فى السياسة الأمريكية، هناك خمسة أشخاص يعرفون باسم «الأعمدة» أو «الكبار»: الرئيس، نائب الرئيس، وزير الدفاع، وزير الخارجية، مستشار الأمن القومى (فى الإدارة الحالية، هما حاليا نفس الشخص، ماركو روبيو).
جلسوا جميعًا فى «غرفة تقدير الموقف» بالبيت الأبيض قبل يومين. كانوا قد تسلموا قبل حضورهم التقارير السرية المكتوبة من وكالة المخابرات الأمريكية ومجلس الاستخبارات القومية التابع لوزارة الدفاع.
كأنها وجبة برجر سريعة على الطريقة الأمريكية، تم عرض كل التقارير فى إيجازات وملخصات مقتضبة بعد تحديثها، حتى يمكن مناقشة الخيارات المتاحة والجاهزة مسبقًا فى قائمة كى يختار الرئيس منها.
تم التنسيق مع إسرائيل وتحديد الأدوار، اكتملت قوة النار، ووصلت المعدات المطلوبة إلى أماكنها المحددة، ولا يحتاج تفعيلها إلا تلقى الأمر.
• • •
على الجانب الآخر، لا يملك القادة الإيرانيون رفاهية الاجتماع معًا فى مكان واحد.
فعلوها مسبقًا فى حرب الإثنى عشر يومًا، فتم اقتناص القادة الكبار إلا قليلًا.
يمتلكون القوة الكافية لإزعاج الولايات المتحدة وإخافة إسرائيل. لديهم عقيدة ثابتة بغض النظر عن موقف أى طرف منها، ومع العقيدة، مخزون الصبر القديم الممتد كما الزمن نفسه.
يمتلكون كل ذلك، لكن تبقى خياراتهم محدودة بما فى ذلك الجلوس فى اجتماع واحد.
كانت الوفود قد جلست تتفاوض حتى اللحظات الأخيرة، لكنهم جميعًا يعلمون أن أوراق وملفات النقاش ستتحول سريعًا إلى قذائف وصواريخ ونار فى السماء.
سيستمر هذا الوضع لبعض الوقت، وسيستهلك العالم سيلًا من المعلومات والتسريبات والصور والتحليلات، وكلها ستدور فى سياق المشهد أعلاه. خيارات تدميرية لا محدودة، فى مواجهة خيارات أقل لكنها مؤلمة.
• • •
هكذا بدأت كل حرب أمريكية بعد الحرب العالمية الثانية: فيتنام، الصومال، أفغانستان، العراق، إيران. بدأت فى غرفة تقدير الموقف فى البيت الأبيض، وقد ظن «الكبار» أن الموقف تحت السيطرة. حددوا دائمًا موعد البداية، ولم يعرفوا أبدًا كيف تكون النهاية.
لم يعرف بيل كلينتون أن مشهد طيار المسحوب من حطام الأباتشى عام 1993 سيكون عنوان خروج مُذل من الصومال.
لم يعرف أى من «الكبار» فى إدارات بوش الابن وأوباما وترامب وبايدن متى تحين اللحظة المناسبة للخروج من أفغانستان.
تم تسوية البلد بالأرض، ولم يكن هناك ما يمكن ترويجه نصرًا أو أهدافًا تحققت. فكان الخروج مشهدًا مُذلًا، والطائرات تلتقط الفارين من كابول، تمامًا كما حدث بعد سقوط سايغون، ومحاولة إخراج الرهائن من السفارة فى طهران عام 79.
نفس المشاهد بعد ذلك فى العراق.
ما يتم تداوله فى غرفة تقدير الموقف من معلومات وبدائل يختلف عن الواقع وتفاصيله.
الإمبراطورية الأمريكية لا تهتم كثيرًا بالخسائر المعنوية. الأرقام هى ما تخشاه، إذا كانت الخسائر رقماً لا تتحمله ولا يقبله الرأى العام من جثامين، أو أسهم البورصة، أو أسعار الطاقة.
ولا تميل كذلك إلى التعلم من التجارب السابقة، ولا تعتقد أنها تحتاج أساسًا لذلك.
قوتها الهائلة تمنحها حصانة ومناعة وقدرة على امتصاص الصدمات.
• • •
هكذا ظن جورج بوش الابن أنهم سيعرضون عليه خلال وجوده فى غرفة تقدير الموقف صور الجماهير الهادرة المرحبة فى العراق.
مرت ثلاثة وعشرون عامًا حتى جاء ترامب إلى نفس الغرفة، ثم أطلق رسالته للإيرانيين بأن المساعدة فى الطريق، وعندما دقت الساعة، لم يخرج أحد.
كلما عاد صديقه ويتكوڤ بعد جلسة تفاوض، عبر له عن دهشته:
«لماذا لا يستسلمون؟ كل هذه القوة على خط الساحل أمامهم، وتحيط بهم، ولم يستسلموا بعد!!».
لم تقدم له غرفة تقدير الموقف تفسيرًا أو شرحًا لأصحاب هذه الثقافة الغريبة عليه.
ثقافة تصبح أكثر شراسة إذا ما كان الظهر للحائط، والمعركة قد تكون الأخيرة. ثقافة ترى أن الصمود وكسب الوقت، ثم الخروج من المشهد بالأنفاس المترددة فى جسد النظام، ستكون كافية لإعلان الانتصار.
لماذا يمنحوه كل شىء على طاولة التفاوض، والحرب آتية لا ريب فيها.
• • •
المشهد قوى وكبير. السلاح الجديد سيتم اختباره، وستتجدد رسالة القوة الأمريكية للقاصى والدانى. وسيعرف العالم أن ساكن البيت الأبيض لم يتراجع كما قالوا عنه من قبل.
سيرتفع سعر النفط والذهب، وسيتأثر الدولار واليورو، وستتوالى كل المشاهد كما تعودناها دائمًا.
بعد عدة أسابيع، ولو كتبت النجاة للمرشد الأعلى، سيتسرب التململ للرأى العام الأمريكى، وستتأثر الأرقام أكثر، ومع اقتراب انتخابات الكونجرس، قد ينجح آيات الله فى تحسين بعض الشروط.
أما إذا انكشف النظام الإيرانى وسقط، فسيكون الفراغ طاغيًا كمساحة الفراغ الهائل الذى تتركه القنابل النووية. ستغرق إيران وتردد توابع التسونامى فى الأنحاء، والانتصار الأمريكى سيبقى فى أفضل الأحوال منقوصًا.
سيعاقب الأمريكيون رجلهم العجوز ويحرمونه من مقاعد الكونجرس، وسيخرج من المشهد فى موعده المحدد، تمامًا بنفس أخطاء من سبقوه. نفس ما قاله مسجلاً على أوباما وبايدن وبوش، سيقوله آخرون عليه.
كل المشاهد على دلالاتها قديمة ومتكررة.
كلها مرت فى غرفة تقدير الموقف، الذى لم توفق فى تقديره إلا استثناء نادر.