تحرير أسعار الوقود.. أعراض ظاهرية وأزمة خفية - عاصم أبو حطب - بوابة الشروق
الجمعة 1 يوليه 2022 3:47 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

تحرير أسعار الوقود.. أعراض ظاهرية وأزمة خفية

نشر فى : الأحد 2 يوليه 2017 - 9:40 م | آخر تحديث : الأحد 2 يوليه 2017 - 9:40 م

لم تكد تمر سبعة أشهر على زيادة أسعار الوقود، التى أعقبت تحرير سعر صرف الجنيه فى نوفمبر 2016، حتى أقرت الحكومة زيادات جديدة تجاوزت نسبتها 55% بالنسبة لبنزين 80 والسولار، وحوالى 43% بالنسبة لبنزين 92، إلى جانب مضاعفة سعر أسطوانة الغاز. وقد تركزت تعليقات المواطنين عبر مواقع التواصل الاجتماعى وتحليلات الخبراء على حساب نسب الزيادة التى طرأت على أسعار كل من هذه المنتجات، ومقارنتها بمستويات أسعارها فى ظل الحكومات والأنظمة المختلفة التى توالت على حكم مصر بعد ثورة 25 يناير. وفى تقديرى، فإن هذه التعليقات والتحليلات تظل مجرد توصيف لأعراض سطحية تخفى فى أعماقها أزمة معقدة ومزمنة يعانى منها الاقتصاد المصرى. ومن ثم، فلا ينبغى أن تغفلنا هذه الزيادات السعرية الراهنة عن تشخيص الأزمة بجوهرها الحقيقى وحجمها الطبيعى، وهو ما سيتم استعراض بعض جوانبه فى النقاط التالية:
أولا: إن التضخم سنة من سنن الاقتصاد النقدى الذى عرفه العالم على مدى قرون منذ نشأة النقود واستخدامها كأداة للتبادل. وبقدر قدم هذه الظاهرة، بقدر ما قدمتها النظرية الاقتصادية من تفسيرات لأسبابها وأساليب وآليات للتعامل معها. وليس هذا بمقام للدخول فى هذه التفاصيل، ولا يضرك أنت ــ كمواطن ــ أن تتضخم أسعار المنتجات البترولية ــ أو غيرها ــ طالما امتلكت الحكومة سياسةً واضحةً لصيانة الدخول الحقيقية من التآكل وحماية الطبقات الفقيرة من نيران التضخم. ولتقريب الصورة، فساستخدم نفس المثال الذى يستشهد به مؤيدو إجراءات الحكومة المتعلقة بتحرير أسعار المنتجات البترولية، فهم يقولون ضلالا أو إضلالا أن أسعار البنزين ــ مثلا ــ فى بعض الدول تصل إلى ما يعادل 30 جنيها مصريا للتر، ورغم ذلك يتقبل مواطنو تلك الدول هذه المستويات السعرية بلا سخط ولا غضب. والحقيقة التى يغفلها هؤلاء فى هذا السياق هى أن لدى حكومات هذه الدول نظم اقتصادية محكمة تضمن النمو الموازى للدخول الحقيقية للأفراد، وسياسات ضريبية تحقق العدالة الاجتماعية، وشبكات حماية اجتماعية فعالة لحماية ذوى الدخول المحدودة. علاوةً على ذلك، فإن هذه الدول توفر لمواطنيها وسائل نقل عام آدمية ومريحة وبأسعار مقبولة؛ تجعل الكثيرين لا يقبلون على استخدام وسائل النقل الخاصة من الأساس.
ثانيا: إن الثقة ــ كما يقول الفيلسوف الإنجليزى توماس هوبز ــ هى الأساس الذى تنبنى عليه العلاقة بين طرفى العقد الاجتماعى (المواطن والحكومة). ولا شك أن هذه الأزمة التى نحن بصددها تمثل ضربة قاتلة فى صميم علاقة الثقة ــ المهتزة أساسا ــ بين الدولة والمواطن. ففى يوم الأربعاء الموافق 13 أبريل من العام الماضى، وعد السيسى فى لقاء متلفز حضره ممثلو الشعب المصرى بعدم رفع أسعار السلع الأساسية، قائلًا نصا: «الدولة تنطلق فى كل الاتجاهات وعيننا على الإنسان المصرى البسيط اللى ظروفه صعبة».، ثم أكد «لن يحدث تصعيد فى أسعار السلع الأساسية مهما حدث لسعر الدولار، ومش هيحصل حاجة للدولار.. وهذا وعد إن شاء الله».. والأدهى من ذلك، أن وزير البترول ــ المسئول الحكومى الأساسى عن هذا القطاع ــ صرح عصر يوم الأربعاء الموافق 28 يونيو، عقب اجتماعه برئيس مجلس الوزراء، أنه «لم يتحدد حتى الآن موعد الزيادة الجديدة لأسعار البنزين والمواد البترولية»، ثم أردف «لسه مقررناش هنرفع أسعار البنزين إمتى». ولم تكد تمر عدة ساعات قليلة حتى فوجئ المواطنون بقرار الحكومة برفع أسعار الوقود!. إن القضية