يا سلام على البنات - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 30 أكتوبر 2020 11:33 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

يا سلام على البنات

نشر فى : الخميس 1 أكتوبر 2020 - 9:35 م | آخر تحديث : الخميس 1 أكتوبر 2020 - 11:52 م

مثل كل كاتب يحب أبطال أعماله الأدبية وقعت في حب بطلات مقال هذا الأسبوع، أحببت حكيهن والحكي عنهن، وأحببت القاسم المشترك بيننا جميعاً: مستقبل اللغة العربية. شابات في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر لو رجعنا إلى مشوارهن التعليمي الأجنبي لافترضنا أنه كان يجب أن ينتهي بهن إلى حيث انتهي بأمثالهن: الجفوة مع اللغة العربية، هذه الجفوة المتفاقمة التي تنتقل من جيل إلى جيل والمبرر السائد هو: إن التعليم كان "بالإنجلش" أو "بالفرنش". لكن وسط المشهد العام تظهر مجموعة من البنات في مصر وأمريكا وفرنسا وغيرها تكسر الحاجز النفسي مع اللغة العربية وتمسك بالقلم لتكتب بها وتُحبب الصغار فيها. تقول واحدة من هؤلاء البنات "كنت في الأول باحس إن فيه خناقة في راسي بين اللغتين- تقصد العربية والفرنسية-لكن بالتدريج الدوشة بدأت تخف واختفت، وبقيت آخد وقت أقل في الكتابة بالعربي عن أيام زمان". حلو هذا التعبير جداً.. خناقة اللغات في الرأس.
***
كل واحدة من هؤلاء البنات لها تجربة مختلفة عن الأخرى. ميراندا بشارة خريجة مدرسة الراعي الصالح التي تقيم في فرنسا والتي أنشأت صفحة "حادي بادي" على الفيسبوك لتحبب الأطفال في اللغة العربية، وهذه نقطة مهمة جداً خصوصاً بالنسبة لأبناء المصريين والعرب في الخارج ومعظمهم لا يعرف اللغة العربية أو يفهمها لكن لا يستطيع التعامل بها. في صفحة "حادي بادي" تعلن ميراندا عن كل المناسبات ذات الطابع العربي لتمكّن أبناء المهجر من حضورها وتقدم عروضًا لأدب الطفل باللغة العربية. ميراندا هي ابنة المخرج الكبير خيري بشارة، ولقد فضلتُ أن أضع هذه الصفة في نهاية التعريف بها لأن لها إبداعها الخاص. لبني شكري خريجة الآداب قسم اللغة الإنجليزية والمقيمة في الولايات المتحدة تقوم بتدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها وتؤلف قصصاً للأطفال، حالياً تؤلف لبنى كتاباً لمنظمة المرأة العربية عن قصص الفتيات العربيات "المذهلات" في مجال الرياضة، وكم نشتاق يا لبنى لإيجابياتٍ تذهلنا. بلسم سعد خريجة الجامعة الأمريكية وصاحبة دار البلسم التي تركت تخصصها في مجال الهندسة لتدخل عالم النشر لأنها لاحظت غياب الكتب العربية لتلاميذ المدارس الدولية. في سنوات قليلة استطاعت مطبوعات البلسم أن تجذب إليها الأطفال وتخطف أبصارهم بصور ملونة تكاد تنطق لفرط طبيعيتها، صور مرسومة باليد لتكون تلقائية تماماً كالأطفال. ميريام رزق الله خريجة مدرسة القلب المقدس التي نظمت مسابقة للكتابة باللغة الإنجليزية، ومن يفوز فيها يحصل على المجموعة الكاملة للقصص التي ألفتها هي باللغة العربية، مدخل ذكي تصيب به ميريام ثمرتين بحجر واحد .
***
نحن إذن أمام ظاهرة إيجابية جداً تتشكل ببطء منذ عدة سنوات، ظاهرة تقاوم التعالي على اللغة العربية كي لا أقول ازدراءها لأن قلبي لا يطاوعني أبدًا، فاللغة مثلها مثل بصمة اليد لازمة للتعريف، والفارق الوحيد بينهما أن البصمة تكون لشخص أما اللغة فتكون لجماعات وشعوب. الآن أنتقل ببعض التفصيل لفتاتين تجسدان نفس الظاهرة لكن شاءت الظروف أن أعرف كلاً منهما عن قرب وهذا يجعلني أكتب على راحتي أكثر وأكشف عنهما ما خفي، وما خفي منهما أجمل. هديل غنيم مؤلفة قصة "عيد ميلاد لغة الضاد"، وهي قصة لطيفة وذكية في الوقت نفسه، فاللغة العربية هي لغة الضاد. في القصة تحتفل كل حروف اللغة بعيد ميلاد حرف الضاد وتشترك في هدية واحدة، هذه الهدية عبارة عن طقم من النقاط حتى إذا بهتت النقطة فوق الضاد وضع نقطة أخرى مكانها كي لا يتغير المعني وتتحول الفضيحة إلى فصيحة مثلاً. سألتها لماذا قررتِ الكتابة بالعربية وأنت ذات التعليم الأمريكي الصرف في نشأتك؟ بعثَرَت عبر الفضاء جملة من الأسباب بدون ترتيب، عبر الفضاء لأنها تعيش حالياً في الولايات المتحدة. مستر ميشيل مدرس اللغة العربية كان ممتازاً، تضغط بقوة على حرف الميم في وصف ممتاز لتأكيد المعنى، كان يستهل الحصة بكتابة باسم الله الرحمن الرحيم على السبورة فسألته: مستر ميشيل إنت مسلم والا مسيحي؟ رد: أنا عربي، كررتهَا ثلاثاً ورد عليها الرد نفسه فالتفتَت الصغيرة إلى أن العربية تتجاوز الكلام إلى ناس يقال لهم "عرب" ومدَت خطاً بين نقطتين. كان مستر ميشيل لبنانياً. ثم هناك مكتبة البيت، كتب الألغاز والأدب الروسي المترجم تستعيرها من الإخوة الكبار، سِيَر المستشرقين والرحالة من الأب، روايات إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي من الأم، وهكذا اعتادت عينا الصغيرة على القراءة باللغة العربية. هناك دور آخر للچينات لا دخل فيه لأحد فجّد هديل هو محمود غنيم "شاعر العروبة والإسلام"، ولاشك أنها كطفلة عندما وجدَت "قصيدة الفلاح" التي ألفها جدها مقررة عليهم في المدرسة شعرت بالزهو، وكلنا في طفولتنا نهوي المقارنة. ومع ذلك لم يكن الأمر سهلًا عندما حاولَت أن تحول مخزونها من القراءات العربية إلى سطور على الورق، فوجئت في الجامعة بأنها لا تستطيع كتابة خطاب من سطر واحد بالعربية فاستحت من نفسها. لاحقاً تجاوزَت هذه الأزمة عندما دخلَت تجربة العمل في مجلة الكتب وجهات نظر وتعلمت على يد أستاذ جميل مطر ليس فقط كيف تكتب الرسائل لاستكتاب كبار المثقفين، بل كيف تكتبها بشكل "دبلوماسي أنيق"، حتى إذا تولت مسؤولية عروض الكتب الأجنبية خطت خطوة أخرى وتعلمت الإيجاز في اللغة. وها هي من مهجرها تكتب قصصاً بالعربية للأطفال "لأن فيه ناس بتتكلم عن إن العربي لازم يموت أو غير مناسب للأطفال"، ثم تستدرك "بس مش معنى كده إن الفصحي تكون كلاسيكية وغير مفهومة، ندور على السهل ونخلط وندّخل العامي في النص، نبدع ومانقلدش".
***
نأتي لداليا شمس إحدى كاتبات عامود "انطباعات" في جريدة الشروق بلغة عربية رصينة نفتقدها كثيراً. تعلَمَت داليا تعليماً فرنسياً ثم درست الترجمة في كلية الألسن، لكن عوّض تشبعها بالثقافة الفرنسية دور الأسرة الذي تقول عنه ما يلي "في عيلة أمي مافيش حاجة اسمها ناس في مدارس أجنبية فما يعرفوش عربي أو ما يتكلموش عربي في البيت"، تشرح أكثر فتقول "أمي كانت بتعتبر إن اللي بيتكلم كلمة عربي وكلمة فرنساوي وكلمة إنجليزي جلياط.. إيش عرّفه إن اللي بيرد عليه فاهم". ضغطَت داليا وأمها ببساطة على عقدة النقص لدى شرائح واسعة من المصريين. في مكتبة الأسرة تعرَفت داليا على أدب توفيق الحكيم، وذلك عندما أعجبها نص مترجَم له فسألت أمها "ليه المقرر العربي مافيهوش نصوص كده؟"، وبدأت تبحث عنه بين رفوف المكتبة. مثلها مثل هديل كان في حياتها مدرس ممتاز هو مسيو جمال ذلك الدرعمي المستنير الذي كان يبث الثقة في نفوس طالباته و"يؤسس البنات". كان يشجعهن على تفكيك الصور الجمالية والبلاغية وأيضاً على النقد ويقول "اللي عامل كتب الوزارة مش أحسن مننا في حاجة".. يا ربي كم نحتاج لاستنساخ الآلاف من مسيو جمال.. لكن.. لأنه فريد كان لابد للقاعدة أن تزيح الاستثناء، تغَير مدير المدرسة واستغنى عن خدمات المسيو. عندما التحَقت داليا بالأهرام إبدو جري قلمها سلساً بالفرنسية دون مشكلات، ومع ذلك وجدَت نفسها غير مضطرة للتعبير بالفرنسية عن مشاعرها الحميمة، هي نفسها لن تستسيغ مجاملة صديقتها بجملة فرنسية تقول "إنتِ جميلة مثل القلب" فليست كل القلوب جميلة ولا يعلم ما بها إلا الله، أما تعبير "أنتِ جميلة مثل القمر" حتى بالفرنسية فإنه يبدو لها أكثر رومانسية.. احترمتُ هذا التمايز الثقافي. أما كتابتها باللغة العربية فبدأَت بتشجيع من المثقف اليساري الراحل سامر سليمان، دعاها للكتابة عن دور جيل التسعينيات في الفن والأدب فترددَت، خافت أن تخذلها عربيتها لكنه سندها، فبدأت واستمرت وانطلقَت.
***
يا سلام على البنات كما يقول صلاح چاهين، نحن نعوّل عليكن وعلى أمثالكن في ألا تغيب أبداً أبداً النقطة عن لغتنا.. لغة الضاد، ونأمل في أنه كما تولد من أرحامكن الحياة فبكن يتجدد شباب لغتنا الجميلة .

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات