محمد رسول الحرية.. عبد الرحمن الشرقاوي يقرأ سيرة محمد الإنسان قبل النبي - بوابة الشروق
الثلاثاء 3 مارس 2026 7:34 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

محمد رسول الحرية.. عبد الرحمن الشرقاوي يقرأ سيرة محمد الإنسان قبل النبي

محمود عماد
نشر في: السبت 28 فبراير 2026 - 8:39 م | آخر تحديث: السبت 28 فبراير 2026 - 8:39 م

لطالما شغلت السيرة النبوية الشريفة الكتاب والمؤرخين عبر التاريخ الإسلامي، من العصور المبكرة التي سعت إلى التأريخ للسيرة، مرورا بالعصر الحديث والمعاصر. وفي شهر رمضان الكريم تتجه أنظار القراء والمهتمين إلى الكتابات التي تناولت سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

تزخر المكتبة العربية بالعديد من الكتابات عن السيرة، وبالعديد من الكتاب الذين اهتموا بسيرة الرسول، ووسط تلك الكتابات يبرز كتاب "محمد رسول الحرية" للكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي، والصادر عن دار الشروق.

إن كثرة ما كتب عن السيرة النبوية، وكثرة الكتاب الذين تصدوا لها، تجعل الكتابة عنها ليست بالأمر السهل، وهذا تماما ما يعترف به عبد الرحمن الشرقاوي، الكاتب الموسوعي، الذي يقر بأنه لن يكتب السيرة كما كتبها غيره، ولكنه سيكتب سيرة محمد الرجل، وليس فقط النبي؛ لأنه يقدم هذا الكتاب ليس لمن يعرفون الرسول، ولكن لمن لا يعرفونه في بلاد وثقافات أخرى.

هذا الاتفاق الأولي بين عبد الرحمن الشرقاوي والقراء ومتلقّي الكتاب يؤكد أننا أمام معالجة مختلفة للسيرة النبوية؛ معالجة تقوم بالأساس على أنسنة حياة النبي محمد، أو يمكننا القول بشكل أدق إنه يركز بصورة أكبر على الجانب الإنساني في حياة الرسول، ليقدمه إنسانا قبل كل شيء.

هذا بالطبع لم يعجب الكثيرين عندما بدأ الشرقاوي نشر أجزاء من الكتاب في حلقات مسلسلة في الصحافة، وهو الهجوم الذي يتحدث عنه الكاتب في مقدمة الكتاب، موضحا منطلقه في التناول، وهو من الأسباب التي جعلته يكتب المقدمة شارحا الطريقة التي سيتناول بها السيرة النبوية الشريفة.

يسير عبد الرحمن الشرقاوي في طريق مغاير لكل من كتبوا عن السيرة قبلا، وذلك عبر اختياره أن يتناولها في قالب أدبي يغلب عليه السرد الروائي لا السرد التاريخي الجاف؛ فالشرقاوي لا يكتفي بعرض الوقائع والأحداث فحسب، وإنما يحول حياة النبي محمد إلى رواية مكتملة الأركان.

هذه الرواية لها بطل، هو الرسول محمد، ويحوّله الكاتب إلى شخصية روائية يؤسس لها من قبل ميلادها، حيث تبدأ أحداث التناول من حياة عبد الله بن عبد المطلب، والد النبي، فتبدأ رحلتنا من سيرة الأب.

يأخذنا الكاتب لنلقي نظرة على أحوال الجزيرة العربية قبيل بداية الدعوة الإسلامية، في محاولة لتتبع ملامح ذلك المجتمع الذي احتاج إلى الدين الإسلامي، وكان ظهور النبي محمد فيه ضرورة لا رفاهية.

في كل فصل يبدأ الشرقاوي بخطاف سردي يشدنا، ويلقي بنا داخل المجتمع الجاهلي، في محاولة لخلق رؤية بانورامية موسعة لذلك المجتمع العربي.

بداية السرد تعرض علينا كيف نجا عبد الله بن عبد المطلب، والد الرسول، من الذبح فداء لنذر أبيه عبد المطلب، الذي كان من سادة قريش.

يضعنا هذا المشهد أمام حقيقة ذلك المجتمع الذي يمكن أن يضحي بأبنائه قربانًا للآلهة الحجرية التي لا ترى ولا تسمع ولا تغني ولا تفعل شيئًا.

تؤسس هذه الافتتاحية حالة من المعايشة ونقدا لمجتمع الجزيرة العربية بشكل عام، ومجتمع مكة بشكل خاص، وربما يكون هذا من أهم ما في الكتاب.

من خلال عبد الله، والد الرسول، الذي يموت بعيدا عن وطنه وأسرته وزوجته الحامل، لاضطراره إلى الذهاب في رحلة تجارة يستطيع الكسب منها، يمكننا الشعور بأن هذا المجتمع كان يعاني خللا واضحا؛ حيث ينعم المرابون والسادة بالمال والجاه، في مقابل أناس فقراء كتب عليهم الشقاء، حتى لو كانوا أصحاب نسب مثل عبد الله.

تطرق الكاتب إلى ميلاد النبي محمد وطفولته بشكل غير كلاشيهي على الإطلاق، بل بنوع من التجديد، حيث ارتبط ميلاد الرسول ونشأته، ثم فترة شبابه وحتى زواجه، بمحاولة عرض تلك المرحلة التي تمتلئ بالفساد والغش والبغاء، وكيف تعارضت أخلاق النبي مع كل هذا، وكيف استطاع التمسك بأخلاقه الحميدة، وكيف—رغم كل الفساد الذي كان يستشري في مكة—احترمه أهلها وقدّروه.

في هذه الجزئية أيضا نرى اختلاط مكة وبعض أهلها بالديانة اليهودية والمسيحية، ونرى بعض الباحثين عن الحقيقة والرافضين لممارسات قريش السيئة، مثل ورقة بن نوفل وغيره، الذين نبذتهم قريش، وحاربتهم، رغم أنهم لم يكونوا أصحاب دعوة شاملة، ولكن قريش خافت على مصالحها من كل دعوة جديدة.

يحاول عبد الرحمن الشرقاوي أن يضعنا أمام حقيقة أن مكة وشبه الجزيرة العربية كلها كانت في حاجة ماسة إلى ثورة كاملة لتغيير الأوضاع غير السوية فيها؛ لذلك كانت مهيأة بالفعل لحركة واسعة، وتمثلت تلك الثورة في دعوة الإسلام.

كما يعدد صفات النبي الكريم ليرينا أنه لم يصبح كذلك فقط لكونه نبيا، بل إن هذه الصفات كانت متجذرة فيه؛ صفات مثل الأمانة والصدق وغيرها من الصفات النبيلة النابعة من كونه إنسانا بالدرجة الأولى، والتي هيأته ليصبح الرسول خاتم المرسلين.

لا يقتصر العمل على السرد التاريخي فحسب، بل يغوص في الأبعاد الشعورية والإنسانية التي مر بها النبي، موضحًا حجم المعاناة التي واجهها في سبيل نشر دعوته.

يكشف الشرقاوي كيف تحمل النبي الجوع، وكيف اشتد عليه المرض، وكيف واجه تحدياته مع زوجاته، حيث كانت الغيرة تنهش قلوبهن، إلى جانب حزنه العميق لفقد ابنه ودفنه بيديه.

يبرز الكتاب الجانب الإنساني للنبي بعيدا عن التقديس المجرد، حيث يصوره قائدا وزوجا وأبا وصديقا، يحمل بين ضلوعه آلامًا وأحزانا، لكنه لم يتوقف يوما عن أداء رسالته.

ويتجلى ذلك في المشهد الأيقوني حين دخل مكة فاتحا، وهو يفتقد بشدة وجود السيدة خديجة بجواره، رفيقة دربه وأقرب الناس إلى قلبه.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك