استخلص وليام بيرنز المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية " سي آي إيه" ثلاثة دروس أساسية من الحرب على إيران خلال الأسابيع الثمانية الماضية، مشيرا إلى أن تلك الدروس قد تساعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الخروج من المأزق الراهن في إيران.
- خبرة عقود من الدبلوماسية إلى "سي آي إيه"
وقال بيرنز في مستهل مقاله بصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية إن "شبح الجمهورية الإسلامية الإيرانية واضطراباتها العنيفة خيم على مسيرته المهنية بأكملها، موضحا: "خضت امتحان السلك الدبلوماسي في أواخر عام 1979 حين احتجز النظام الإيراني رهائن السفارة الأمريكية بطهران، وواجهت تداعيات التفجير المروع الذي استهدف سفارتنا في بيروت عام 1983 كما قُدت مفاوضات نووية سرية مع إيران بعد ثلاثة عقود، وتصديت لوكلائها في أنحاء الشرق الأوسط بعد 7 أكتوبر 2023".
وتابع: "لقد تعلمت دروسا قيمة على مر السنين حول التعامل مع إيران، وغالبا ما كانت هذه الدروس قاسية".
ومضى قائلا: "لم يبد الرئيس ترامب، في حربه الاختيارية ضد إيران، اهتماما يُذكر بأخطائنا، بل أضاف إليها العديد من أخطائه. فقد افترض أن القنابل والاغتيالات كفيلة بتغيير النظام. وأساء فهم النجاح العسكري التكتيكي، معتبرا إياه استراتيجية قابلة للتطبيق. واتخذ قرارات سياسية بناء على نزواته الرئاسية واعتبارات سياسية. وتفاوض بشكل مرتجل دون تفكير أو تخطيط مسبق".
وأشار بيرنز إلى أن هذه الأخطاء غير المقصودة ألحقت ضررا استراتيجيا كبيرا بالفعل. ولكن مع تمديد هش لوقف إطلاق النار وإمكانية استئناف المفاوضات، تلوح في الأفق فرصة للحد من هذا الضرر.
واستعرض بيرنز ثلاثة دروس أساسية من الأسابيع الثمانية الماضية قد تساعد ترامب في إنقاذ مصالح أمريكا.
- إدارة مشاكل السياسة الخارجية المعقدة بكفاءة تتطلب وقتا وصبرا
وأوضح بيرنز أن أول هذه الدروس تتمثل في أن إدارة مشاكل السياسة الخارجية المعقدة بكفاءة تتطلب وقتا وصبرا. وتابع: "لا يتعلق هذا الدرس بالاستسلام للقدر أو تجنب الخيارات الصعبة، بل بما يمكن تحقيقه بتكلفة مقبولة على حساب الأولويات الأخرى، سواء الخارجية أو الداخلية".
وأشار إلى أنه نادرا ما يكون الكمال خيارا مطروحا في الدبلوماسية، لا سيما مع نظام متشدد متجذر في أيديولوجيته.
وتابع: "قد يبدو إقصاء القيادة حلا سريعا مغريا، لكن كما اكتشفت هذه الإدارة سريعا في إيران، قد يكون ذلك مجرد وهم".
وبحسب بيرنز، كان منطق الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في انتهاج الدبلوماسية المباشرة مع إيران قائما على استراتيجية طويلة الأمد، تهدف إلى كبح أخطر المخاطر التي تشكلها طهران - ألا وهي إمكانية امتلاكها أسلحة نووية - والحد من التهديدات الأخرى تدريجيا، مع دعم الحريات السياسية للشعب الإيراني.
وكما فعل سلفه جورج دبليو بوش، درس أوباما بعناية مخاطر الحرب وتداعياتها الثانوية والثالثية، وخلص إلى أنها تفوق بكثير الفوائد المحتملة.
أما ترامب، الذي شجعه شعوره بالنجاح في حربه على إيران في يونيو الماضي والعملية العسكرية ضد فنزويلا في الشتاء الماضي، فقد اتخذ خيارا مختلفا ومأساويا، لا مجال للتراجع في السياسة الخارجية.
ومع ذلك، لا يزال هناك احتمال ضئيل لمعالجة أخطر المخاطر التي تشكلها إيران على جيرانها والولايات المتحدة وبقية العالم، إذا استطاعت الإدارة الأمريكية تحديد الأولويات والتركيز والتغلب على ميلها إلى الحلول السريعة.
- تسخير جميع أدوات الأمن القومي الأمريكي
وبالنسبة للدرس الثاني، أوضح بيرنز أنه لا بديل عن تسخير جميع أدوات الأمن القومي الأمريكي. فالدبلوماسية لا تُحقق تقدما يذكر دون نفوذ عسكري واقتصادي، لكن القوة وحدها - دون دبلوماسية صبورة ودقيقة، مدعومة بمعلومات مخابراتية موثوقة يأخذها صناع القرار على محمل الجد - نادرا ما تُجدي نفعا. كما أن المفاوضات ليست إملاء، بل هي في الغالب عملية معقدة ومطولة من الأخذ والعطاء، حيث تُعد الخبرة أساسية، وتُمارس فيها ضغوط متعددة.
وبحسب بيرنز، سيكون ذلك حاسما- إذا صمد وقف إطلاق النار- للمفاوضات بشأن التحديين الرئيسيين: الملف النووي ومضيق هرمز. ويكمن جوهر أي اتفاق جيد في عمليات تفتيش نووية دقيقة، وتجميد مطول لتخصيب اليورانيوم، وتصدير أو تخفيف مخزون طهران الحالي من اليورانيوم المخصب، مقابل تخفيف ملموس للعقوبات المفروضة على إيران.
وفيما يتعلق بإعادة فتح المضيق، فإن اتفاقا ما يضم الدول المطلة عليه وغيرها من الفاعلين العالميين الرئيسيين من شأنه أن يُسهم في حماية حرية المرور بشكل دائم، وتوفير بعض الإيرادات لإزالة الألغام والإنعاش الاقتصادي دون السماح بإنشاء نقطة تفتيش إيرانية.
ورأى بيرنز أن الولايات المتحدة تتمتع بموقف قوي، لكن التوصل إلى اتفاق دائم يتطلب رؤية ثاقبة، وحشد الحلفاء والشركاء، واهتماما دقيقا بالتفاصيل مع مفاوضين إيرانيين ذوي خبرة واسعة، وربما مخادعين أحيانا.
كما حذر من أنه ما لم تُرسم الخطوط بوضوح وتُراقب بدقة، سيتجاوز الإيرانيون هذه الخطوط، مشددا "لا يمكننا المخاطرة بالارتجال".
- استخدام القوة الغاشمة دون خطة طويلة الأمد يفاقم المشاكل
وأشار إلى أن الدرس الثالث والأخير يتعلق بأن استخدام القوة الغاشمة ضد التهديدات المباشرة بدون خطة طويلة الأمد لتحقيق النجاح لم يُسفر إلا عن تفاقم المشاكل. والقائمة طويلة: فالنظام الإيراني مُنهك ولكنه لا يزال قائما، لقد تم إضعافه في جوانب عديدة ولكنه أكثر شراسة وتشددا.
وبحسب بيرنز، فإن مضيق هرمز، الذي يُعد هبة جغرافية استراتيجية لإيران، أصبح الآن مصدرا أقوى لنفوذ طهران من برنامجها النووي أو صواريخها الباليستية أو وكلائها. كما تآكلت الثقة في الولايات المتحدة لدى دول الخليج العربي وحلفائها الأوروبيين. كما أن حلفاء واشنطن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ يعانون من أضرار اقتصادية ويفقدون ثقتهم في القيادة الأمريكية.
ورأى مدير "سي آي إيه" السابق أن الحرب على إيران مثلت أيضا شريان حياة للرئيس الروسي فلاديمير فلاديمير بوتين، مما أدى إلى زيادة عائدات الطاقة وتقليص المخزونات العسكرية الأمريكية في وقت كانت فيه أوكرانيا تحرز تقدما على أرض المعركة وكان الاقتصاد الروسي يواجه أزمة حادة.
وبحسب بيرنز، يبدو أن الرئيس الصيني شي جين بينج يعتقد أن الصراع عزز مكانة الصين الاستراتيجية، في الوقت الذي يستعد فيه ترامب لزيارة بكين منتصف الشهر المقبل، مما يمنح شي فرصة لانتزاع تنازلات في مجالات التجارة والتكنولوجيا وتايوان.
واختتم بيرنز مقاله قائلا: "لم يكن علينا أن نصل إلى هذه المرحلة الحرجة"، مشيرا إلى أنه "لحسن الحظ، لا يزال لدينا متسع من الوقت للتوقف عن العمل، واستخلاص العبر من التجارب الصعبة، وتطبيقها بتواضع أكبر".