شاركت الناشطة الثقافية الفلسطينية، أمواج أبو حمدة ، مع المتابعين عبر "الفيسبوك" قراءة في رواية «في بلد الرجال» للكاتب الليبي العالمي هشام مطر، مسلطة الضوء على أبعادها الإنسانية والسياسية، وما تطرحه من تأملات عميقة حول الطفولة في ظل القمع، وأثر الخوف والسرية على تشكيل الوعي والهوية، من خلال قراءة نقدية رصدت تقنيات السرد وبناء الشخصيات، وتفكك علاقة الفرد بالسلطة داخل مجتمع مثقل بالخوف.
في البداية، نوّهت "أبو حمدة" أن رواية «في بلد الرجال» تعد العمل الروائي الأول لـ "مطر"، وقد صدرت للمرة الأولى في يوليو عام 2006 عن دار نشر «فايكنج»، ورُشحت الرواية لجائزة المان بوكر، وجائزة «الجارديان» للكتاب الأول، وتُرجمت إلى 22 لغة، كما فازت بجائزة «أونداتجي» التابعة للجمعية الملكية للأدب، إلى جانب عدد من الجوائز الأدبية الدولية المرموقة الأخرى، وكذلك رُشحت لجائزة «الدائرة الوطنية لنقاد الكتب»، وفازت بجائزة الكتاب العربي الأمريكي.
وأشارت إلى أن الرواية تقدم عملًا إنسانيًا مؤثرًا يمزج بين التاريخ السياسي والتجربة الشخصية العميقة؛ حيث تدور أحداثها في ليبيا خلال سبعينيات القرن الماضي، في ظل حكم معمر القذافي، وتتبع حياة "سليمان"، الطفل الوحيد لوالديه، والذي لا يتجاوز التاسعة من عمره، والذي تتشكل ملامح طفولته في مناخ مشحون بالخوف والسرية، في ظل الأجواء القمعية التي تفرضها السلطة على أسرته.
وبيّنت أن قوة الرواية تكمن في زاوية السرد الفريدة التي تعتمدها؛ إذ تُروى الأحداث من منظور الطفل "سليمان"، الذي لا يدرك تمامًا خطورة الواقع السياسي المحيط به، بينما يكون القارئ على وعي كامل بها، ويخلق هذا التباين توترًا سرديًا عميقًا، ويمنح حتى التفاصيل الصغيرة ثقلًا عاطفيًا واضحًا. ويُسهم غياب الأب الغامض، وهشاشة الحالة النفسية للأم وإدمانها الكحول، إضافة إلى الحضور الدائم للرقابة، في تكوين شعور خفي ومتصاعد بالقلق.
وأضافت أن الرواية تكشف جانبًا مهمًا من تكوين شخصية "سليمان"، إذ تؤدي نشأته المفرطة في الحماية، إلى جانب غياب الصراحة والتواصل داخل الأسرة، إلى تشكيل سلوكيات مضطربة لديه؛ ففي ظل العزلة والارتباك، يبدأ في التعبير عن مشاعره بطرق غير صحية، غالبًا ما تتجلى في سلوك عدواني تجاه أصدقائه والمحيطين به. ويعكس ذلك كيف يمكن للأطفال، في غياب التوجيه والصدق، أن يعجزوا عن استيعاب مشاعر الخوف وعدم اليقين
وتابعت أنه مع مرور الوقت، يتحول "سليمان" إلى شاب مثقل بصدمات نفسية وذكريات غير محسومة ومشاعر متناقضة، وأوضحت أن "مطر" يبرز، بأسلوب دقيق عبر صفحات الرواية، كيف يمكن لتجارب الطفولة، خاصة تلك المرتبطة بالخوف والسرية والاقتلاع، أن تترك آثارًا ممتدة على هوية الإنسان وتطوره العاطفي.
كما أشادت "أبو حمدة" بأسلوب كتابة الرواية؛ حيث قالت إن لغة الكاتب تتميز بالرشاقة والإيجاز، إذ يتجنب المبالغة الدرامية، ويترك التأثير العاطفي يتراكم تدريجيًا لدى القارىء، وأضافت أن الكتابة تأتي حميمية وتأملية لتعكس كيف يمكن للذاكرة أن تشوّه الصدمة أو تحفظها في آن واحد، وذكرت أن الرواية تتخللها موضوعات الخيانة والشعور بالذنب والفقد، خاصة مع إدراك "سليمان" التدريجي لدوره غير المقصود في معاناة أسرته.
وقالت إن الرواية تقدم أيضًا رؤية دقيقة للحياة تحت الحكم السلطوي، دون أن تتحول إلى عمل سياسي مباشر؛ فهي لا تنشغل بالأيديولوجيا بقدر ما ترصد كيف يتسلل الخوف إلى تفاصيل الحياة اليومية، وكيف يعيد تشكيل العلاقات الإنسانية، والصمت، بل وحتى الهوية.
ولم تغفل "أبو حمدة" عن ذكر كيف أبدى أعضاء نادي القراءة الخاص بها والذي يحمل اسم «بنات حواء- Daughters Of Eve» إعجابهم بقدرة "مطر" على نقل الواقع العاطفي للنشأة في مثل هذه الظروف بدقة لافتة، موضحًا كيف تؤثر المجتمعات القمعية على إدراك الأطفال لمفاهيم الثقة والأمان والحقيقة، وهو ما يمنح الرواية قوة إضافية.
وفي الختام، قالت إن رواية «في بلد الرجال» تعد عملًا أدبيًا لافتًا، يحمل طابعًا مؤرقًا وجمالًا لغويًا رفيعًا، ورغم أنها ليست رواية سريعة الإيقاع، فإنها تكافئ القارئ بعمقها العاطفي وتعقيدها الأخلاقي، وذكرت أنها هي خيار جدير بالقراءة لكل من يهتم بالأدب الذي يستكشف الذاكرة والطفولة والقمع السياسي برؤية إنسانية دقيقة ومتأنية.