التدمير فالطوفان ثم التفكير فى حلول - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
السبت 25 مايو 2024 10:57 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

التدمير فالطوفان ثم التفكير فى حلول

نشر فى : الخميس 1 أكتوبر 2015 - 4:25 ص | آخر تحديث : الخميس 1 أكتوبر 2015 - 4:25 ص

كل المصائب الوطنية والكوارث القومية فى أرض العرب تأخذ شكل تمثيلية من ثلاثة فصول: تبدأ بتدمير العمران والاجتماع، لتمر فى مرحلة طوفان وفوضى وضياع، لتنتهى بالتفكير المتأخر المضطرب لإيجاد حلول انتهازية مغموسة بالدم والدموع.

ودوما وأبدا يكون مخرج تلك التمثيليات، والمتحكم بكل تفاصيلها وممثليها وحتى ديكوراتها، هو الخارج، حتى ولو استعان بين الحين والآخر بمساعدين مخرجين من الداخل للقيام بمهام يحددها لهم بكل دقة وخبث.

اختيار مكان مسرح التمثيلية يخضع لتحقيق أهداف محددة تخدم مصالح كبار اللاعبين الأغراب فى طول وعرض بلاد العرب.

فقد يكون الهدف قاصدا الاستيلاء على ثروة نفطية، حتى لا تستعمل فى بناء طموحات وطنية أو قومية، مثلما حدث فى العراق.

وقد يكون الهدف قاصدا استغلال البؤس وتجييش الفقراء لإحراج جيرانهم الأغنياء واستنزاف ثرواتهم المتعاظمة الآنية، كما يحدث فى اليمن.

وقد يكون الهدف راميا تدمير رمز عروبى راسخ فى قلب التاريخ العربى وإخراجه من معادلات التوازن مع الكيان الصهيونى، كما حدث فى سوريا. أو قد يكون الهدف راغبا فى إعطاء درس فى تأديب ومعاقبة كل من يحاول الخروج من تحت عباءة الدول الكبرى، حتى ولو لفظيا، كما حدث فى ليبيا.

إنها فقط أمثلة، وغيرها كثير، لتمثيليات تبدأ باستغلال مطالب شعبية مشروعة، لتنتقل بعد حين إلى خلط الأوراق لتشويه أصل المسألة برمتها، وذلك من خلال عمليات التدويل المتفاهم والمحرك لبلادات وحماقات التعريب المجنون والأسلحة الطائفية الهمجية، وذلك من أجل انتقال هذا المجتمع العربى أو ذاك إلى مرحلة التدمير الممنهج للدولة الوطنية ومجتمعها.

وما إن يتم ذلك وتدخل تلك الدول والمجتمعات فى طوفان التقاتل بين مكوناتها الإثنية والدينية والمذهبية والثقافية والسياسية، وتنقلب الحياة فيها إلى جحيم لا يطاق، وتبدأ تباشير انقلاب السحر على الساحر، أو يكون تحقيق الهدف الأصلى قد وصل إلى مبتغاه، حتى يبدأ الجلاد القاتل المدمر يفكر فى طرح حلول مغموسة بالدم والدموع والقيح، حلول لن تكون فى أغلبها إلا حلولا مؤقتة، فى شكل استراحة المحارب، بانتظار الدخول فى حروب وصراعات جديدة.

سينبرى المتحذلقون بالقول بأننا نمارس اللعبة القديمة إياها: تحميل الغير الأغراب مسئولية مشاكلنا. هذا هراء. نحن ندرك جيدا حجم الأخطاء والخطايا التى ارتكبها العرب بحق أنفسهم، عبر القرون والحقب المفجعة العبثية. لكن الغير الغريب متواجد فى أرضنا، متجذر فى تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا، وهو يخيط ويبيط فى أرض العرب لأسباب داخلية وخارجية لا حصر لها ولا عد.
***
على ضوء تلك الصور التمثيلية، بمؤلفيها ومخرجيها ولاعبيها، يمكن الحكم على البكائية الهزلية التى يجرى الإعداد لها الآن تحت مسمى بناء الجبهة الدولية ضد الخلافة الإسلامية الداعشية، لاحظ، فقط الداعشية، فى العراق وسوريا.

إنها حبكة سيريالية، مليئة بالغموض، طارحة لألف سؤال وسؤال، جاءت لإنقاذ الجلاد القاتل وليس الضحية البريئة، ولذلك تحمل فى طياتها كل التناقضات.

أمريكا التى خلقت الحركة الجهادية الإسلامية لمحاربة الاتحاد السوفييتى فى أفغانستان، ثم حاربتها فى أفغانستان، ولكن سمحت لها بالانتقال إلى العراق لتساهم فى مؤامرة إثارة النعرات الطائفية فى ذلك القطر، ثم انسحبت من العراق المدمر من قبل قواتها وعملائها لتتركه نهبا للطائفيين المجانين وللداعشيين الهمج، ثم ظلت هى والحلف الذى خلقته تتفرج على التمدد الداعشى من العراق إلى سوريا، بينما انشغلت مع بعض حلفائها العرب فى خلق داعشيين أخر بمسميات أخرى مثل جبهة النصرة، وأسماء غامضة لجبهات وجيوش من الجهاديين التابعين لهذه الجهة العربية أو تلك الجهة الاستخباراتية الأجنبية.... أمريكا هذه تتحدث الآن عن تكوين تحالف دولى جديد، بقيادتها بالطبع، سيضم كل من هب ودب من قوى متناقضة فى أهدافها وأدوارها التى تلعبها.

فتركيا، التى فتحت حدودها لكل داعشى من كل بلاد العالم ليدخل سوريا، مدعوة إلى هذه الوليمة. وإيران التى ساهمت فى خلق أجواء طائفية فى العراق أدت إلى صعود داعش هى الأخرى مدعوة. وبلاد عربية ساهمت فى تمويل وتجييش وتدريب أشكال من القوى الجهادية فى العديد من الأقطار العربية، ومن بينها العراق وسوريا، هى الأخرى مدعوة.

وروسيا وفرنسا وبريطانيا وغيرها، من الذين يريدون حصة من الكعكة العربية، تحت شعارات تبدو إنسانية متحضرة بينما تخفى انتهازية سياسية، هم الآخرون مدعوون أيضا.

وهيئة الأمم المتحدة، التى تتكلم كثيرا وتفعل قليلا، والجامعة العربية التى يخيم السكون على أروقة مساراتها، هى الأخرى ستدعى لتساهم فى تأليف وتلحين موسيقى خلفية لهذه التمثيلية.
هل يمكن لهذه السيريالية أن تنتج تحفة فنية مفهومة؟
سؤال أخير: اين المشاهدون لهذه التمثيلية من شعوب هذه الأمة المستباحة، وهم ينتظرون الذبح؟

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات