الوطن فى حبة لؤلؤ - خولة مطر - بوابة الشروق
الجمعة 30 يوليه 2021 9:07 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع أن تكسر مصر رقمها التاريخي بتحقيق أكثر من 5 ميداليات أوليمبية في أولمبياد طوكيو؟

الوطن فى حبة لؤلؤ

نشر فى : الإثنين 2 نوفمبر 2015 - 9:45 ص | آخر تحديث : الإثنين 2 نوفمبر 2015 - 9:45 ص

أن يتجسد الوطن فى حبة لـؤلؤة هو أمر قد لا يعرفه سوى الكثير من البحرينيات، أن يبقى الوطن مخزن فى تلك الحبة البيضاء بتلاوينها المتنوعة قد يكون امر لا يستوعبه غير اهل تلك الجزيرة التى غاص تاريخها فى قاع البحر وتغمد رجالها بملحه وعادوا ليمنحوا للنساء، ليس النساء الناطرات عند الشواطئ المتعبة لعودة الرجال بعد الرحلة الشاقة، بل كل نساء المدن العامرة بلآلئها الا هذه اللؤلؤة النادرة.
يبقى الوطن مخزن فيها منذ ان تفتح الفتاة عينيها على عالم انوثتها الذى لفه السواد أخيرا فأغلق عليه كل جناته.. لم ادرك قيمتها فى البدء ربما ككل الفتيات الصغيرات الباحثات عن الجديد لا عن التقليدى، لم ادرك معنى ان تخبئ امى عقدا لكل واحدة منا.. ان تضعه فى قماش من القطيفة وتلفه بكثير من الحب والخوف على ان تكبر الصغيرتان دون عقد من اللؤلؤ البحرينى.. حينها كان العالم اوسع من حبة اللؤلؤ رغم ان العائلة كل العائلة تعيش مع اللؤلؤ حتى اصبح جزءا من حياتها اليومية.. كم استغربت عندما كان بعض اعمامى المولعين به يحملون الأثمن منه فى جيوب ثوبهم البحرينى الاصيل.. كم قيل ان هنا كانت ترسو السفن العائدة تسبقها اصوات الغواويص المتناغمة مع موجات البحر الصافى. البحر الذى كان يحبل باللالئ فى بطنه الأكثر حلاوة ويبقى الحبة حتى تنضج ثم يأتى احد العشاق ليسابق عمق البحر وموجاته فيقطفها.
كان الرجال يتسابقون من منهم يحصل مهره حبة لؤلؤة لحبيبة تحدث رمل الشاطئ وموجه وتهمس فى الصدفة «اعدى إلى الحبيب» فالبحر كما كان يقول الاولون غدار وليس له امان رغم ان هؤلاء الرجال السمر قد خبروه وعرفوه اكثر من باطن يدهم.. تحلم الفتاة بحبة لؤلؤ والمعشوق عائد وقليل من يحلمن بعقود اللؤلؤ.
ربما كل على قدر امكاناته وكل على درجة عشقه.. ستة أشهر يرحل فيها الرجال بعيدا يقتاتون على اسماك بحر الخليج الصافى حينها وبعض من التمر وكثير من المواويل والليل والقمر بدر ينير لهم طريقهم الصعب.
***
لم نكن حينها قد عرفنا كارتيير الشهير بمجوهراته باهظة الثمن الا عندما سرق النفط حلاوة ايام اللؤلؤ النقية كحباته وتحولت الرمال والصحراء إلى مصدر للرزق خالٍ من الجمال حتما فتكاثر القبح علينا ونمت مدن الاسمنت العاصية على المحبة والتى اطفأت كل ذاك البريق القادم من لؤلؤ كان ولم يبق منه الا القليل.. تصطف النساء بملابسهن الملونة ــ لم يكن للسواد مكان فى ازماننا الجميلة ــ كقوس قزح كن ينتظرن السفن القادمة أو نسمة تنقل صوت الحبيب من بين اصوات المئات من المرددين «هى يامال هى يامال» ومجدفين سريعا يسابقون النوارس الحارسة لهم ليحتضنهم شاطئ الجزيرة الساكنة وعيون يلمؤها الوله وكلام كثير خزنته الايام الخالية فى دهاليز البيوت العتيقة.
جلست هى من بعيد تراقب العائدين من شرفتها الواسعة و«تتكبع» بثوبها ناصع البياض.. رقص الموج تحت جدران منزلها وداعبت الامواج حجره حجرة حجرة.. وهى تتوسد فرحتها بالعائد.. عاد هذا البيت أخيرا نفضوا عنه كثيرا من التراب بيد ناعمة حتى لا تطير الذكريات معها، حتى تبقى كل ضحكة وكل تنهيدة مزينة جدرانها الواقفة المتنصبة عند تلك التى كانت مدخل للمدينة العريقة.. لا يزال البيت يحكى قصص اللؤلؤ المعتق فى قلوب العاشقين وجيد تلك المرأة التى تتحسسه وكأنها تلامس تفاصيل الوطن.. كأنها تقول لا يزال باقيا فينى اينما رحلت يلتصق بى ليعلن فى حضوره حضورا للوطن الذى خبأته هو ورائحة امى بين اضلع القلب.. لا فالوطن ليس فقط فى البيوت العتيقة تصارع زحف الاسمنت.. فى الحجر الباقى رغم تكسر الامواج عنده.. فى الأزقة تداعب روائحها القادمة لأصناف من الطعام الشهى البسيط كصانعيه، فى الشوارع المخصرة بالمقاهى الشعبية تصطف فوقها كئوس الشاى بالحليب أو الأحمر «السنجين»، لمذاق الحلوة البحرينية الساخنة ترسل رائحة الهيل والزعفران.. فالوطن هو ربما كل ذلك بل اكثر عندما تتحلى النساء بحبات اللؤلؤ ليس لأنه حلى ككل الحلى الاخرى بل لأن به يبقى الوطن حاضرا فينا ولأنه بعض من ذاك الذى كان نحمله معنا اينما رمت بنا موجات الحياة.

كاتبة من البحرين

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات