اليوم السادس.. عن وباء الكوليرا الذى ضرب مصر فى الأربعينيات 1947 - بوابة الشروق
السبت 6 يونيو 2020 7:41 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

أنت فى القاهرة آمنة مطمئنة.. فلماذا تذهبين هناك؟:

اليوم السادس.. عن وباء الكوليرا الذى ضرب مصر فى الأربعينيات 1947

كتب ــ عبدالله محمد:
نشر فى : السبت 28 مارس 2020 - 11:26 ص | آخر تحديث : السبت 28 مارس 2020 - 11:26 ص

مع تقدم القرن الحادى والعشرين، نجد أنفسنا فى عالم يهدده المرض، حيث «آلاف الصدمات الطبيعية التى تصيب الجسد» ــ كما قال وليم شكسبير فى مسرحيته «هاملت» وقت انتشار وباء الطاعون. واكتسى الكوكب حاليا بوباء أغرق العالم كله بكساء أشبه بمادة لا ترى فقط كل ما نعرفه أن اسمه «كوفيدــ19»، وكل ما عليك هو أن تمكث فى البيت لمدة 14 يوما، حتى تتقلص العدوى ولا ينتشر فيروس كورونا.
أعمال أدبية كثيرة تحدثت عن الأوبئة وتأثيرها الإنسانى على حال البشر وتحركاتهم وآمالهم، ومنها رواية اليوم السادس لأندريه شديد، والتى تبدأ بمقولة أفلاطون فى محاورة جورجياس: «استمع.. ستظن أن هذه أسطورة، ولكنها فى رأيى رواية منقولة: فاستمع إلى ما سأتلوه عليك على أنه حقيقة».

وهنا فى اليوم السادس وهى رمزية واضحة عن مدة الصمود التى يتحملها الجسم فإما يحيى أو يموت وهى أيضا ست أيام بالتمام والكمال بين صمود البطلة وتمسكها بالأمل ورمزية القدر.

رواية اليوم السادس رواية فرنسية تنتمى لأدب الرمزيات، تحولت لفيلم شهير للمخرج الكبير يوسف شاهين بطولة داليدا، صدرت الرواية للمرة الأولى عام 1960 ولا تزال تطبع ليومنا هذا، فهى تمثله بحرفية عالية، فمن أين تنطلق بنا، وهى تحكى عن وباء الكوليرا الذى ضرب مصر فى الأربعينيات 1947، وهى رواية عن الحب والحياة، ويغلفها التفلسف العميق المجازى والرمزى معا، ستحكى لنا أندرية شديد الكاتبة الروائية الفرنسية (من أصول مصرية/ لبنانية) بترجمة حمادة إبراهيم، عن صدّيقة جدة حسن الطفل الصغير والتى تدعى أم حسن، والتى تؤمن إيمانا قاطعا أن «هناك أملا وسيشفى حسن لا محال فى ستة أيام» تؤمن بذلك وتؤمن من أنه سيشفى من الكوليرا وسيكون بمثابة البعث الجديد.
الرواية تدون رحلة الكوليرا فى مصر، ولقد شهد العالم سبع مراحل من انتشار وباء الكوليرا على مدى نحو 150 عاما، وفى محاضرة نادرة تعود لعام 1948 نشرتها وزارة المعارف، والتى نشرتها مؤخرا بوابة الأهرام، للدكتور سيف النصر أبو ستيت، عن تاريخ الأوبئة فى مصر وخاصة وباء الكوليرا، يؤكد فيها أن الوباء وفد لمصر عام 1831 أدى لوفاة الكثير من المواطنين، حيث ضربت الكوليرا مصر عشر مرات فى تاريخها الحديث أعوام 1831و1834 و1850و1855و1865و1883و1895و1902و1947م.

تنطق الكلمات الأولى متنفسة من أرض مصر أو كما تسميها أندريه «الأرض الحبيبة» حيث أم حسن تنظر ناحية قريتها، فهى تجسد حالة من الحب والإيمان بالحياة والأمل فى المستقبل:« أنت فى القاهرة آمنة مطمئنة، فلماذا تذهبين هناك؟.. إن الكوليرا فى الأرياف قد صالت وجالت.. وإن ما ستشاهدينه لن يكون مثار بهجة بالنسبة لك».
صالح ابن اختها يخبر أم حسن «صدّيقة» بأن الأرض ما عادت تصلح للأحياء فى تعبير عن تفشى مرض الكوليرا: «بوسعك أن تعودى من حيث أتيت، لقد وصلت بعد فوات الأوان. بعد فوات الأوان؟ لم يعد هنا لاستقبالك سوى الأموات».
فهذه الزيارة التى ذهبت من خلالها إلى قريتها التى فتكت بها الكوليرا بعد ما فات الأوان، لتجد عزاء منتظرها اختها قد توفت: «وتقدمت المرأة فى بطء باحثة عن جثة أختها، وابتعد أبناء أختها جميعا مرة واحدة فإذا بها فجأة وجها لوجه أمام الميتة، وكاد طرف خذائها أن يمس باطن القدمين العاريتين».

صدّيقة المرأة المصرية بكل معانى الكلمة، «الذى يقرأ لأندرية شديد يبهره حسها المصرى الصميم. وإدراكها التام لأشكال الحياة فى المدينة والريف.. ورغم أن حضورها إلى مصر لا يتجاوز الأسبوع، فإن عينيها وأذنيها وقلبها على مصر.. فيهى تتوجه وحدها وخسرنا بذلك قلبا يدق وعقلا يبدع فلم نترجم إلا كتابين لها: اليوم السادس وإخناتون، وبعض القصائد التى ظهرت فى بعض المجلات بعض الوقت وكأننا لم نفعل» ــ هكذا عبر أنيس منصور فى كتابه «فى انتظار المعجزة».
«لقد أحرقوا ديارنا، بسبب العدوى، إن رجال الإسعاف يجيئون ويشعلون النيران... وأنت ألستِ بخائفة؟
ومرة واحدة اصطبغت السماء بالنور... ولم يبق أصبع من الظل على سطح القشرة الزرقاء «الشمس التى تخرج وردية تماما من الجبل الوردي» لقد عاودها اللحن القديم، هذه المرة، كئيبا.. أكثر كآبة من أية مرثية».
أثناء دفن أختها يشير صالح بعيدا فى التراس المتكدس فى اشارة لمن دفنوا هناك، ثم يسألها عن الغلام، قائلة: «لقد تركته عند معلم المدرسة»، وحين سألها عن العم سعيد، أجابت بأنه لم يعد بوسعة أن يتحرك، وأن يعقوب النجار الذى يسكن جارهم سيتولى أمره عند غياب صدّيقة.

