- سعيد بأننى كنت جزءًا من الرحلة منذ بدايتها.. والحفاظ على التراث يحتاج إلى جهد
- المهرجان مساحة يلتقى فيها الموسيقيون وعشاق الطرب
- المؤتمر العلمى ملتقى لمناقشة قضايا الأغنية العربية
- أتمنى أن يكون هناك توازن بين الاحتفاء بالأسماء الكبيرة واكتشاف المواهب الواعدة ومنحها فرصًا للمشاركة
منذ انطلاق مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية، ارتبط اسم المطرب الكبير محمد الحلو بتجربته الغنائية، إذ شارك فى المهرجان منذ دورته الأولى، ليصبح واحدًا من الأصوات التى عاصرت مسيرته على مدى سنوات طويلة، وشهدت عن قرب ما طرأ عليه من تطورات وتغيرات.
لكن علاقة محمد الحلو بالموسيقى العربية وبالمهرجان لا تبدأ من مرحلة الوقوف على خشبة المسرح وحدها، وإنما تمتد إلى سنوات دراسته بمعهد الموسيقى العربية، حيث تتلمذ على يد الدكتورة الراحلة رتيبة الحفنى، مؤسسة المهرجان والمؤتمر وصاحبة المشروع الذى استهدف إحياء التراث الغنائى والموسيقى العربى، وتقديمه إلى الأجيال الجديدة برؤية علمية وفنية تحافظ على أصالته، وتؤكد قدرته على الاستمرار.
ومن هنا، تبدو شهادة محمد الحلو مهمة، فهو لا يتحدث فقط باعتباره مطربًا شارك فى المهرجان منذ انطلاقته الأولى وإنما أيضًا باعتباره أحد تلاميذ رتيبة الحفنى الذين عرفوا عن قرب فلسفتها فى التعليم الموسيقى، وإيمانها بأن الحفاظ على التراث لا يتحقق بمجرد ترديد الأغنيات القديمة، بل بفهم قيمتها الفنية، والحفاظ عليها وتقديمها إلى الجمهور فى صورتها التى تليق بتاريخها.
فى هذا الحوار نستعيد مع محمد الحلو ملامح علاقته بالمهرجان، وذكرياته معه، ورؤيته لما ينبغى أن يكون عليه هذا الحدث الفنى والعلمى، فى ظل الجدل المتجدد حول استقطاب النجوم، وطبيعة المشاركات الغنائية، ومدى الالتزام بالهدف الأساسى الذى تأسس المهرجان من أجله.
وإلى نص الحوار:
< شاركت فى مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية منذ دورته الأولى.. ماذا تعنى لك هذه الرحلة الممتدة؟
- أعتبرها رحلة مهمة جدًا فى حياتى الفنية، لأننى ارتبطت بالمهرجان منذ بدايته، وعشت معه سنوات طويلة، وشاهدت مراحل مختلفة من مسيرته. والمهرجان بالنسبة لى ليس مجرد مناسبة للغناء على خشبة المسرح، وإنما حدث له قيمة كبيرة فى الحفاظ على الموسيقى العربية وتراثها.
على مدى هذه السنوات، أصبح المهرجان مناسبة يلتقى فيها المطربون والموسيقيون ومحبو التراث، وفرصة لتقديم أعمال لها قيمة فنية وتاريخية، والتأكيد على أن الموسيقى العربية تمتلك ثراء كبيرًا يستحق أن نحتفى به ونحافظ عليه.
وأنا سعيد بأننى كنت جزءًا من هذه الرحلة منذ بدايتها، وأتمنى أن يستمر المهرجان فى أداء رسالته، وأن تظل له شخصيته التى تميزه عن أى مهرجان غنائى آخر.
< ما الذى يميز مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية عن المهرجانات الغنائية الأخرى؟
- الفكرة الأساسية التى قام عليها المهرجان مختلفة؛ فهو ليس مجرد مهرجان للترفيه أو إقامة الحفلات، وإنما مشروع للحفاظ على التراث الموسيقى العربى وتعريف الأجيال الجديدة به.
هناك فرق كبير بين مهرجان هدفه الأساسى تقديم مجموعة من الحفلات التى تستقطب الجمهور، ومهرجان يحمل رسالة فنية وثقافية، ويسعى إلى تعريف الناس بقيمة الموسيقى العربية وأصولها ومدارسها.
أنا لا أقول إن الترفيه أمر مرفوض، فالفن يمنح الإنسان المتعة والسعادة، لكن المشكلة أن تتحول المتعة إلى الهدف الوحيد، وننسى أن الموسيقى تحمل أيضًا رسالة ثقافية وتربوية، وأن لدينا تراثًا عظيمًا يجب أن نحافظ عليه.
< هل يعنى ذلك أنك ترفض مشاركة النجوم فى المهرجان؟
- إطلاقًا، أنا لا أرفض مشاركة النجوم، لأن المهرجان بالفعل فيه أسماء كبيرة ونجوم، مثل على الحجار ومدحت صالح غادة رجب ونادية مصطفى وآمال ماهر، أنا لا أرى أن وجود المطرب المعروف يتعارض مع رسالة المهرجان. لكن السؤال الأهم هو: لماذا يشارك المطرب؟ وماذا يقدم للجمهور؟
إذا كان المطرب نجمًا وله مكانته، فهذا أمر جيد، لكن ينبغى أن تكون مشاركته تتفق مع طبيعة المهرجان ورسالته. فالمعيار يجب ألا يكون اسم الفنان وحده، وإنما القيمة الفنية التى يقدمها، ومدى ارتباط اختياراته بالأهداف التى تأسس المهرجان من أجلها.
المهرجان ليس مطلوبًا منه أن ينافس الحفلات التجارية أو أن يقيس نجاحه بعدد النجوم المشاركين فيه فقط. النجاح الحقيقى أن يخرج عشاق الطرب من الحفل وهو أكثر شغف بالموسيقى العربية، وأكثر ارتباطًا بتراثها.
< أنت من تلاميذ الدكتورة الراحلة رتيبة الحفنى فى معهد الموسيقى العربية.. ماذا تعلمت منها؟
- الدكتورة رتيبة الحفنى كانت شخصية استثنائية، وأعتز بأننى كنت أحد تلاميذها فى معهد الموسيقى العربية. تعلمنا منها أن الموسيقى علم وفن وثقافة، وأن المطرب لا يكفيه أن يمتلك صوتًا جميلًا، بل يجب أن يكون واعيًا بما يقدمه ومدركًا لقيمة العمل الذى يؤديه.
كانت لديها رؤية واضحة للموسيقى العربية، وكانت تؤمن بأهمية التعليم والتدريب واحترام الأصول الفنية. كما كانت تدرك أن الحفاظ على التراث مسئولية تحتاج إلى جهد وعمل مستمرين، وليست مجرد شعارات نرددها فى المناسبات.
ومن أهم ما تعلمناه منها أن الفنان مسئول عن الفن الذى يقدمه، وأن عليه أن يحترم أذن الجمهور ورغبته، وألا يتعامل مع الغناء بأعتباره استعراضا للصوت فقط.
< كيف انعكست هذه الرؤية على تأسيس مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية؟
- رتيبة الحفنى لم تكن تريد إقامة مهرجان غنائى تقليدى، بل كانت تسعى إلى إنشاء كيان له رسالة واضحة، يجمع بين الفن والمعرفة، ويمنح التراث الموسيقى العربى مكانته المستحقة.
ولهذا جاءت أهمية الجمع بين المهرجان والمؤتمر، فالحفلات تقدم الموسيقى للجمهور، بينما يتيح المؤتمر مساحة للبحث والدراسة ومناقشة قضايا الموسيقى العربية وتاريخها ومستقبلها.
وهذه نقطة مهمة جدا لأن التراث لا يمكن الحفاظ عليه بالغناء وحده. لا بد من دراسته وتوثيقه، وتعريف الأجيال الجديدة بمدارسه وأعلامه، والاهتمام بالموسيقيين الذين أسهموا فى تشكيل هويتنا.
وأتصور أن استعادة هذه الروح من أهم الأمور التى ينبغى أن تحظى باهتمام القائمين على المهرجان فى دوراته المقبلة.
< هل ترى أن المهرجان ما زال محتفظًا بفلسفة مؤسسته أم أن هناك حاجة إلى مراجعة بعض الأولويات؟
- أعتقد أن أى مهرجان يستمر سنوات طويلة يحتاج إلى مراجعة مستمرة، لكن المراجعة يجب أن تكون بهدف التطوير والحفاظ على الهوية، وليس الابتعاد عنها.
المهرجان يحمل أسم الموسيقى العربية، وهذا الأسم يضع أمامه مسئولية كبيرة، لدينا تراث غنى، وأصوات ومدارس موسيقية عظيمة، وقوالب موسيقية لا بد أن تظل حاضرة، التطوير مطلوب، ولا أحد يطالب بأن نظل أسرى الماضى، لكن هناك فرقًا بين التطوير الذى يبنى على الأصول، والتغيير الذى يجعلنا نبتعد عن الهدف الأساسى.
