الحياة الطيبة للجميع تبدأ من الريف المتجدد - نبيل الهادي - بوابة الشروق
الثلاثاء 24 مايو 2022 8:37 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد طلب النادي الأهلي بإعادة مباراته أمام البنك الأهلي في الدوري العام؟

الحياة الطيبة للجميع تبدأ من الريف المتجدد

نشر فى : الأحد 2 يناير 2022 - 8:20 م | آخر تحديث : الأحد 2 يناير 2022 - 8:20 م
تعلمنا من التاريخ الطويل لميت رهينة أن علاقة المدينة بنهر النيل بالإضافة لمكانها الاستراتيجى هما ما ساهما فى نجاح وازدهار المدينة عبر التاريخ، ولكن ابتعاد النيل عنها نتيجة الحركة الطبيعية للنهر هو أيضا ما أسهم فى تدهور المدينة وتداعيها. وهو ما يرتبط ويؤكد ما يقوله لنا العلم من أن الطبيعة وازدهارها وعلاقتنا الصحية بها هى أساس كل ازدهار للمجتمع البشرى، وأن ما علينا أن نفعله هو أن نعمل على استعادة الطبيعة لعافيتها. يؤكد ما نعرفه عن نشأة وتطور ثم تدهور ميت رهينة ما استقر من معرفة تاريخية عن نشأة وتطور الإنسان لآلاف السنين فى أحضان الطبيعة التى قويت صلته معها لدرجة أثرت فى الأعماق النفسية للإنسان كما يخبرنا بعض العلماء، وهذه الرابطة ضرورية للوجود. هذه الضرورة هى ما تُدعمه رؤية الريف المتجدد، والتى تقع فى جوهرها استعادة الطبيعة وإيقاعاتها كجزء من الحياة اليومية للناس، واستعادة الرابط الكبير بيننا وبين الطبيعة، التى تتمثل فى مصر أساسا فى نهر النيل، ليس فقط لتأكيد ونشر الإحساس والاندهاش والانبهار وحب الطبيعة وكائناتها بما فيها الإنسان، بل لخلق طاقة كبيرة من الحب والاحترام، وربما التقديس، لتكون هى الدافع الذى لا يتوقف لتحويل هذه الرؤية إلى واقع. الحب هنا يصبح الدافع الأساسى لعمل كل ما يلزم وحشد الطاقات والموارد لوقف التدهور الخطير فى التنوع الطبيعى الذى يهدد أى تنمية وتطور حقيقى للمجتمعات.
علاقة الريف بالمدن فى مصر هى مشابهة إلى حد ما بعلاقة الدول النامية بالدول المتقدمة فى معركة التغير المناخى. وبالرغم من قلة مساهمة الريف فى مسببات التغير المناخى مقارنة بالمدن، إلا أنه الأكثر إمكانية لمساعدة المدن للتحول إلى حياة مستدامة نظرا لأن الريف بصفة عامة أكثر قربا للطبيعة من المدن. وبالتالى فإن الحلول الرئيسية التى تم تحديدها كأساس للحلول المرتكزة على الطبيعة يمكن تطبيقها بصورة أكثر فعالية فى الريف أولا. ويصبح إصلاح الموارد الأكثر أساسية وحساسية فى مواجهة كارثة التغير المناخى وتدهور التنوع الطبيعى، وهما الماء والتربة، هو الوسيلة التى يمكن من خلالها البدء بتحسين منظومة المياه.. يواجه إصلاح منظومة المياه وتحويلها عوائق عدة منها عوائق مادية، مثل السدود والقناطر والتى أدت لما يسمى بتفتت الموائل للكائنات الحية، مثل الأسماك، والذى أدى إلى تدهور نوعيات وأعداد الأسماك فى النيل، مما أثر بالطبع ليس فقط على الثروة السمكية وعلى وظائف الصيادين ولكن أيضا أثر بصورة كبيرة على جودة المياه فى النهر؛ فقد أظهرت الأبحاث أهمية الكائنات الحية فى النيل لدعم جودة المياه ومساهمتها بما يقارب ثلاثة أضعاف مساهمة النباتات البرية (مثل البردى والبوص) التى من المفترض أن تزرع على شواطئ النيل للمساهمة فى الحفاظ على جودته وأيضا لتوفير مناطق انتقالية حيوية بين الأرض والماء.
كما تصبح قضية إصلاح التربة تحديًا أساسيًا لا يمكن إهماله والاكتفاء بالادعاء بأن معظم التربة الزراعية فى الأراضى القديمة قد أصبحت مشبَّعة بالأسمدة والمبيدات، حتى وإن كان هذا حقيقيا؛ لأن مصر من أكثر دول العالم استهلاكا للأسمدة والمبيدات فى الفدان، ولكن لا يمكن أن يكون هذا داعيا للتركيز على استصلاح الأراضى الجديدة وإهمال الأراضى القديمة. لاشك أن تحدى إصلاح التربة كبير للغاية ولكن يجب مواجهته وتركيز البحوث والدراسات لإيجاد الحلول، وأزعم أن هناك بدايات للحلول. كما أن استبدال نظم الزراعة التى يسيطر فيها المحصول الواحد يجب أن تتغير لنظم أخرى تتعدد فيها الأنواع وتتكامل، وهناك أيضا بدايات جيدة للغاية فى هذا المجال، وسيساعد على هذا التحول انتشار الملكيات الصغيرة والتى لديها فرصة أكبر للتحول لمنظومة مستدامة من المزارع الكبرى.
•••
البدء بإصلاح منظومة المياه ومنظومة الغذاء من الريف سيعمل على معالجة، وفى الأغلب، حل مشكلة المياه فى مصر، نظرا لأن الزراعة تستهلك حوالى 86% من إجمالى استخدامات المياه فى مصر؛ إصلاح هذه المنظومة يضمن جودة مياه الرى، وأيضا جودة مياه الشرب لسكان القرى والمدن. وإصلاح التربة يسهم بشكل كبير فى تحسين جودة المنتجات الزراعية والتى تشكل الغالبية الأكبر لمصادر غذائنا سواء كنا فى الريف أو المدينة. وجودة المياه والغذاء ضروريان لحياة صحية للإنسان مهما كان عمره، ولهما تأثير كبير على مستوى التحصيل للتلاميذ وكفاءة العمل وجودة الحياة للجميع.
يضمن أيضا تحسين منظومة التنقل فى الريف وتوفير المنصات الرقمية التعليمية تحسينا كبيرا لجودة الحياة لسكان الريف؛ حيث يمكنهم من الوصول إلى جهات عملهم إن كانت خارج نطاق القرية، ويمكن الشباب من الذهاب للجامعة بأمان وسرعة ويسر، ويسهل أيضا لمن هم خارجها زيارتها والتعرف على المكان وأهله. أتصور أن ذلك سوف يقلل إلى حد كبير الحاجة للهجرة إلى المدينة، وأيضا يحسن من حياة سكان المدينة ويوطد علاقتهم بمكان الغذاء وأصل الحياة فى مصر.
•••
فى كتابه الحديث عن النيل يخبرنا نزار الصياد كيف أن المعرفة بالنيل وفيضانه كانت عاملا رئيسيا فى انتصار المصريين على جيوش الملك لويس التاسع فى المنصورة، ويخبرنا أن الاحتفال بالانتصار بدأ من النيل، حيث السفن التى بها الملك الأسير قبل أن ينتقل الاحتفال للطرقات. يعيدنا هذا إلى إحدى القضايا الرئيسية فى تجدد الريف، وأيضا المدن فى مصر، وهى المعرفة والبيانات اللازمة حتى تكون دقيقة وحقيقية وليست مزيفة والتى أتمنى أن تتناولها الجهات المختلفة فى مصر بصورة جادة للغاية، إذ بدون تلك المعرفة لا أمل حقيقيا.
المنطقى إذًا أن يبدأ الإصلاح والتحول للازدهار من حيث بدأت الحضارة، أى من الريف، لضمان الاستدامة والاستقرار للجميع. وما أراه لافتا فى دراستنا لميت رهينة القرية أنها كانت على الأرجح مكان عاصمة مصر الأولى، ممفيس، حيث وجد المعبدالعظيم «حت كا بتاح» بمعنى «قصر كا بتاح»، أحد أبرز معالم تلك المدينة، ومازالت بعض بقاياه موجودة اليوم ويمكن زيارتها. يسود الاعتقاد بين بعض المؤرخين أن اسم هذا المعبد، المكتوب باليونانية باسم إيجيبتوس من قبل المؤرخ مانيتون، هو الأصل الاشتقاقى للاسم الإنجليزى الحديث «إيجيبت» أى مصر التى نعرفها الآن.. هل هذه مصادفة؟
التعليقات