حلّ مشروع «أرواح في المدينة» للكاتب الصحفي محمود التميمي ضيفًا على محور المؤسسات الثقافية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، من خلال ندوة خُصصت للحديث عن شخصية المعرض الكاتب العالمي نجيب محفوظ، في إطار استعادة حضوره الإنساني والإبداعي داخل المدينة التي شكّلت عالمه الروائي الأوسع.
وقال التميمي إن مشروعه الجديد، الذي يحمل اسم «مسارات»، تم إطلاقه منذ أكثر من عام، ويهدف إلى ربط الكُتّاب والفنانين بالأماكن التي عاشوا فيها وتأثروا بها، باعتبار المكان عنصرًا أساسيًا في تشكيل الوعي والإبداع، مشيرًا إلى أن من بين هذه المسارات مسار نجيب محفوظ، الذي جرى تتبعه عبر تمشية يومية على النيل تبدأ من منزله في العجوزة وصولًا إلى مقهى «علي بابا» بميدان التحرير، في محاكاة للمسار الذي كان يقطعه كل صباح، بوصفه طقسًا يوميًا ثابتًا في حياة أديب نوبل.
وخلال الندوة، مرّ التميمي على محطات متعددة من حياة نجيب محفوظ، متوقفًا عند البدايات الأولى لمشروعه الأدبي، حيث تناول أولى مجموعاته القصصية «همس الجنون»، التي انشغلت بالعالم السفلي، معتبرًا أن محفوظ جمع في كتابته بين الحس الفلسفي والموهبة السردية، في صيغة خاصة ميّزته عن أبناء جيله.
وتوقف التميمي عند أول رواية كتبها محفوظ، وهي «عبث الأقدار» الصادرة عام 1939، والتي نُشرت في مجلة «المجلة الجديدة» برئاسة الكاتب سلامة موسى، موضحًا أن الرواية حملت في البداية اسم «خوفو»، قبل أن يتم تغييره إلى «عبث الأقدار»، وهو عنوان واجه هجومًا في حينه، ثم صدرت لاحقًا في نسخة ميسرة عن دار الشروق عام 1989 بعنوان «عجائب الأقدار».
وقال التميمي إنه اختار أن يبدأ حديثه من لحظة فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، باعتبارها محطة مفصلية في تاريخ الأدب العربي، مشيرًا إلى أن محفوظ تبرع بقيمة الجائزة، ولم يحتفظ سوى بثلثها فقط، في دلالة على علاقته الخاصة بالمال وموقفه الأخلاقي من الجائزة.
وخلال الندوة، عُرض فيلم تسجيلي عن نجيب محفوظ، ناقش التميمي من خلاله تأثر «أديب نوبل» بالحارة المصرية وعالم الفتوات، بوصفهما عنصرين مركزيين في بناء عالمه الروائي، وصولًا إلى التحول الذي طرأ على المجتمع المصري حين بدأ الشباب في مقاومة الاحتلال الإنجليزي بدلًا من الانشغال بصراعات الحارات، متناولًا تطور الطبقات الاجتماعية في مصر كما قدمها محفوظ عبر أعماله الروائية، وصولًا إلى رواية «الحب فوق هضبة الهرم».
وتطرق التميمي إلى حديث محفوظ عن سنوات دراسته، حين أشار إلى أن مدرسته كانت تضم فريقًا مسرحيًا وآخر للشعر، وأن الطلاب كانوا يشاركون ويتعلمون في ظل أجواء ثورة شعبية مؤثرة، مؤكدًا أن إيمان المصريين آنذاك بالمبادرات الفردية أسهم في إنتاج جيل من المثقفين والفنانين، ربما لن يتكرر بنفس الزخم.
وأضاف أن نجيب محفوظ تأثر بالحضارة الفرعونية، خاصة بعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، الذي شكّل حدثًا فارقًا في نظرة الغرب إلى الحضارة المصرية القديمة، وترك أثره الواضح على عدد من أعماله ذات الطابع التاريخي.
وأشار التميمي إلى سؤال وُجّه لمحفوظ عام 1983 حول أسباب عدم وصول الأدب العربي إلى العالمية، فأجاب بأن هناك شرطين أساسيين: «الكاتب الأصيل والقارئ الواعي»، مؤكدًا ضرورة الاهتمام بالأدب المحلي قبل التفكير في العالمية.
وقارن التميمي بين شخصية «الست أمينة» في ثلاثية نجيب محفوظ، وشخصية شريفة رياض التي تحدّت ونجت وكرومر، معتبرًا أن «أمينة» لم تكن النموذج الوحيد للمرأة المصرية في مطلع القرن العشرين، بل كانت هناك نماذج أخرى مثقفة ومناضلة، غابت أحيانًا عن الصورة النمطية التي رسّختها بعض القراءات.