رحل عنا فى بداية شهر يوليو هذا العام، مخرج المسرح العالمى بيتر بروك عن 97 عاما. وحتى النهاية، سعى دائما نحو معرفة الذات والتوافق مع النفس، مع الإيمان بضرورة الدفاع عن الحرية والتسامح وبذل المجهود، حتى لو كان شاقا للرقى بالمستوى الروحى والجسدى والعاطفى والفكرى، ولذا اهتم كثيرا بالمدارس الصوفية بتنوع مصادرها. ودَّ بيتر بروك لو ساعد مشاهدى أعماله على التفكير والمشاركة الإيجابية الذكية بالفهم، للوصول إلى درجة من الإنسانية أكثر رحابة وكمالا، عبر طريقته المتأثرة بمزج الثقافات والحضارات والأساطير والفنون الشعبية وأيضا الموسيقى والباليه والرقص. وعن النصوص المسرحية العديدة التى اختارها منذ بدايته المبكرة، اعتمد فى إخراجها على تداول النصوص بطرق إلقاء بسيطة، معتمدا على ابتكاراته، وعلى براعة تجسيد الممثلين، دون اهتمام بالديكورات، فالمسرح الذى كان يفضله، هو حسب قوله: «الفضاء الفارغ، لإطلاق سيل من الرؤى فى أذهان الجمهور».
وقد رفض أن يلقب بالمعلم أو «الجورو»، مفضلا أن يُعتبر فقط، رجل مسرح ومجربا.
ولد بروك عام 1925 ومنذ عام 1945 كان مهتما بالمسرح الطليعى وأخرج مسرحيات لجان كوكتو، وجان بول سارتر، وجان انوى، وآرثر ميلر، وجان جانيه، وبيتر فايس، لكنه فى الوقت نفسه لم يتوقف عن اهتمامه الشديد بمسرح وليام شكسبير. فقد رآه دائما كمنبع لا ينضب للابتكار. ولم يكن بروك مهتما فقط بالمسرح، فقد كانت الأوبرا والأفلام السينمائية من ضمن الغزير من إنتاجه الفنى. فى عام 1953 أخرج فيلما عن الملك لير لشكسبير، وقام بالدور الرئيسى الممثل والمخرج الفز أورسون ويلز. كما أخرج فيلما فى عام 1960 عن رواية «موديراتو كانتابيل» للمؤلفة الفرنسية مارجريت دورا، وقام ببطولة الفيلم وقتها جان بول بولموندو وجان مورو. وفى عام 1967 أخرج الفيلم الرائع «مارا صاد» المعتمد على مسرحية من تأليف بيتر فايس المؤلف الألمانى والمنشورة عام 1963، وفيها يتم قتل الثورى جان بول مارا الطبيب والمنظر السياسى أثناء الثورة الفرنسية على يد شارلوت كورديه. ليس فى منزله كما فى الحقيقة، ولكن فى المسرحية وسط نزلاء مصحة شارنتون للأمراض العقلية تحت إشراف الماركيز دى ساد. والمسرحية تتناول خيبة الأمل التى مر بها الكثير من الثوريين الذين قاموا بالثورة الفرنسية، وخاصة بعد أن ركبتها التحالفات بين البرجوازية الصغيرة، وأصحاب الأموال، وذلك وسط مناقشات حادة بين الثورى جان بول مارا، والليبرالى العدمى الماركيز دى ساد.
وفى عام 1979 أخرج فيلم «لقاء مع رجال مهمين» عن كتاب للفيلسوف والمعلم والمرشد الروحى والنفسى الروسى جورج جوردجييف والذى تأثر به بيتر بروك وبمدرسته الفلسفية المهتمة بممارسات فكرية وجسدية فيما يجمع بين الرقص واليوجا والتمارين الذهنية والرياضية. وفى هذا الكتاب كما فى الفيلم هنالك جزء عن زيارة البطل لمصر والتقائه ببعض المرشدين الروحانيين وتعلمه منهم بعض الأسرار الكونية.
ومن ضمن ما ترك بيتر بروك الكتاب الهام «المساحة الفارغة» الذى نشره سنة 1969 للمهتمين بالمسرح، وفى الكتاب يؤكد على عدم أهمية الديكورات فالممثل مسئول عن ملء فراغ المسرح الذى بدوره قد يكون أى مكان كاف لضم الممثلين والمتفرجين. ويتناول الكتاب أيضا المشكلات المعمارية للمساحات والفراغات المسرحية، وقد ترجم المترجم القدير الناقد فاروق عبدالقادر الكتاب إلى اللغة العربية ونشر ضمن سلسلة مجلة الهلال عام 1986، كما نشر الناقد والمترجم فاروق عبدالقادر كتاب بيتر بروك «النقطة المتحولة» سنة 1991 عبر سلسلة عالم المعرفة الكويتية: العدد 154. ويقول بيتر بروك عن وظيفة المخرج فى هذا الكتاب: «المخرج موجود كى يضع العناصر المتعددة طوع إرادته، الأضواء والألوان والأزياء والماكياج إلى جانب النص والأداء ثم يلعب عليها جميعا كما لو كانت لوحة مفاتيح. وهذا مفهوم المسرح الشامل المبنى على ثلاثة مرتكزات أساسية النص والممثل والجمهور، ولكن المخرج هو العنصر الفعال لأنه يحول النص الإبداعى الأدبى المقروء إلى نص سينوغرافى».
وينبع تجديد بروك الأساسى فى توسيع الفضاء المسرحى بإدخال الأشكال المسرحية الأفريقية والشرقية، وقد استعار عناصر أدائية من ثقافات مختلفة فى سعيه لتطوير فن المسرح الغربى بالاستعانة بعدد من الممثلين مثل يوشى أودا من اليابان، وأكرم خان بريطانى من أصل بنغالى، وسوتيجوى كوياتى من مالى، إذ سعى بروك نحو تخليص الدراما من الكلام السردى لتعتمد على الفعل الدرامى والاستفادة من الفنون الأخرى، متبنيا نظريات المسرح التجريبى لمبدعين مثل انتونين أرتود، جروتوفسكى، بريخت، مايرهولد، وغيرهم. وفى عام 2005 قدم مسرحية «تيرنو بوكار» التى تحمل اسم المتصوف المالى 1875 ـ 1939 الذى قضى حياته معلما رسالة التسامح الدينى.
وقد طبق بروك نظريته فى إمكانية تقديم العروض المسرحية خارج قاعات المسرح التقليدية حيث قدم عروضا مسرحية فى الفضاءات المفتوحة كما فى محجر بلبون بالقرب من مدينة أفينيون فى فرنسا، أو فوق الرمال فى الدول الأفريقية، ولذا حين اشترى مسرح البوف دى نورد فى شمال باريس عام 1971 حيث أسس «المركز الدولى للبحوث المسرحية»، جدد المسرح القديم الذ كان قد أهمل تماما، ولكنه احتفظ بالجدران العالية للمسرح متحررا من الديكورات التقليدية.
وتعد «مهابهاراتا» من أشهر أعمال بيتر بروك، وهى ملحمة مدتها 9 ساعات من الأساطير الهندوسية، من إعداد الكاتب الفرنسى المشهور جان كلود كاريير، وقدمها للمرة الأولى عام 1985 فى مهرجان أفنيون الشهير للمسرح فى محجر بلبون، وقد اقتبست للسينما عام 1989. وقد قدمت المسرحية بالعديد من دول العالم واستمر تقديمها لمدة نحو 4 سنوات. وضم العرض فى أفينيون 21 ممثلا من 16 دولة. وتقوم المسرحية الملحمية على الصراع بين مجموعتين من أولاد العم والحروب الدامية بينهما مع العديد من القصص الجانبية والحكم. والخط الأساسى هو «الواجب المقدس»، إذ على كل إنسان إتمام واجبه الدينى بالخضوع للدور الذى كُتب عليه لعبه أثناء الحياة، بميلاده فى مجموعة أو طبقة معينة، ومكافأة من قام بدوره جيدا، وعقاب المخالفين. وتعتبر المهابهاراتا أطول ملحمة فى تاريخ البشرية إذ يزيد عدد أبياتها عن 74000 بيت، وهى من المصادر الأساسية لتطور الديانة الهندوسية. ومن الناحية الأخرى ترمز الملحمة بشخصياتها المتعددة إلى النواحى المتعددة للضمير الإنسانى، وأيضا عن قسوة وضراوة الحروب التى مازالت إلى الآن تبيد وتشرد الكثير من أجل السلطة والجاه والثراء وحلم إعادة أمجاد الأولين من الملوك والأباطرة.