الصديق الأقدم للإنسان.. كتاب جديد يرصد حضور الكلب في لوحات الفن الغربي عبر العصور - بوابة الشروق
الأحد 10 مايو 2026 12:46 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

الصديق الأقدم للإنسان.. كتاب جديد يرصد حضور الكلب في لوحات الفن الغربي عبر العصور

منى غنيم
نشر في: الإثنين 27 أبريل 2026 - 8:13 م | آخر تحديث: الإثنين 27 أبريل 2026 - 8:13 م

في كتابه الجديد الذي مزج بين التاريخ الثقافي وتحليل الفنون البصرية، قدم المؤرخ الأمريكي توماس لاكيور قراءة ثاقبة لدور الكلب في الفن الغربي، منطلقًا من لحظة إنسانية موغلة في القدم، ليبني عليها أطروحة جمالية وفلسفية متماسكة حول ما يسميه «رؤية الكلب في المشهد الفني».

واستهل الكتاب - الصادر عن دار نشر "بنجوين" بعنوان «نظرة الكلب: تاريخ بصري» - بمشهد يعود إلى ما قبل خمسة وثلاثين ألف عام، في منطقة الأرديش الفرنسية، حيث ترك فنانو العصر الحجري القديم رسومات مذهلة على جدران كهف "شوفيه"، هذه الرسومات، التي تمحورت حول الحيوانات المفترسة الكبرى كالأسود والماموث ووحيد القرن الصوفي، تخلو تمامًا من تصوير الكلاب. ومع ذلك، تكشف أرضية الكهف عن آثار أقدام متجاورة لإنسان وحيوان من فصيلة الكلبيات، يُرجَّح أنهما صبي وكلب، وقفا معًا بعد نحو عشرة آلاف عام من إنجاز تلك الرسوم، يتأملانها بدهشة.

وهذه اللحظة، كما صوّرها "لاكيور"، ليست مجرد واقعة أثرية، بل مشهد تأسيسي لعلاقة فريدة بين نوعين من الكائنات الحية، ومن هنا انطلق ليطرح فكرته المركزية بأن الكلب لم يكن مجرد حيوان، بل أول كائن عبر العتبة الفاصلة بين الطبيعة والثقافة حين عاش في صحبة الإنسان.

ورأى "لاكيور" أن هذا الموقع الوسيط هو ما منح الكلب قدرة رمزية استثنائية في الفن الغربي، فوجوده داخل اللوحة لا يكون مجرد عنصر زخرفي، بل وسيلة لإضفاء طبقات إضافية من المعنى؛ ففي لوحة "بعد ظهر يوم أحد في جزيرة لا جراند جات" للفنان الفرنسي جورج سورا، تظهر الكلاب وهي تبحث عن فتات الطعام، بينما في لوحة "الصيادون في الثلج" للفنان البلجيكي بيتر برويجل الأكبر، تعود الكلاب مع الصيادين في مشهد يومي بارد، وفي كلا العملين لا تكتفي الكلاب بكونها جزءًا من المشهد، بل تفتح بابًا لتأويلات تتجاوز الظاهر.

وركز الكتاب بشكل خاص على اللحظات التي انخرط فيها الكلب في فعل النظر، حيث ميز المؤلف بين حالتين أساسيتين: إما أن يتطلع الكلب إلى داخل المشهد كأنه يحاول فهم ما يجري، أو أن يلتفت إلى خارج اللوحة نحو المشاهد في إيماءة تحمل تساؤلًا أو حتى شكًا، نقلًا عن صحيفة الجارديان.

وقدم مثالًا بارزًا من لوحة الوصيفات للفنان الإسباني دييجو فيلاسكيز، حيث يرقد كلب ضخم في أسفل يمين اللوحة داخل بلاط الملك فيليب الرابع، وفي خضم التعقيد البصري للمشهد من وصيفات يعتنين بالأميرة إلى ظهور الملك والملكة في المرآة وحتى إدراج الفنان نفسه، يؤدي الكلب دورًا مغايرًا بنظرته الثقيلة الجفون الموجهة نحو المشاهد، وهي نظرة تحمل قدرًا من اللامبالاة المشوبة بالسخرية وكأنها تهمس بعدم الانخداع بكل هذه الحيل البصرية.

ورغم الكم الهائل من الدراسات التي تناولت هذه اللوحة على مدار قرون، ظل هذا الكلب مهمَلًا إلى حد كبير، باستثناء قراءة لافتة للفنان الإسباني بابلو بيكاسو الذي أعاد تخيل العمل عام 1957، مستبدلًا الكلب الأصلي بكلبه «لومب»، حيث يتحول الكلب إلى عنصر ساخر بنظرة جريئة تتحدى المشاهد في عالم تكعيبي يفتقر إلى الاستقرار الدلالي.

كما نجح المؤلف عبر صفحات الكتاب في ترسيخ فكرته الأساسية بأن الكلب في الفن الغربي يعمل كوسيط أو بديل ذاتي للمشاهد؛ ففي لوحة "عرس قانا الجليل" للفنان الإيطالي باولو فيرونيزي تظهر ستة كلاب داخل المشهد، بعضها يتابع الحدث المعجز بخشوع بينما ينشغل كلب صغير في زاوية اللوحة بفتات الطعام، وهو تفصيل يسمح للمشاهد بأن يجد لنفسه موضعًا داخل مشهد مقدس رغم انشغالاته الدنيوية. لكن هذا الحضور لم يكن دائمًا مقبولًا، فعندما حاول "فيرونيزي" إدخال كلب في تفسيره للعشاء الأخير تعرّض لاتهام بالهرطقة من قبل محاكم التفتيش، غير أنه لم يتراجع بل غيّر عنوان العمل إلى "الوليمة في بيت ليفي" محتفظًا بالكلب داخل اللوحة في إصرار يكشف عن وعي عميق بوظيفة هذا الحيوان في التكوين الفني.

وفي الختام، فقد قدم الكتاب في مجمله رؤية ذكية ومتماسكة تنجح في إعادة الاعتبار لتفصيل بصري طالما جرى تجاهله، إذ لم يكتفي المؤلف بتتبع حضور الكلب عبر تاريخ الفن، بل منحه دورًا تأويليًا مركزيًا يجعله مفتاحًا لفهم العلاقة بين المشاهد والعمل الفني، وهي مقاربة مدعومة بأمثلة بصرية غنية تمنح الكتاب عمقًا يتجاوز الطابع التوثيقي إلى تحليل ثقافي وفلسفي دقيق، ليخرج القارئ في النهاية بانطباع واضح مفاده أن الكلب في اللوحة ليس مجرد كائن عابر، بل عين أخرى تنظر وأحيانًا تفهم نيابة عنا.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك