المكرونة.. مقصوصة ولا قلم - أميمة كمال - بوابة الشروق
الإثنين 24 يناير 2022 10:04 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


المكرونة.. مقصوصة ولا قلم

نشر فى : الإثنين 3 يناير 2011 - 2:44 م | آخر تحديث : الإثنين 3 يناير 2011 - 2:44 م

 بكلمات رقيقة صاغها د. يوسف بطرس غالى وزير المالية، جاءت مقدمة ما سيعرف تاريخيا باسم «موازنة المواطن»، جاءت مؤثرة عاطفيا إلى حد كبير. قال د. غالى إنه من دواعى سروره أن يقدم للمواطن (المصرى طبعا) وليس السويسرى أو الدنماركى الموازنة العامة للدولة بشكل مبسط، حتى تكون قناة جديدة للاتصال بين الحكومة والمواطنين، أى أن الدكتور غالى يريد أن يتعرف المواطن على الإيرادات التى تدخل خزائن الدولة، وكيف تخرج، ولمن تخرج حتى يشارك المواطن فى تحديد أولويات إنفاق هذه الأموال.

الحقيقة منتهى الكرم من الحكومة، وهذا ليس غريبا على حكومة اتسمت دوما باتساع الصدر وانشغلت طول الوقت بالانصات للناس لتلبية رغباتهم.. وحمدت الله كثيرا لأنه كتب لى أن أعيش لليوم الذى تقول فيه الحكومة للمواطن أنت سيد قرارك، مثل مجلس الشعب.

وقبل أن أفيق من حمدالله وشكر الحكومة قرأت فى كل الصحف أن وزارة التضامن الاجتماعى قررت أن تصرف لأصحاب البطاقات وهم 63 مليون مواطن مكرونة تموينية بدلا من الأرز التموينى، ابتداء من الشهر الحالى. وعندما استفسرت من بعض أصحاب البطاقات ممن يحفظون عن ظهر قلب سجل تصريحات د. على المصيلحى وزير التضامن الاجتماعى عن صحة ما سبق وما قاله حول رفضه استبدال الأرز بالمكرونة استجابة لرغبة المواطنين الرافضين لذلك. لم يكتف من سألتهم بذكر ما قاله الوزير بالحرف الواحد، ولكن زادوا عليه مانشرته جريدة الأهرام فى المانشيت على لسان الوزير من أن «الأرز يكفى وزيادة».

قلت لهؤلاء الغاضبين من الوزير إنه ليس مسئولا عن دلع المواطنين.. يأكلون مكرونة غصبا عنهم، وكفاية رفاهية أكل الأرز كل تلك السنوات، خاصة أن الوزارة كانت حريصة على أن يكون للمواطن الحق فى الاختيار بين نوعين من المكرونة إما «مقصوصة» أو «قلم»، وهما النوعان اللذان جاءت بهما كراسة الشروط للمتقدمين للمناقصات من الشركات المنتجة.

وما أن نجحت بشق الأنفس فى إقناع هؤلاء الذين لا يقدرون نعمة الحكومة عليهم فى جعلهم يختارون بين المقصوص من المكرونة والمقلم منها سألنى البعض حول جدوى ما يقوله الوزير من أنهم سيستطلعون رأى أصحاب البطاقات وما إذا كانوا يفضلون الدعم عينيا أم نقديا فى حين أن كل الاستطلاعات السابقة أظهرت أن الأغلبية تفضل الدعم العينى، وأن بعض الاقتصاديين يحذرون من أن الدعم النقدى لن يجدى مع الارتفاع المستمر فى الأسعار، وقالوا مادمنا نريد الدعم العينى فمن المؤكد أن الحكومة ستقرر النقدى. قلت فى نفسى خسارة فيكم الموازنة المبسطة التى تعب الدكتور غالى نفسه فيها من أجل أن تقولوا رأيكم الحرفى فى بنودها.

وحمدت ربنا مرة أخرى أن الموازنة مبسطة للدرجة التى لا يستطيع معها المواطن أن يعرف كيف يتوزع مثلا بند الأجور. وإلا كان المواطن قد عرف كم واحد فى الحكومة يتحصل على الملايين من الجنيهات، وكم عدد الموظفين الدين لايزالون يتقاضون أقل من الحد الأدنى للأجور وهو 400 جنيه، كما أنه لا يستطيع من فرط بساطتها أن يعرف أن بند المكافآت يحتل 34% من إجمالى الأجور فى موازنة العام المالى السابق، بينما ما ينفق على الأجر الأساسى يمثل 19.9% فقط. وهو ما يعنى أن المكافآت والتى لا يحكمها لا قواعد ولا قوانين، والتى تعطى لأصحاب الحظوة تبقى هى الأكبر حجما، لأنه ربما يعرف أحدهم هذه المعلومات فيتهم فكرة د. غالى بالتبسيط المخل، وهو ما يجعل المؤسسات الدولية تتهمنا بعدم الشفافية مع مواطنينا، وهذا يفقدنا الفرصة فى أن نتقدم فى مرتبة الدول الشفافة.

ويبدو أنه من دواعى التبسيط أيضا ألا يقال فى موازنة المواطن إن 5.5% فقط من دعم الطاقة، هو الذى يستفيد منه القطاع العائلى، أما 32% من هذا الدعم يذهب إلى الصناعات كثيفة الطاقة التى لا يحكم أسعار بيع منتجاتها أى قانون أو قرار، أى أن المواطن إياه الذى يحرص الدكتور غالى على أن يخصص له موازنة يفهمها لن يكون من حقه أن يسأل السيد أحمد عز كيف يحصل على جانب لا يستهان به من دعم الطاقة (قدرها أحد المسئولين فى وزارة المالية بنحو 17% من دعم الكهرباء) فى حين يرفع سعر طن الحديد بمقدار 250 جنيها فى خبطة واحدة، أمس الأول، دون أن يجرؤ أحد على أن يقول له: وأين حق الناس فى الدعم الدى تحصل عليه من جيوبهم؟

وحسنا فعل الدكتور غالى عندما أخفى لدواعى التبسيط أن الدعم الدى خصصته الموازنة الماضية لأهل الصعيد كان 200 مليون جنيه فقط فى حين أن بند الأدوات الكتابية والكتب للحكومة يصل إلى 231 مليون جنيه، أما نفقات النشر والدعاية والحفلات والاستقبالات للحكومة فيصل إلى 113 مليون جنيه. لأنه لو كان الوزير قد اختار التعقيد وليس التبسيط لكان من الممكن أن يخرج علينا واحد صعيدى دمه حامى ويطالب بحقه فى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، ويقدم الصعيد فى الصفوف الأولى من الموازنة، ويؤخر بند الحفلات وتبادل التهانى بين الوزراء والرئيس وهو ما كان يعكر صفو الحكومة، وربما يصيب العلاقات بينهم بالفتور.

وربنا يسترها مع الحكومة ولا يصدق أحد المواطنين الطيبين موضوع المشاركة فى اتخاذ القرار أو يأخذ الموضوع مأخذ الجد ويبدأ فى قراءة الموازنة المبسطة الشهيرة «بموازنة المواطن»، فماذا سيكون عليه الحال لو وقعت عين مواطن من هؤلاء الذين يقضون نصف نهارهم فى طابور العيش على تصرفات الحكومة داخل موازنة د. غالى. ويرى أن ما تقدمه الحكومة لنحو 2000 رجل أعمال تحت بند تنشيط الصادرات وهو (1%) من المصروفات العامة يتساوى مع كل ما تصرفه ذات الحكومة على دعم المزارعين (0.5%) من المصروفات وما تصرفه على التأمين الصحى 0.1%، وعلى دعم الإسكان (0.2%) ودعم نقل الركاب (0.2%) من المصروفات. يعنى ما تعطيه الحكومة لـ2000 مواطن هو ذاته ما تعطيه لملايين من المواطنين لكى يزرعوا ويسكنوا ويركبوا ويتعالجوا.

ولكن لدواعى التبسيط يجب ألا يفهم أحد منا موضوع أن المواطن سيد قراره إلا فى حدود أنه من حقه أن يختار ما إذا كان سيأكل مكرونة مقصوصة أو قلم.

أميمة كمال كاتبة صحفية
التعليقات