الآن لا شك أكبر من مجرد رفع أسعار سلع أساسية؛ فهى تضعنا أمام أسئلة خطيرة ومخاوف بالغة حول الأسلوب الذى يدار به الاقتصاد المصرى. فنحن هنا أمام سيناريوهين كلاهما مؤسف ومقلق: أولهما، أن أجهزة الدولة المعنية بالقطاع لم تكن على علم ودراية بقرار رفع أسعار المحروقات حتى قبل سويعات من الاعلان عنه. وهذا يعكس حالة من غياب التخطيط الحكومى، وعشوائية الإدارة الاقتصادية، والتخبط وعدم التنسيق بين أعضاء الجسد الحكومى. أما السيناريو الثانى، فيتمثل فى أن تكون الحكومة قد قامرت بمصداقيتها وغامرت بثقة المواطنين بها ووعدت بما لم تف به. إن الحكومات ــ كما قلنا ــ تستمد شرعيتها من ثقة المواطن، وهذه الثقة تقتضى أن تنظر الحكومة للمواطن «كشريك» تكاشفه وتصارحه وتشركه فى تخطيط وتنفيذ برامجها، ولا يصح أو يعقل أن تتعامل الحكومة مع مواطنيها بمنطق «التاجر» فيصبح هو فى نظرها مجرد «منتفع» بخدماتها، وتصبح هى بنظره مجرد «جابى» للضرائب و«سالب» للمقدرات. إن تراجع ثقة المواطن فى الدولة لا شك أمر خطير، وإعادة بنائها أمر عسير، وتأصل هذه المشاعر السلبية فى أذهان المواطنين وتشوه مفاهيم علاقتهم مع الحكومة يمثل تهديدا حقيقيا كفيل بهدم مصداقية الحكومة وإضعاف الانتماء الوطنى وإجهاض جهود الإصلاح والتنمية.
***
ثالثا: أما وقد ناقشنا مسألة التخبط وغياب التخطيط المسبق ــ وربما عدم علم المعنيين من الأساس ــ الذى صاحب إقرار هذه الزيادات فى أسعار الوقود، فإننا أمام مسألة أخرى لا تقل خطورةً عن سابقتها وهى تتعلق بمصير المتحصلات التى ستجنيها الدولة من تخفيض دعم المحروقات، والتى قدرتها الحكومة بحوالى 35 مليار جنيه، حيث سينخفض دعم الوقود فى الموازنة الجديدة من 145 إلى 110 مليارات جنيه. فمن الطبيعى عندما تتخذ الدول قرارات ذات تأثيرات اقتصادية واجتماعية واسعة المدى ــ كالتى نحن بصددها ــ أن تطرح على مواطنيها رؤيةً واضحةً وخطةً دقيقةً للكيفية التى سيتم بها الاستفادة من حصيلة هذه القرارات والقنوات التنموية التى سيتم توجيه عائدات هذه الوفورات لها. وحتى الآن، لا تزال هذه الأمور غائبةً تماما عن تصريحات وبيانات الحكومة. إن هذا يجعلنا نتكهن ــ إن أحسنا الظن ــ بأن هذه الوفورات المالية سيتم توجيهها لخفض عجز الموازنة وتقليص حجم الدين بالنسبة للناتج القومى، وهو الهدف الذى يبدو محور الاصلاحات الاقتصادية الحالية للحكومة. ومع إقرارنا الكامل بخطورة وحتمية معالجة عجز الموازنة والدين العام، فإنه من الإجحاف الشديد أن تتخلى الحكومة عن دورها الرئيس كمنظم للاقتصاد وصانع للسياسات، وأن تكتفى بتمويل «عجزها» من خلال رفع أسعار السلع الأساسية وتحميل المواطنين تكلفة وتبعات ذلك كليةً فى ظل افتقار قراراتها الاقتصادية لخطط موازية لكيفية حماية المتضررين من أثر هذه القرارات. إن المبدأ الذى أريد تأصيله هنا هو أن عجز الموازنة العامة للدولة هو حصاد السياسات الاقتصادية للحكومة، والتضخم هو مشكلة الحكومة قبل أن يكون مشكلة للمواطنين، ولذلك فعلى الحكومة أن تتحمل نتائج سياساتها، لا أن تحملها كاملة وكليةً للمواطنين من خلال إحداث موجات تضخمية متتالية تقتطع بها من دخول وأقوات المواطنين لتمويل عجزها وتحقيق أهداف برنامجها للإصلاح الاقتصادى.
***
باختصار شديد؛ إن هذه الزيادة التى شهدتها أسعار الوقود ــ وستشهدها سلع أخرى قريبا ــ ليست إلا قشرةً تخفى أسفلها أزمةً حقيقيةً أكثر عمقا وأشد تعقيدا تتمثل فى حالة فريدة فى الإدارة الاقتصادية لحكومتنا تجمع بين غياب التخطيط القبلى وافتقاد الرؤية البعدية للقرارات الاقتصادية. هذا ما يجب حقا أن يشغلك ويؤسفك ويقلقك كمواطن؛ وليس مجرد ارتفاع الأسعار.

عاصم أبو حطب أستاذ مساعد بقسم الاقتصاد بالجامعة السويدية للعلوم الزراعية
التعليقات