أتمنى أن تظل الموسيقى العربية الأصيلة حاضرة بقوة، وأن يجد الجمهور فرصة للاستماع إلى القوالب الموسيقية المختلفة، والتعرف على قيمة الآلات الشرقية، وأن يكون هناك اهتمام أكبر بتقديم الأعمال التى تكشف ثراء هذا التراث.
< ماذا عن الأجيال الجديدة.. كيف يمكن جذبها إلى التراث؟
- لا بد أن نقترب من الشباب، وأن نقدم لهم تراثنا بطريقة تجعلهم يشعرون بأنه جزء من حياتهم، وليس مجرد شىء قديم ينتمى إلى زمن مضى.
< هل ترى أن الجمهور ما زال متعطشا إلى الغناء الأصيل فى ظل التغيرات الكبيرة التى شهدتها الساحة الغنائية؟
- بالتأكيد، هناك دائمًا من يبحث عن الصوت الجميل والكلمة الجيدة واللحن الذى يحمل قيمة حقيقية.
قد تتغير أشكال الاستماع إلى الموسيقى، وتتغير الوسائل التى يصل بها الفن إلى الناس، لكن ذلك لا يعنى أن قيمة الصوت أو اللحن أو الكلمة قد انتهت.
الموسيقى الجيدة تستطيع أن تعيش، لأنها تخاطب مشاعر الإنسان ووجدانه، ولا ترتبط بمرحلة زمنية واحدة، ونحن نرى أن أعمالًا كثيرة من تراثنا ما زالت حاضرة فى ذاكرة الناس، ويتفاعل معها الجمهور رغم مرور عقود طويلة على ظهورها.
المهم ألا نتخلى عن مسئوليتنا فى تقديم هذا الفن، وألا نترك الأجيال الجديدة محرومة من التعرف على تراثها بحجة أن الذوق تغير.
< ما الذى تتمناه للدورات المقبلة من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية؟
- التأكيد على هوية المهرجان ورسالته، وأن تحظى الموسيقى العربية الأصيلة بمكانة واضحة فى برنامج الحفلات، إلى جانب المشاركات الغنائية المختلفة، وهذا موجود.
وأتمنى أيضًا أن يحظى المؤتمر العلمى ملتقى الباحثين والعلماء بالاهتمام الذى يستحقه، وأن تكون هناك استفادة حقيقية من الأبحاث والدراسات التى يقدمها الباحثون، لأن المؤتمر ليس نشاطًا جانبيًا بل جزءًا أساسيًا من اسم المهرجان وفكرته.
كما أتمنى أن يستمر الاهتمام بالأجيال الجديدة، وأن تتاح لها فرص التعلم والمشاركة، وأن يكون هناك توازن بين الاحتفاء بالأسماء الكبيرة واكتشاف المواهب الواعدة.
وأهم من ذلك كله أن نتذكر دائمًا أن قيمة المهرجان لا تُقاس بعدد الحفلات أو أسماء المشاركين وحدها، وإنما بما يقدمه للموسيقى العربية، وبقدرته على الحفاظ على تراثها ونقله إلى الأجيال المقبلة.
< لو طلبنا منك توجيه رسالة إلى القائمين على المهرجان.. فماذا تقول؟
- أقول لهم: حافظوا على رسالة رتيبة الحفنى، لأنها أقامت هذا المهرجان من أجل هدف يستحق أن يستمر، وهو حماية تراثنا الموسيقى وتعريف الناس بقيمته.
لا تجعلوا المنافسة على النجوم تشغلنا عن الهدف الأساسى نفسه، ولا تسمحوا بأن تطغى الحفلات على الجانب الثقافى والعلمى. نحن لا نحتاج إلى الاختيار بين الفن والترفيه، وإنما نحتاج إلى أن نمنح الفن قيمته الحقيقية، وأن ندرك أن المهرجان مسئول عن تقديم رسالة تتجاوز حدود الحفل الواحد.
مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية يجب أن يظل كيانًا للتثقيف الموسيقى، وإحياء التراث، واحترام الأصالة، وفتح الأبواب أمام المواهب الجديدة.
هذه هى الرسالة التى تعلمناها من الدكتورة رتيبة الحفنى، وأتمنى أن تظل حاضرة فى كل دورة، حتى يستمر المهرجان فى أداء دوره الذى تأسس من أجله.