحاضر"، وهي تتحدث عن الإنسان الواقف بين الذاكرة والأمل، فهو ينظر إلى الحاضر لكنه لا يزال عالق في ذكريات الماضي، والتي عبرت عنها بريشتها، مشيرة إلى أن اللوحة مثل حوار مع النفس تجاه السلام الداخلي.
توليفة استثنائية بأعذب الألحان
من الغناء الكلاسيكي للشرقي للشعبي، تتألق جويز بيشوي بالغناء الأوبرالي لتقدم Caro mio ben.. وهي مقطوعة تراثية أوبرالية، وسط تصفيق حار من الجمهور لأدائها.
جويس بيشوي، 16 سنة، تدرس "كونسرفيتوار"، وعازفة بيانو من 8 سنوات، وشغوفة بالتمثيل والتصوير، معربة عن سعادتها للمشاركة في فعالية شارع الفن.
وعن المقطوعة التي قدمتها، تقول إنها من المقطوعات الأوبرالية القديمة، موضحة أن المبادرة تجمع عدد كبير من الفنون في مكان واحد من كونسرفيتوار، وبالية، وموسيقى عربية، وفنون شعبية، وكل المعاهد التابعة لأكاديمية الفنون.
بدوره، قال محمد العزازي، 20 سنة، عازف كمان ومؤلف موسيقي وطالب في معهد الموسيقى العربية- إن مبادرة شارع الفن جميلة جدًا وتذكره بأيام زمان وموسيقى زمان الكلاسيكية، متمنيا تعميم الفكرة في أماكن أخرى لتعزيز الذوق الفني لدى الجمهور.
ويشارك العزازي رفقة فرقته وهم عدد من أصدقاءه المقربين المبدعين في استخدام الآلات الموسيقية المختلفة، من نفخ وكمان وناي وطبلة وغيرها، وتألقوا جميعًا بعدد من الأغاني المتنوعة، كما تألق عدد كبير من الشباب الفنانين والفرق الأخرى المشاركة بأغاني كلاسيكية وشعبية متنوعة.
صندوق الدنيا والأراجوز.. بهجة تعيد الحياة للفن الشعبي
بدهشة لا تقل عن دهشة الأطفال، التف الكبار والصغار حول صندوق خشبي لمشاهدة الشاشة المضيئة بداخله، وبلمسة صغيرة تعرض الشاشة رسومات مختلفة ثلاثية للأبعاد، إنه "صندوق الدنيا" وهو عبارة عن جهاز عرض ترفيهي متنقل من التراث الشعبي.
ويقول جورج وصفي – فنان وحكاء صندوق الدنيا لـ "الشروق"، إن فكرة صندوق الدنيا هتعتمد على تقنية الهيلوجرام أي عرض االصور والرسومات "ثلاثية الأبعاد" أبدعها بهذا الشكل الفنان هاني الناجي، معربًا عن سعادته بالفعالية، وموجهًا الشكر لكل القائمين عليها.
وبصوت حاد يبعث البسمة على الوجوه، تألق الأراجوز بأغنية الفنان محمد العزبي "الأقصر بلدنا بلد سواح فيها الأجانب تتفسح" ليردد الجميع معه كلمات الأغنية بكل سعادة وفرح، قبل أن يدخل في حوار شيق مع لاعب "الأراجوز" ويضيف المزيد من البهجة والسرور على وجوه الجميع.
فخر واعتزاز بالهوية المصرية
بنظرات فخر واعتزاز بالهوية المصرية والتراث الفني والغنائي، أبدى عدد كبير من الزائرين عن سعادتهم بالفعالية، إذ أعرب محمد حنفي، زائر، لـ"الشروق"، عن سعادته بفكرة استغلال الفضاء في الشوارع والميادين لمساحات فنية، مشرًا إلى أن تلك المشاهد كان يشاهدها بالخارج، معربًا عن فخره بالفنانين المشاركين وأدائهم، وجمع مثل كل هؤلاء في مكان واحد مفتوح للجميع، مضيفًا: "الواحد فخور جدًا بكمية الفنانين الي احنا ماشيين في وسطهم.. ده فعلا شارع الفن".
كما حرصت داليا صلاح، زائرة، على أنها تحضر أبناءها للاستمتاع بالفعالية بعد أن علمت بانطلاقها من موقع "فيسبوك"، مشيدة بالفكرة لتعليم الجيل الجديد تاريخه وتراثه وفنه.
بدورها، أثنت نادية علام، زائرة، التي حضرت رفقة ابنتها وحفيدها، على المبادرة وفعاليتها الفنية، وأنها أصبحت خروجة ترفيهية عائلية بالمجان، إذ بات حفيدها يمرح حولها برياضة "الإسكيت"، مقترحة أن تتسع المبادرة وتشمل مسرح كبير بعروض فنية مختلفة.
بينما أضافت ابنتها أسماء عبدالعظيم، زائرة، أن شارع البورصة به ذكرى خاصة لديها منذ سنوات، مشيدة بجهود الدولة وتحويلها إلى مبادرة فنية، وأعربت عن اعتزازها وفخرها بالتراث المصري، قائلة: "الشارع كان جميل جدا وبقى أجمل بالفن الي فيه والثقافة والتراث بتاعنا، وهويتنا الي عمرنا ما نفقدها، مهما حاولوا يكسروا فينا، ويحطموا فينا، ومهما يحاولوا يطمسوا الحضارة بتاعتنا مش هيقدرو، لأن احنا حضارة 7 آلاف سنة، ده تراثنا.. ودي موسيقتنا.. وده شبابنا، وده احنا.. ده فننا".
وكانت قد انطلقت أولى فعاليات المبادرة بحضور الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، والدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة، الخميس وتستمر حتى السبت، حيث سبق وأعلن عن تدشينها الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء الأسبوع الماضي، في إطار حرص الدولة على دعم الفنون وتعزيز الهوية المصرية.
وتضمن برنامج الفعاليات عددًا من العروض الفنية والتفاعلية، من بينها عرض "صندوق الدنيا" التراثي، وورشة فنية يقدمها الدكتور عادل ناجي، إلى جانب فقرة شعرية بمشاركة المعهد العالي لفنون الطفل، وعرض "الأراجوز" بالتعاون مع بيت السحيمي.