حسن الذى يمثل الإنسان بكل ما فيه من ضعف لم يتجاوز بعد السابعة من عمره، آماله متعلقة بمدرس المدرسة الذى يريد أن يصبح مثله حين يكبر. ليؤول وضع هذا المعلم، وأثناء عدم وجود سيارة أسعاف تسعف المعلم تبرر أم حسن بكلام يدل على أنها ستقوم بعلاجه هو والطفل، وستخفى عن الناس ولن يعلم أحد شيئا، لينفجر فيها قائلا بمعاناة: «أنت مجنونة، مجنونة!».
«هل تعلمين أنك بجهلك يمكن أن تكونى سببا فى مصائب كبرى؟».
ويذهب المدرس فى عربة إسعاف بعدما ذهب بالقرب من نقطة التقاء، قالوا إن بعد ستة أيام يعود المريض بصحة وعافية، وفى اليوم المشهود انتظر حسن والعجوز على درج سلم المدرسة إلا أن الانتظار كان ضريبة ممتدة، ودون أن يعترف كل منهما لصاحبه أعرضا معا عن التعلق بالأمل.
هى تلعب لعبة التمسك والتخلى معتزة باختياراتها، امراة قوية ولكن ما جدوى ذلك حين تجد نفسها فى مواجهة القدر المتمثل فى الكوليرا، وحدها، فى حين أن حسن حفيدها وأملها الوحيد يعصف به ريح الوباء الجارف.
أصيب بالوباء هنا تحاول الجدة بشتى الطرق أن تعالجه وتحاول مرارا كما قلنا فهى المتمسكة بالأمل والحياة، فاليوم السادس رمز على أن مريض الكوليرا إذا مر عليه ستة أيام مع توفير أساليب الرعاية اللازمة فمن الممكن أن يكتب له عمر ويضمن له الشفاء، فإما يكون يوم الخلاص أو يوم البعث، فتحاول الجده صدّيقة الذهاب بحسن إلى شاطئ البحر فى محاولة لنجاته فتبعد عن المدينة إلى الهدوء والسيكنة.
إن أندريه شديد التى عرفناها كشاعرة عظيمة تعزف لنا فى هذه الصفحات تنبض بمرثية مدونة لحقبة تاريخة مهمة بالنسبة للقاهرة حين ضربها كما ذكرنا الكوليرا، ولكن على الرغم من أن حسن سيموت إلا أن هذه حادثة فى التاريخ مهمة كما نراها الآن تعصف بالكثير مثل فيروس كورونا الذى نسمع فى كل يوم عن وفاة أعداد جديدة فى بلاد مختلفة من العالم.
السؤال هل تنغلق صدّيقة فى المدينة مع الخنق الذى تعيشه أم تفر، لتكون الاجابة هى الفرار من أجل أن تولد حياة.
صدّيقة الصورة القوية العنيدة للأم المصرية التى لا تترك حفيدها أو ولدها، لأى مرض لا تبالى، تتنفس بجرعات من الألم معه وتشعر به دونما أى مبالاة لما هو عليه، رغم الوباء الجارف والذى لا يفرق بين إخلاص أم وحبها لحفيدها، فهذا هو قلب الأم تجاه ولدها، فهى القوية التى تمد المحيط بكل القوة اللازمة ولو كانت حتى تشعر بالخوف.
تحكى لنا الكاتبة التى عايشت تلك الفترة التاريخية الأليمة وهذه الوقائع لقد رأت الكثير مثل صدّيقة، يجولون أمامها فى محيط شعبى مليء بالنساء المكافحات، أمثالها.
ولكنها الآن تواجه الموت، تعتقد أن صلابتها وقدرتها على الاختيار لا تزال قائمة، يقول لها حسن:
ــ «سأموت.. هذه هى الحقيقة.
فتجيب
ــ ليست هذه الحقيقة».
صوت الأمل المفعم بحب الحياة ينبض بـمستقبل مشرق:
«لا تتكلم، لا تتحرك فأنا أتكلم وأتحرك بالنيابة عنك
ولكن استمع لى: إننى أقول لك إنك ستشفى
إن اليوم السادس موجود
اليوم السادس يقترب
يوم ثم يوم آخر ويتم كل شىء»

نهاية الحكاية غير متوقعة فبرغم كل هذا الأمل الذى كان يملأ قلب صديقة لم تحمل الخلاص الذى كانت تنتظره فى اليوم السادس، فقد توفى الطفل، ولكن مع ذلك حملت تصالحا بين كل من على المركب، أوكازيون بينتشويته وأبو نواس بعدميته وصديقة التى لا يبقى فى حياتها الكثير الآن. الكل أصر على أن الطفل حى، بحيث كونه موجودا فى كل مكان، فيقول أوكازيون: «أنت التى على حق، يا أم حسن فطفلك حى.. كان يقف برهة بعد كل جملة حتى تحد الكلمات الوقت الكافى للتسرب».
ويعلق دسوقى قائلا: «لقد منحته آخر أنفاسك يا أم حسن، فهو حي!»
وتنهتى القصة بصدق الحالة النفسية والسكية التى آلت لها صدّيقة: «وإذا بابتسامة ترتسم على ثغرها، إنها تسمع أصواتهم. وتسيل أنهار هائلة، وتستسلم أم حسن للتيار يحملها فى وداعة. إن الغلام موجود فى كل مكان، إنه كائن، بالقرب منها، وأمامها، وفى صوت هؤلاء الرجال وفى قلوبهم. إنه لم يمت».
لتنهى الحكاية بتنهيدة تقول فيها الحياة، البحر.. وأخيرا البحر.
يذكر أن أندريه شديد حصلت على الكثير من الجوائز الأدبية أبرزها النسر الذهبى للشعر عام 1972 وجائزة جونكور للرواية عام 1979 عن كتابها «الجسد والزمن».. وقد منحت وسام الشرف الفرنسى، وتوفت عام 2011 الشاعرة والروائية الفرنسية اندريه شديد، وهى من أصل مصرى، عن عمر يناهز 90 عاما.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك