الخيال السياسى وعلامات الأزمنة - إكرام لمعي - بوابة الشروق
السبت 22 يناير 2022 7:30 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


الخيال السياسى وعلامات الأزمنة

نشر فى : الأربعاء 2 فبراير 2011 - 5:22 م | آخر تحديث : الأربعاء 2 فبراير 2011 - 5:22 م

 رغم أن كل الإرهاصات كانت توضح أن هناك ثورة شعبية قادمة، إلا أنه وضح وكأن الدولة فوجئت بالمظاهرات التى خرجت تنادى بالإصلاح السياسى من ديمقراطية حقيقة ومساواة أمام القانون ونمو اقتصادى، والغريب أن الحزب الوطنى تحدث كثيرا عن الإصلاح بل كانت له المبادرة فى ذلك وقام الرئيس مبارك بافتتاح مؤتمر الإصلاح عام 2005 بمكتبة الاسكندرية، وعقدت ندوات فى الحزب تتحدث عن التغيير وأهميته بل وضرورته، لكن لم يكن هناك ـ للأسف ـ أى تحرك على الأرض، بل أثبتت انتخابات مجلس الشعب الأخيرة أن الاتجاه العملى نحو العكس أى ضد إعطاء أية فرصة للإصلاح أو التغيير وإذا دل ذلك على شىء فإنما يدل على أن القيادة لم تعد لديها الخيال السياسى الذى يعنى قراءة المستقبل ومعطياته ثم تقوم باستباق الزمن، وهو ما ذكرنى بحدث عن جماعة من علماء الأرصاد جاءوا إلى السيد المسيح وطلبوا منه أن يقوم بمعجزة أمامهم لكى يؤمنوا به كنبى وقائد دينى وسياسى لليهود، وهنا أجابهم السيد المسيح بقوله: «تعرفون أن تميزوا وجه السماء أما علامات الأزمنة فلا تستطيعون» المعنى هنا أنه بحكم اختصاصهم يستطيعون أن يلاحظوا السماء ويتنبأوا بالطقس القادم سواء كان مطرا أو رعدا أم جفافا وصقيعا، لكنهم رغم علمهم هذا هم غير قادرين على التنبؤ بالأحداث السياسية القادمة ولا معطيات الزمن القادم فى ذلك الوقت كان السيد المسيح قادما لكى يعلن أن الله الذى يعبده اليهود «يهوه» هو إله العالم كله وليس حكرا على اليهود، وأن الفكر اليهودى بأنهم شعب الله المختار وهم الوحيدون الذين يملكون الحقيقة المطلقة تجاوزا العصر، فقد كانت الامبراطورية الرومانية تفرد أجنحتها على العالم وقد أشاعت نوعا من العولمة بالجنسية الرومانية واللغة اليونانية والقانون الرومانى وبذلك كان طلبهم المعجزة إشارة إلى أنهم مازالوا أسرى لفكر قديم سقيم، ولو كانوا استخدموا أسلوبهم العلمى من رصد الظواهر الجوية والتنبؤ بما هو قادم فى أن يرصدوا علامات الزمن القادم لأدركوا معطايته لكن بعدم قدرتهم على ذلك جاء الوقت الذى فيه دمر القائد الرومانى بومبى أورشليم «القدس» عام 70 ميلادية وتشتت اليهود فى كل العالم لأن قادتها وعلماءها وسياسيها لم يكن لديهم الخيال السياسى ليميزوا علامات الزمان القادم، وهو ما حدث بالضبط مع قيادات الحزب الوطنى ووزارته التى شكلت من الأكاديميين ورجال الأعمال الذين يستخدمون أدوات العصر من تويترز والفيس بوك.. إلخ، لكنهم استخدموا هذه الأدوات التى تشير إلى المستقبل لكى يؤكدوا بها الماضى ويعلنوا انفصالهم عن الزمن القادم فاستطاعوا أن ينجحوا فى انتخابات مجلس الشعب بنسبة 97٪، وهم لا يدركون أنهم يتراجعون للخلف أمام جحاف من الشباب المصرى الجالس على الكمبيوتر ليل نهار، فليس هم فقط القادرون على استخدام أدوات العولمة بل إن الجيل المصرى الجديد استطاع من خلال الشبكة الالكترونية أن يثقف نفسه بنفسه وأن يتواصل مع شباب جيله المختلف معه دينيا وثقافيا واجتماعيا وحدثت بينهم حوارات عن الانتماء للوطن انكشف فيه المتعصبون من المسلمين والمسيحيين والأيديولوجيين ووضح من الحوار أن جيلا جديدا مصريا أصيلا فاهما وواعيا بالزمن القادم يتشكل بقوة ورسوخ، بل إن هذا الجيل اطلع خلال الانترنت على تجارب الشعوب الأخرى وأقام علاقات مع شباب العالم كله وأدرك معنى الديمقراطية الحقيقية والرخاء من ناحية والديكتاتورية والقمع من الناحية الأخرى أما حكامهم الذين استخدموا نفس الأدوات فقد ظنوا أن هؤلاء مازالوا صغارا وأنهم يتعاملون مع الجيل الأكبر منهم الذى تتكون منهم نسبة عالية من المتعلمين الأمين والذين يركضون خلف لقمة العيش، ومصادر ثقافتهم مسلسلات التليفزيون وخطب الأئمة والقساوسة الذين هم من نفس الجيل المسطح والمتعصب وبالطبع هؤلاء من المستحيل أن يثوروا، بل هم غير قادرين على التعبير عن أنفسهم، وهكذا استهان حكام البلد بهؤلاء الأطفال وكان هذا هو الخطأ الأكبر ذلك لأنه من علامات الزمن القادم صعود جيل من هذه النوعية من البشر وبالعودة إلى أحد أعظم مفكرى الثورة الفرنسية «مونتسكيو» الذى قسم الأنظمة السياسية إلى ثالث لا رابع لها: الديكتاتورية وعامل استمرارها الخوف أى خوف الجماهير من الثورة والاعتراض ولذلك على الديكتاتور أن يعمق وجود الخوف فى شعبه ويجعله متمكنا من قلوب وعقول الجماهير وذلك من خلال حراسه وجنوده الذين يقومون بحمايته ويقمعون كل من تسول له نفسه أن يعترض وهو يمسك بزمام الأمور لكنه فى نفس الوقت يترك الشعب فى معظمه يلهو بكل ما يقدم إليه من حرية كسر بعض القوانين مثل قوانين المرور، البقاء للأقوى وليس للأصلح والثروات غير المشروعة.. إلخ وكل هؤلاء يضمنون استمرار الديكتاتور فماذا يريد الإنسان الحر أكثر من أن يتلهى ويكسر القوانين ويفعل ما يشاء؟


أما النظام الآخر فهو النظام الملكى وعامل استمراره هو الإجلال أى احترام العائلة المالكة بكل تقاليدها من بروتوكول منضبط واتيكيت يتحلى به الأمراء والأميرات وتبدو الأسرة المالكة وكأنها من طينة أخرى غير طينة الشعب وهذا النموذج من الملكيات الحاكمة سقط فى معظم أنحاء العالم ولم تبق منه سوى بعض الملكيات غير الحاكمة التى تقدم نموذجا للأصالة والتاريخ لكن فى شرقنا السعيد مازال هناك ملوك ورؤساء يقدم لهم الإجلال وتقبيل الأيادى.


أما النظام الأخير فهو النظام الديمقراطى وعامل استمراره هو المساواة والحرية والوعى الجماهيرى ولكى يستمر النظام الديمقراطى لابد أن تتمتع الجماهير بالوعى حتى تستمتع بالحرية المتاحة لها فى اختيار حكامها وإبداء آرائهم بلا خوف ولقد تابعت منذ شهور على الشبكة العنكبوتية حوارا رائعا بين مجموعة من الشباب تحت عنوان «إيه النظام؟!» وبالطبع هذه الجملة نقولها عندما تتم بعض الأحداث أمامنا ليس لها ضابط أو رابط وغير مفهومة فنسخر بالقول: «إيه يا جماعة؟! إيه النظام؟!»


لكن هذا العنوان كان إشارة للنظام الحاكم فى مصر فبالرجوع إلى «مونتسكيو» لم يجد هؤلاء الشباب أن النظام الذى يحكمهم ينطبق على أى نظام من الثلاثة فهو ديكتاتورى يقوم على الأمن ويعتمد على الخوف وهو ملكى لأنه يصمم على احترامه وإجلاله وهو منعزل عن الجماهير وهو ديمقراطى لأنه يسمح بانتخابات وحرية الصحافة والإعلام، وفى النهاية اتفق المتحاورون على أن النظام ديكتاتورى يعتمد فى بقائه على خوف الجماهير وعدم وعيهم، فقاموا بكسر حاجز الخوف.


وهكذا ترى عزيزى القارئ أننا نقف أمام جيل جديد واع استطاع أن ينتفض وواجه قياداته من حيث لا تحتسب ذلك لأن هذه القيادات لم تتوافر لديها الخيال السياسى ليميزوا علامات الأزمنة، ولكن فى مواجهة ثورة هؤلاء الشباب استطاع مبارك من خلال تكليفه للوزارة تعديل الدستور وأظنه يقصد المواد 76 و77 والتأكيد على المواطنة وتشريعات محددة واضحة والحوار مع جميع قوى المعارضة وأرجو أن يكون هؤلاء الشباب هم الجزء الأهم فى الحوار لأنه لا توجد لدينا معارضة قوية أو لها قاعدة شعبية وهكذا نكون قد وضعنا أقدامنا على أرضية الزمن القادم.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات