استضافت القاعة الرئيسية، اليوم، ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، ندوة بعنوان «نجيب محفوظ والتراث الإنساني... الروافد الغربية والتراثية في تكوين محفوظ»، وذلك ضمن محور «شخصية المعرض».
شارك في الندوة كل من الدكتور صالح هويدي، أستاذ النقد والنظرية الأدبية المشارك، والكاتبة والروائية منصورة عز الدين، والدكتورة هدى الشامسي، رئيس قسم المتطلبات الأكاديمية العامة بكليات التقنية العليا، فيما أدار اللقاء الدكتور سيد ضيف الله، أستاذ النقد بأكاديمية الفنون.
وفي مستهل الندوة، قال الدكتور سيد ضيف الله إنه قابل أكثر من مرة تساؤلات حول اختيار نجيب محفوظ شخصيةً لمعرض الكتاب، رغم تكرار الاحتفاء به على مدار سنوات طويلة، مؤكدًا أنه، على الرغم من كثرة الدراسات التي تناولت تجربته الإبداعية، لم يُقدَّم له ما يستحقه حتى الآن، ولم يُوفَ حقه كاملًا.
وأضاف أن جائزة نوبل تشرفت بنجيب محفوظ، وأنه منحها الشرف وليس العكس، داعيًا إلى إنشاء معهد متخصص لدراسات نجيب محفوظ النقدية، معتبرًا أن أكاديمية الفنون هي المكان الأنسب لاحتضان هذا المشروع.
من جانبه، رحب الدكتور صالح هويدي بالحضور، ووجّه الشكر لوزارة الثقافة على دعوتها الكريمة، مؤكدًا أن عنوان الندوة جاء موفقًا وعبقريًا، إذ لا يوجد روائي عظيم إلا ووُصف بأن تراثه إنساني. وأشار إلى أن بعض النقاد لم يطلقوا على محفوظ صفة «الروائي العالمي» إلا بعد حصوله على جائزة نوبل، وكأنهم لم يدركوا عالمية منجزه قبلها، رغم أنها حقيقة واضحة.
وتوقف هويدي عند الجدل الذي أثير بعد فوز محفوظ بالجائزة، بشأن وجود كتاب عرب آخرين كانوا أولى بها، قائلًا إنه حتى لو افترضنا جدلًا أن بعضهم في مستوى نجيب محفوظ، فإن هناك عوامل عديدة تميز محفوظ عن غيره.
وأوضح أن من أبرز هذه العوامل أن منجزه الأدبي زاخر وممتد، وأنه يمتلك مشروعًا أدبيًا متكاملًا، جعله أحيانًا يراجع مساره ويعدل اتجاهه الفني. وأضاف أن روايات محفوظ شهدت تحولات واضحة في الأسلوب واللغة، كما طرحت أسئلة دائمة حول الوجود، والبحث عن الحقيقة، والإيمان، والتصوف، وهي أسئلة إنسانية مشتركة بين جميع الثقافات، وهو ما منح أعماله بعدًا إنسانيًا واسعًا.
وأكد هويدي أن من عوامل تميز محفوظ كذلك الثقافة والعمق المعرفي اللذان وفرتهما له دراسته للفلسفة، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الروائيين العرب قد يمتلكون صفة أو أكثر من هذه الصفات، لكن قلة منهم جمعت بينها جميعًا مثل نجيب محفوظ.
واختتم هويدي حديثه بالتأكيد على أنه لا يسعى إلى نمذجة محفوظ أو التقليل من شأن أي مبدع آخر، بل يتحدث عن ظاهرة سردية متفردة ومتطورة تركت أثرها في أغلب الروائيين من بعده. وأوضح أن التراث الإنساني لدى محفوظ لا يقتصر على الإطار المحلي الضيق، بل يتجلى في انفتاحه على بحر الحياة الأوسع، وأسئلة الوجود والكينونة والعقل الإنساني.
وفي مداخلتها، رحبت الدكتورة هدى الشامسي بالحضور، مؤكدة أن مشروع نجيب محفوظ يمثل مشروعًا سوسيولوجيًا بامتياز، وأن تفرده يكمن في قدرته على تحويل المحلية إلى قضايا إنسانية يمكن تطبيقها على شعوب وثقافات متعددة.
وأضافت أن أعماله تميزت بطرح القلق الوجودي، مثل القهر الاجتماعي واختلال علاقة الفرد بالمجتمع، فضلًا عن كونها قدمت نقدًا واضحًا للفترة التاريخية التي كُتبت فيها.
وأوضحت الشامسي أن أعمال محفوظ انتقلت من الخصوصية إلى العالمية، وأن قدرته على الجمع بين الكوني والمحلي هي ما يبرز تفرده. كما أشارت إلى أن أعماله تتسم بالواقعية والسردية المتماسكة، وشكلت سردية عربية متفردة، نجح من خلالها في تحويل النص المحلي إلى نص عالمي قادر على وصف العقل الجمعي ومخاطبته، بما يحمله من بعد رمزي إنساني.
أما الكاتبة والروائية منصورة عز الدين، فأعربت عن سعادتها بالمشاركة والحديث عن نجيب محفوظ، مؤكدة أنها قرأت له بعد طفولتها التي قضتها في قراءة الأدب المترجم. وقالت إن محفوظ كاتب منفتح، وهو أحد أسباب بقائه واستمراريته، كما أنه انفتح على الأجيال التالية وتفاعل معها، معتبرة إياه كاتبًا متجددًا ومشتبكًا مع الآخرين من الثقافات «اشتباك الكبار»، موضحة أنه لا ينقل الأدب، بل يهضمه ويعيد إنتاجه بطريقته وأسلوبه.
وأضافت عز الدين أن دراسته للفلسفة كان لها أثر بالغ في كتابته، حيث جعلته يغوص في النفس البشرية ويطرح أسئلة وجودية مهمة على ألسنة أبطاله، مؤكدة أن محفوظ من أكثر الكتاب العرب قدرة على التجدد، وربما يرجع ذلك إلى امتلاكه مشروعًا أدبيًا واضحًا ومتناميًا.
وأشارت إلى أن محفوظ اشتبك مع التراث من خلال اطلاعه على الكتب التراثية، وعلى رأسها «ألف ليلة وليلة»، لكنه لم يقلدها أو ينشغل بأسئلتها، بل تعامل معها برؤيته الخاصة وبأسئلته التي تخص عالمه. وقدمت عز الدين قراءة نقدية لرواية «ليالي ألف ليلة» من حيث التناص بينها وبين «ألف ليلة وليلة» الأصلية، والأفكار المشتركة، وظهور «الحارة المحفوظية» ولكن بشكل مختلف، إلى جانب التناص مع بعض الأعمال الأجنبية.
كما تحدثت عز الدين عن رواية «رحلة ابن فطومة»، ووصفتها بأنها من أهم روايات محفوظ الحافلة بالرحلات الفلسفية، مع حضور واضح للبعد الصوفي.
وفي ختام حديثها، أوضحت أن أكثر روايات نجيب محفوظ جذبًا للقراء، بحسب ما لاحظت، هي: «ليالي ألف ليلة»، و«الحرافيش»، و«الطريق».