أكد الدكتور أمين لطفي، رئيس جامعة بني سويف الأسبق، أن الجدل المثار حول الجمع بين رئاسة جامعة حكومية وتسيير أعمال الجامعة الأهلية المرتبطة بها يضع اليد على قضية إدارية وهيكلية كبرى تتجاوز أسماء رؤساء بعينهم أو جامعات بحد ذاتها؛ إذ تكشف عن خلل في التصميم الإداري يتطلب حسما عاجلا.
وأوضح لطفي، في بيان صحفي، أن حل الأزمة لا يتطلب خصومة بين المؤسستين، بل يتلخص في صيغة حاسمة: "فصل القيادة التنفيذية مع الإبقاء على التكامل المؤسسي"، مشددا على أن مشاركة الموارد والمعامل لا تقتضي أبدا مشاركة الرئيس نفسه.
ونوه بأن هذه التحذيرات تأتي في وقت تشير فيه البيانات الرسمية إلى أن منصب رئيس الجامعة الأهلية لا يزال شاغرا في 14 جامعة أهلية، مع إسناد تسيير الأعمال لرؤساء الجامعات الحكومية المؤسسة لها؛ حيث أظهرت الأرقام أنه حتى يوليو 2026 كان رئيس جامعة القاهرة يُكلف بتسيير أعمال الجامعة الأهلية إلى جانب منصبه الأساسي، وهو ما يعكس نمطا إداريا مستمرا يستدعي التقييم الشامل من زوايا الحوكمة والقدرة التنفيذية والمساءلة.
وأشار الدكتور أمين لطفي إلى أن رئيس الجامعة الحكومية يدير بالأساس كيانا ضخما يضم عشرات الآلاف من الطلاب، ومستشفيات، ومراكز بحثية، ومشروعات إنشائية، وشكاوى وترقيات يومية، وفي المقابل، ليست الجامعة الأهلية فرعا هامشيا، بل هي كيان مستقل يحتاج إلى تسويق، وشراكات دولية، وبرامج جديدة، واعتماد جودة، ومتابعة دؤبة.
وأضاف أن الجمع بين الكيانين ينطوي على خطرين أساسيين، أولهما عبء إدارة الوقت، والذي يتجلى عند تزاحم القرارات وتعارض الأولويات، مما يعطل سرعة اتخاذ القرار في سوق تعليمي تنافسي، والخطر الثاني يتعلق بأزمة الثقة وتضارب المصالح، والتي تتفاقم عندما يرتبط الجمع بمكافآت أو مخصصات مالية متعددة، إذ يُطرح السؤال الحاسم: "من يحدد المقابل المالي؟.. وهل يناقش ميزانية الجامعة الأهلية الشخص نفسه الذي يرأس الجامعة الحكومية؟"، منوها بأنه حتى وإن كانت المبالغ مستندة إلى قرارات قانونية، فإن هذا التعدد يمنح انطباعا بالتركيز والامتياز، ويجرح مبدأ عدالة الفرص بين أعضاء هيئة التدريس.
وشدد رئيس جامعة بني سويف الأسبق على أن التكليف المزدوج قد يكون مقبولا فقط في مرحلة التأسيس الأولى، لكن خطورته تبدأ عندما تتحول المرحلة الانتقالية إلى وضع دائم بلا سقف زمني، لافتا إلى أن المنظومة المصرية تمتلك بالفعل النماذج والآليات الناجحة لتطبيق الفصل، قبل أن يشير إلى فتح باب الترشح في يوليو 2025، حين أعلن مجلس الجامعات الأهلية فتح باب الترشح لرئاسة 5 جامعات أهلية وشكل لجان الاختيار والمقابلات، وكلك تجربة جامعة المنصورة الأهلية في مارس 2026، والتي انتقلت بنجاح من مرحلة تسيير الأعمال بواسطة رئيس الجامعة الحكومية إلى تعيين رئيس مستقل لمدة 4 سنوات، ما يثبت أن فصل القيادة خطوة عملية ومطبقة بالفعل ولا تحتاج إلى اختراع هياكل جديدة.
ولإغلاق هذا الملف من جذوره، طرح الدكتور أمين لطفي خمس قواعد جوهرية لضمان الحوكمة، موضحا: "مؤسسة واحدة.. رئيس تنفيذي واحد: حظر الجمع بين رئاسة الجامعة الحكومية والأهلية بعد انتهاء فترة التأسيس، ووضع سقف زمني محدد، أي تكليف مؤقت يجب أن يحمل تاريخ بداية ونهاية معلنين، وبخطط تسليم واضحة، ومنافسة علنية للقيادة من خلال اختيار رؤساء الجامعات الأهلية عبر لجان مستقلة وفق معايير الخبرة والشفافية، مما يفتح الباب أمام كوادر جديدة بدلا من احتكار السلطة، وفصل التعويضات والشخصية المالية بحظر مشاركة المسئول في تحديد مكافآته، ونشر الحزم المالية للقيادات بشفافية، واتفاقيات تعاون معلنة بتنظيم استخدام المستشفيات والمعامل وأعضاء هيئة التدريس بين الجامعتين بعقود تجارية وخدمية محددة الأسعار والمسئوليات".
كما اقترح ثلاثة نماذج تنظيمية يمكن الاختيار بينها: "نموذج الفصل الكامل بتعيين رئيس مستقل ومتفرغ فور بدء الدراسة، ونموذج الانتقال المحدد بفترة تسيير أعمال لا تتجاوز 6 أشهر قابلة لتمديد واحد مسبب، ونموذج المجموعة الجامعية ببقاء الخدمات مشتركة بموجب اتفاقيات، مع استقلال القيادة التنفيذية والمجلس الحاكم لكل جامعة".
واستشهد الدكتور لطفي بالمعايير العالمية، مشيرا إلى أن هيئة جودة التعليم العالي الأسترالية (TEQSA) توجب إفصاح القيادات عن أدوارها الخارجية وإدارة تعارض المصالح ونشر تفاصيل الأجور، وفي إنجلترا وأوروبا، تفرض قواعد الحوكمة التزاما صارما بفصل المسائل الأكاديمية عن المسئولية التنفيذية اليومية.
واختتم بيانه بالإشارة إلى أن المستفيد الأول من هذا الإصلاح هو المنظومة التعليمية والمجتمع؛ حيث يضمن الفصل وضوح المساءلة، وسرعة القرار، واستقلالية هوية الجامعة الأهلية، ويحمي رئيس الجامعة الحكومية نفسه من توزيع المسئولية وتشتت الأداء، مؤكدا أن المقياس الحقيقي بعد ثلاث سنوات سيكون عبر المؤشرات العملية: "من قياس زمن اتخاذ القرار، وحجم الشراكات الجديدة، ومدى رضا الطلاب والأساتذة، ونسبة معالجة تعارض المصالح".