.«سيدى المواطن» .. إنهم يريدون نزع سيادتك - أميمة كمال - بوابة الشروق
الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 6:57 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


.«سيدى المواطن» .. إنهم يريدون نزع سيادتك

نشر فى : الأربعاء 9 أبريل 2014 - 6:35 ص | آخر تحديث : الأربعاء 9 أبريل 2014 - 6:43 ص

اعتدت أن أحكم على الكتاب من إهدائه، وغالبا لم يخب ظنى فى كتاب أجاد صاحبه الإهداء. وكتاب المستشار حمدى ياسين عكاشة نائب رئيس مجلس الدولة، الذى صدر منذ أيام، هو أبلغ دليل على صدق حدسى. الإهداء من نصيب «عمال مصر الشرفاء الذين صمدوا ضد جرائم بيع مصر. وجهرت حناجرهم لتهز محاكم مجلس الدولة بهتاف (خصخصوها خصخصوها، والعمال رجعوها). وإلى المحامين الذين ساندوهم ووقفوا بالمرصاد دفاعا عن المال العام». أما العنوان فيبدو متوافقا تماما مع الهدف الذى حدده الكاتب «دور مجلس الدولة فى كشف الخصخصة الفاسدة ومخططات بيع مصر». أما الهدف فهو «اعتبار الكتاب بلاغا عن الفساد والمفسدين إلى جهات التحقيق وكل من يهمه الأمر». والبلاغ يقع فى 1500 صفحة.

الحقيقة أنه ليس أكثر ما يدهشنى فى الكتاب هو الجهر بالإنحياز الذى لا يخفيه هذا القاضى الذى سيظل التاريخ يحفظ ما سطره من حيثيات حكم كشفت فساد عصر مبارك ورجاله. ولكن دهشتى أكثر من توقيت صدور الكتاب الذى يأتى متزامنا مع محاولات حثيثة من الحكومة لتمرير تعديلات تشريعية على قانون الاستثمار من أجل ضمان تحصين العقود، مما يحول دون صدور أحكام شبيهة بالتى أصدرها المستشار حمدى ياسين ورفاقه فى مجلس الدولة، بل وتجعل صدورها أمرا مستحيلا. وبدا وكأن الكتاب يرد على كل مزاعم الحكومة لإصدار تلك التعديلات خبيثة الهدف، شريرة المقصد.

•••

فبينما يبدو المستشار حمدى ياسين فخورا بالمبادئ القانونية التى أقرها قضاة مجلس الدولة (وأيدتها المحكمة الإدارية العليا) من خلال الأحكام التى أسقطت عددا من عقود الخصخصة الفاسدة التى وقعتها الحكومات السابقة على ثورة يناير. تقف الحكومة فى ذات الوقت تتحدى بتعديلاتها التشريعية، المرتقب صدورها، تلك المبادئ التى هى محل فخر قضاة مجلس الدولة. ففى حين يسطر القاضى فى كتابه أول مبدأ قانونى وهو اعتبار «المواطنة» شرطا كافيا لقبول دعاوى حماية المال العام. بمعنى أنه طالما أن المشرع الدستورى ألقى على عاتق كل مواطن التزاما بحماية الملكية العامة من أى اعتداء، فإن هذا يجعل لكل مواطن صفة ومصلحة أكيدة فى اللجوء للقضاء مطالبا بحماية المال العام. ولأن ملكية الأموال العامة هى ملكية للشعب بكل أفراده أى ملكية شيوع. لذلك لكل مواطن حق فى هذه الأموال. وبالتالى لابد أن يهب للدفاع عنها بكل الوسائل ومنها اللجوء للقضاء.

وبينما يفخر قضاة مجلس الدولة باعتبار لجوء «المواطن» إلى القضاء للحفاظ على المال العام هو واجب تشريعى. نجد أن الحكومة الحالية تستكمل ما بدأته الحكومة السابقة وتسارع من أجل إنجاز تعديلات تشريعية تمنع «المواطن» من ممارسة سيادته على ماله العام. وتقترح إدخال نص قانونى يمنع «المواطن» من ممارسة حقه فى الطعن على أية عقود تتم بين الحكومة والمستثمرين. وتجعل هذا الحق مقصورا فقط على طرفى العقد. وفى أحسن الأحوال سوف تعطى المواطن حق التقدم بدعوى أمام النيابة وليس القضاء. والأدهى من ذلك هو النص الذى يلزم المحكمة بأن تقر بعدم قبول الدعوى من تلقاء نفسها إذا قام بالطعن أى مواطن عادى. أما مبررات الحكومة لإصدار مثل هذا التعديل فهى «أن كثيرا من العقود بين الحكومة والمستثمرين قد تم الطعن عليها من غير أطراف العقد دون التحقق من وجود فساد. مما أدى بالمستثمرين إلى اللجوء لجهات التحكيم الدولية للمطالبة بتعويضات، ومن المرجح قبولها» كما جاء فى المذكرة الإيضاحية للحكومة.

•••

وبينما الحكومة ترتعد من لجوء المستثمرين للتحكيم الدولى يخرج علينا المستشار حمدى ياسين مطمئنا بأن العقد المتحصل عن طريق الفساد غير جدير بالحماية الدولية المقررة للاستثمارات الأجنبية. والتى يتم النظر فى منازعاتها أمام مركز تسوية منازعات الاستثمار فى واشنطن (الإكسيد). ووجد فى الحكم الذى أصدرته هيئة التحكيم فى النزاع بين مستثمر عربى الجنسية صاحب شركة إنجليزية، وبين إحدى الحكومات الإفريقية، لتشغيل الأسواق الحرة فى مطارين بتلك البلد، والذى صدر لصالح الدولة لهو خير دليل على ذلك. فبعد أن ثار خلاف حول الطرفين، وتبين أن الشركة قد دفعت رشوة لرئيس الجمهورية من أجل الحصول على العقد، تم الحكم ضد الشركة. وقد اعتبرت هيئة التحكيم «أن جريمة الرشوة تخالف النظام العام الدولى. ولذلك فإن الدعاوى المبنية على عقود فساد، لا يمكن أن تحظى بتأييد هيئة التحكيم».

•••

أما التعديل الأخطر الذى تريد به الحكومة التملص، ليس فقط من محاسبة الفاسدين عن مسئوليتهم فى بيع ثروات مصر بعقود محرمة أبطلها القضاء، ولكن أيضا بإلباس تلك العقود ثيابا مطهرة بزعم حماية المستثمر والحفاظ على مناخ الاستثمار. هذا التعديل الحكومى يقضى بتشكيل لجنة تقوم بتسوية الآثار المترتبة على الأحكام النهائية الصادرة بشأن العقود المبرمة بين المستثمرين وبين السلطات المصرية. وهذه اللجنة تقترح الحلول المناسبة للتسوية مع المستثمر حسن النية. بحيث يتم إبرام ملاحق للعقود تتجنب ما ساقته الأحكام من عوار فى تلك العقود. والأكثر خطورة من ذلك هو أن رأى اللجنة بعد اعتماده من مجلس الوزراء يصبح نهائيا وواجب النفاذ.

وبالتأكيد عندما كان المستشار حمدى ياسين يسطر أوراقه منتشيا بكلمته للتاريخ من أن «صمت القضاء على الفساد، وعدم الحكم بما هو حق بدافع الحفاظ على المستثمر، أو بذريعة المحافظة على مناخ الاستثمار، لا يكون إلا إنكارا للعدالة يُعاقب عليه القاضى. ومن ثم لا يكون القضاء بالحق والعدل، إلا حماية للمستثمر الجاد، وتشجيعا للاستثمار، وتنقيه لمناخه من المتسلقين». لم يكن يتخيل أنه يرد بذلك على كل المحاولات التشريعية التى تريد بها الحكومة الآن أن تلتف على الأحكام التى أصدرها مجلس الدولة.

والحقيقة أننى بعد أن أتممت قراءة كتاب المستشار ياسين أيقنت أن واحدا ممن صاغوا التعديلات الحكومية الهزيلة لم يقرأ حيثيات الأحكام ولا المبادئ التى أخرجها مجلس الدولة. لأنه لو واحد منهم قد قرأ أن القاضى قد كتب «لا يجوز للقرار الإدارى أن يعطل تنفيذ حكم قضائى، وإلا كان مخالفا للقانون لما يتضمنه من عدوان من السلطة التنفيذية على السلطة القضائية. وإن تنفيذ الأحكام أمر استلزمه الدستور وأوجبه القانون. وإن هى أعرضت عنه شكل مسلكها جرما جنائيا، وقرارا سلبيا غير مشروع». لو كان أحدهم قد قرأ لما تجرأ وأدخل تعديلا مقترحا يقضى بإنشاء تلك اللجنة التى كل هدفها حماية ظهر المستثمر، الذى حكمت عليه المحكمة بدخوله شريكا فى صفقة فاسدة تستوجت التحقيق.

أما المبدأ القانونى الذى صاغه المستشار ياسين فى كتابه المهم، والذى يجب أن نضعه على جدول أعمال المجتمع. لأنه الكفيل بإسقاط التعديلات الحكومية التى تقاتل الحكومة لتظبيطها قانونيا، دون أن تكلل جهودها بالنجاح حتى الآن. فهو ما يقوله القاضى فى شهادته للتاريخ من أن «الإهدار الجسيم للمال العام فى عقود الخصخصة، والذى تم تحت قيادة العديد من الوزارات يعد أكبر عملية تخريب للاقتصاد المصرى، ويعد من قبيل الجرائم الجنائية. والمحكمة تعتبر حكمها القضائى هذا بلاغا لكل جهات التحقيق بالدولة، للنيابة العامة، ونيابة الأموال العامة، وإدارة الكسب غير المشروع، والنيابة الإدارية لتتخذ كل جهة حيال هذا الأمر ما أوجبه عليها القانون، وما يقى البلاد شر الفساد». ويختتم كتابه بأنه «فساد لا يمنع نظيره سوى الحساب».

وهذا الحساب الذى يراه القاضى شرطا لا غنى عنه لعدم تكرار الفساد فى البلاد تقاتل الحكومة لكى تمنع المواطنين من حتى شرف محاولة حساب الفاسدين. عن طريق سحب حق المواطن فى أن يحمى ماله العام.

«سيدى المواطن» لا تصدقهم عندما ينادوك بها. فهم يسحبون السيادة من تحت أقدامك دون أن تدرى.

أميمة كمال كاتبة صحفية
التعليقات