يحمل الرأس والعنق، ثم يمتد موصلًا بين النصف الأعلى من الجسم ونصفه الأسفل. يوفر مركز اتزان الجسم فى كل وضع حركى من يوم الحضور الأول إلى يوم الاستدعاء الأخير.
وليس هذا دوره الوحيد، فهو حامى مسار الإشارات الكهربائية والنبضات المترددة عبر الحبل الشوكى والجهاز العصبى لكل أجزاء الجسم وأعضائه.
إذا أُصيب بأى خلل أو توترت علاقات فقراته ببعضها البعض، خسر الجسد استقامته واتزانه، اعوج الظهر ومالت الأكتاف. بدأت الخطوات فى الترنح، وصرخ الجسد ألمًا فى حركته وسكونه.
فهمت وظائف العمود الفقرى عندما هاجمتنى منذ سنوات طويلة آلام الظهر، فسمعت حكيم حكماء طب العظم د. حازم عبد العظيم محذرًا من مخاطر عدم الانتباه لإشارات الفقرات المرهقة، واستسلمت لكل ما أصدره هو والعالم الحكيم د. ياسر المليجى من تعليمات لتفادى الألم وترويضه.
وكل ما سبق مهارات ساكنة لا يتم تفعيلها وتوظيفها إلا بقدر من التدريب والمساندة فى سنوات العمر الأولى.
• • •
فى مراحل العمر المبكرة، تضع الأم يدها على ظهر الابن أو الابنة، تدعم استقامة حركته، وتحمى محاولات الاتزان فى عالمه الجديد.
لابد وأن هذا ما فعلته معى فى هذه الطرقة الضيقة التى لا تتجاوز الأمتار الخمسة طولًا. بدت لى هذه الطرقة وكأنها ممر طويل لا يربط فقط بين غرفتى النوم وبين صالة الاستقبال والسفرة والمكتب المحاط بالكتب من ثلاثة اتجاهات، بل يصل بين عالمى المحدود بمقاييس المساحات وبين عالم آخر أكبر.
مع العمر، استقام العود الأخضر واشتد كما كان يحب أن يصفنى العم والخال عبد الرحمن الأبنودى رحمه الله بسببها.
وبسبب معاصرته بدايات قصتهما معًا، كان كلما التقانى منفردًا حكى لى عن فضلها على وعلى أبى: «الست والدتك دى هى اللى عملتك بنى آدم. مش ح تعرف أبدًا إزاى روضت أبوك بحبها ورضاه. أصلنا كلنا كنا عيدان خضرا ومايلة، وقفت وشدّت بأمهاتنا».
كان هو فوضى على قدمين حتى شعر بالإنهاك، وقال له صديقه التشكيلى العظيم الراحل يوسف فرانسيس إنها الشابة القادرة على إعادة ترتيب حياته. وبالفعل، هى فى المقابل بوصلة بشرية ضمنت له النجاة، ثم واصلت نفس الدور ليشملنا جميعًا بعد ذلك حتى لا يضل الطريق أحد.
كانت فعلًا عمودًا فقريًا معنويًا مستقلًا لكل منا، وجماعيًا للأسرة التى تشكلت وصممت لها شكل الحياة.
تمتد مستقيمة، تحقق الاتزان وتحمى الحبل الشوكى وجهازه العصبى بفقرات مترابطة غير مرئية. لها رأى فى كل شأن خاص أو عام. هادئة وصامتة فى دعمها أغلب الأوقات. مشاعرها هادرة وانفعالها مكتوم، فلا تنفجر إلا فيما ندر من مواقف مصيرية تستحق الانفجار وإعلان الموقف والحسم.
معاييرها دائمًا ظاهرة وواضحة، لا لبس فيها، ولا مكان للمناورة فى كل ما هو حق وكل ما هو باطل.
«إذا أخطأت، لا تخدع نفسك. اعترف بالخطأ، وحتى لو تمسكت به، فهو اختيارك وعليك تحمل توابعه. مش ح تسمع منى حاجة ثانية، وأنت حر بقى». هكذا كانت تقول لى المهندسة المعمارية صاحبة الخطوط المستقيمة دائمًا، عند طلب رأيها بشكل مباشر، أو عندما تلمس هى حيرة أحاول إخفائها.
تسمية الأمور بأسمائها هى فى أى وقت وتحت أى ظرف أضعف إيمانها.
• • •
صحيح أن العود الأخضر استقام ونضج، وصحيح أنه بدوره أصبح سندًا لعيدان جديدة بدأت تنمو وتزدهر، إلا أن ذلك لم يمنع مشاعر هذا اليوم من سنوات أربعة بالتمام والكمال.
كان يومًا منظورًا ومتوقعًا، إلا أننى فور مجيئه، وجدتنى وكأنى فى عرض الطريق فى عالم مفتوح بلا خطوط ترشد ولا اتجاه يلوح عن بُعد. لأول مرة لم يعد هناك عمود فقرى يصلب الطول، ويحقق الاتزان.
لا ملاذ آمن بعد هذا اليوم يمكن الاحتماء به ولو مؤقتًا. فقدت الاتزان الذى وفرته هى فعليًا ومعنويًا على امتداد واحد وخمسين عامًا.
كان ذلك يوم رحلت أمى المهندسة المعمارية شريدان أحمد ذوالفقار، التى صممت ورسمت شكل الحياة كما نعرفه.
• • •
ألمح أحيانًا فى حفيدتك الوسطى بعضًا من حنانك الممزوج بالحدة والوضوح. إما أن تدعم فى صمت، أو تعبر عن موقفها بخطوط حاسمة. هى مثلك واخترت مهنة قريبة من مهنتك، اختارت التصميم، وحتمًا ستنتقل فى لحظة ما، فترسم خطوطًا وتسند أعوادها الخاصة وتمنحها الاتزان المنشود.
أعلم أنك أكملت دورك على أكمل وجه ممكن، وأن السنوات مرت، وأن ظهرى قد تعود الانحناء بحثًا عن نقطة الارتكاز والاتزان فى غيابك، لكنى أتكيف وأحاول تقديم العون لبقية العيدان اليافعة كما فعلتِ بقدر استطاعتى.
أعلم كذلك أن افتقادى لك أمًا وصديقةً وسندًا ما زال حاضرًا، لم أنجح فى احتواءه لكنى أتعايش معه وأحاول معادلة توازن كنت أنتِ مصدره.
قبلاتى تسبقنى لك.