جمهورية عساكر(الأخيرة) - وحيد حامد - بوابة الشروق
الأربعاء 19 مايو 2021 5:24 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


جمهورية عساكر(الأخيرة)

نشر فى : الأربعاء 3 فبراير 2010 - 10:15 ص | آخر تحديث : الأربعاء 3 فبراير 2010 - 10:15 ص

 ردا على السؤال المهم الذى أطلقه «حسين عساكر» عن حال الشرفاء فى هذا البلد، قال الأستاذ أدهم حافظ فى دقة وإيجاز: الشرفاء يا ولدى فى هذا البلد هم العاملون المنتجون وهؤلاء تجدهم فوق بقايا الأرض الزراعية التى أكلتها الامتدادات العمرانية العشوائية التى زرعت القبح الخرسانى بدلا من أعواد القمح حاملة السنابل المحملة بالرزق والبركة، بدلا من شجيرات القطن المصرى الذى كان له السمعة والصيت فى كل بلاد الدنيا، القطن المصرى صانع البهجة فى نفوس الزراع ومطلق الزغاريد فى ليالى الأفراح التى يتزوج فيها الشبان والشابات.. بدلا من عيدان الذرة العالية الواقفة فى شموخ وكل عود يحمل ثمرته كأنه أب يحمل طفله الصغير.. الشرفاء فى هذا البلد يا ولدى هم البقية الباقية من عمال وصناع كانوا خارج المنافسة قبل أن تباع مصانعهم بالبخس ويتم تشريدهم ويصبحوا من رواد المقاهى أو الجلوس فى حالة «بلادة» أمام جهاز تليفزيون يبث لهم البلادة حتى تصبح حالة عامة وسائدة.. الشرفاء يا ولدى هم مئات الألوف من صغار الموظفين الذين يعيشون على الكفاف برواتبهم الهزيلة الضامرة ويمتنعون عن السرقة بإرادة قوية ودين يعصمهم.. مع ان غيرهم إرادته عكسية ولا يعصمه دين أو يمنعه ضمير.. الشرفاء يا ولدى هم الجنود الذين إذا قامت حرب قاتلوا.. وإذا حلت بالبلاد مصيبة حملوها بأيديهم ورفعوا شرها عن الناس.. الشرفاء يا ولدى فى هذا البلد هم أهل الفكر والرأى المستنير الذين يطالبون بالعدل والحرية ويحلمون بكل ما هو أفضل.. الشرفاء يا ولدى هم الزاهدون فى السلطة الباغية والمال الحرام.. الصامدون أمام الغواية، الصابرون على الشدائد، الكارهون لكل أنواع النفاق.. الشرفاء يا ولدى هم الذين مازالت فى صدورهم مساحات مفتوحة للأمل فى أن تغيب شمس وتشرق شمس جديدة بعد ظلام.. وفى تلك اللحظة تحديدا دق جرس التليفون.. ورفع الضابط هيثم السماعة وقال آلو.. وبعد ذلك ظل صامتا.. كان يسمع الطرف الآخر.. ولكن نظراته مركزة باهتمام شديد على حسين عساكر، أنهى المكالمة بوجه سعيد الملامح وبجملة روتينية.. تمام يا أفندم.. علم وينفذ.. ثم ترك مكانه متجها نحو حسين عساكر فى خيلاء وشموخ وربما قليل من العنجهية وقبل ان يصل إلى عساكر أمره بالنهوض فنهض الأخير على الفور وعندما صار الاثنان وجها لوجه قال هيثم فى انتصار:

ــ أنا لما أقول انك شارب حاجة.. تبقى شارب حاجة.. أمن الدولة بلغتنى دلوقت انك شارب حاجة.. يعنى أمن الدولة ما جبتش حاجة جديدة.. لزمته ايه اللف والدوران؟..

سيطرت الدهشة والحيرة على ملامح حسين عساكر وقال:

ــ هيه أمن الدولة هتفهم فى الطب كمان.. حضرتك مش كشفت علىّ فى المستشفى والتقرير زى الفل ومع سعادتك..
ازدادت ابتسامة هيثم اتساعا وكيدا وقال:

ــ اصلك كنت شارب حاجة، الطب ما يعرفش يكشفها.. لكن أمن الدولة تكشف أبوها!..

هنا نهض الأستاذ أدهم حافظ ثائرا:

ــ جرى ايه يا حضرة الضابط.. كشفت ايه أمن الدولة؟.. وبعدين هيه أمن الدولة خلاص بقت معمل تحاليل..

تجاهل الضابط «هيثم» تدخل الرجل الجهبذ وقال لعساكر فى تهكم:

ــ حلة شوربة تشربها.. تنسيك نفسك وتاخذ عقلك.. وتخليك تخطرف وتقول أنا عاوز أحكم البلد دى؟!..

فجأة اندفع حسين عساكر كأنه عيار نارى.. دى مؤامرة علىّ.. دا تشويه لصورتى قدام الشعب.. أنا لا نسيت نفسى ولا عقلى راح منى.. أنا حسين عساكر وعاوز أحكم البلد دى.. وزعق هيثم.. بأمارة ايه؟.. تبقى مين علشان تحكمها.. بص لنفسك الأول.. قال عساكر فى ثورة.. بص انت حواليك وشوف الدنيا ماشية ازاى ومين بيحكمها قبل ما تقول لى تبقى مين.. أردوغان اللى بيحكم تركيا كان بياع كازوزة فى الشوارع.. أوباما اللى هو أوباما مهاجر من أفريقيا وتربية جوز أمه.. وكلينتون أمه كانت ممرضة.. ولو أعدلك مش هخلص.. المهم ان اللى يحكم بلاش يتبت.. يغادر لما الناس تعوز انه يغادر.. وهنا تدخل الأستاذ أدهم وقاطع حسين عساكر مخاطبا الضابط هيثم:

ــ حضرة الظابط.. أنا عاوز أعمل محضر!.. محضر إثبات حالة!.. فى دهشة واستغراب سأله:

ــ حالة ايه اللى انت عاوز تثبتها؟..

وهنا غرّد الأستاذ أدهم.. الحالة التى أريد اثباتها أن موكلى المواطن حسين عساكر يريد أن يحكم هذا البلد بإرادة واعية يقظة ونشطة وعقل سليم وجسم سليم، وانه يسعى لحكم البلد شأنه شأن أى مواطن مصرى يرى أنه قادر على ذلك.. وهو يريد أن يحكم هذا البلد لا من أجل نزوة أو شهوة أو طمعا فى سلطة أو سعيا وراء حياة راغدة وإنما من أجل استرجاع ما فقدناه وتحقيق ما نسعى إليه من مستقبل أفضل.. هذا أولا أما ثانيا وهذا هو الأهم.. إجهاض محاولة النيل من سمعة موكلى والاقلال من شأنه كما حدث مع غيره من الذين أعلنوا عن نيتهم فى الترشيح لهذا المنصب الرفيع أو رشحتهم الجماهير الراغبة فى التغيير.. فها هو عمرو موسى الذى التحق بكلية الحقوق لأن مجموعه كان ضعيفا فى الثانوية ولم يقدم جديدا فى الجامعة العربية فماذا لديه حتى يقدمه لجمهورية مصر العربية؟.. وهذا الآخر الذى اسمه الدكتور زويل عالم «الفينتو ثانية» كان ينام فى الفصل أثناء حصة العلوم.. والدكتور البرادعى رغم انه دكتوراه فى القانون فالجهلاء الذين يمزقون ثيابه يحسبونه دكتوراه فى الذرة وكأننا لسنا فى حاجة إلى أى عالم فى أى مجال.. كل هؤلاء كنا نتفاخر بهم إلى وقت قريب.. أصبحنا الآن نسخر منهم ونقلل من شأنهم وهذا كله من صنع وإبداع قطط الموائد التى تنظر بقايا الطعام.. من صنع المرتزقة فى كل عهد ومع كل نظام الذين يتغيرون ويتبدلون ويعرفون من أين تؤكل الكتف.. هم شعراء المديح وهم شعراء الهجاء وقد يكون المهجو اليوم بعد زوال لسطلته هو الممدوح بالأمس القريب عندما كان يأمر فيُطاع.. والتاريخ يروى لنا عن كافور والمتنبى.. مع وفرة العطاء وكثرة الهبات أنشده المتنبى أجمل قصائد المجد والفخار.. وعندما أمسك الحاكم وقل العطاء كانت قصائد السوء والهجاء وصب اللعنات.. واعلم يا حضرة الضابط أن الخوف من كافور أقل عشرات المرات من الخوف من الشاعر وما أكثر شعراء هذا الزمان الذين يتمسحون فى السلطان.. لا تخاف ابدا من الجالسين على المائدة إلا بقدر.. وإنما الخوف كل الخوف من الذين ينتظرون بقايا المائدة وهؤلاء هم الذين يريدون ويقاتلون من أجل بقاء الحال على ما هو عليه وهنا اعترض الضابط هيثم قائلا للرجل الجهبذ:

ــ حضرتك بتسمى كلامك ده محضر إثبات حالة؟..

قال حسين عساكر متدخلا:

ــ أيوه.. لازم إثبات حالة.. ودى حالة البلد من زمان..

وسيطرت على الضابط الشاب حالة غريبة من الشحن.. ونظر إلى حسين عساكر كأنه ينظر إليه لأول مرة وسأله برفق:

ــ انت حقيقى عاوز تحكمها؟.. طيب.. لو انت واخد المسألة جد.. ممكن تقول لى ناوى تحكمها ازاى؟..

نظر حسين عساكر إلى الأستاذ أدهم حافظ نظرة استلهام للقوة والبلاغة فهز الرجل الجهبذ رأسه موافقا ومشجعا.. وهنا انطلق «عساكر» مبشرا بجمهوريته قائلا: لا أحد يزرع فى الأرض المالحة وعليه سوف ابدأ بالناس.. بالبشر.. بأهل مصر.. لابد أن تعود إليهم الهمة المفقودة وتذهب عنهم السلبية الموجودة، ويعود لهم الإحساس بأن هذا البلد لهم لا لغيرهم من عصابات الفساد التى تسرق وتنهب وترتشى حتى إن الفساد بات يتحدى العدالة نفسها والقضاء عليه يحتاج إلى سيف مسرور الجلاد.. لن يكون فى جمهوريتى فاسد واحد. وسأقيم العدل وأفرضه فرضا على الكارهين له.. وسوف أراجع القوانين وأنقيها وأطهرها من الثغرات والتعقيدات لتكون القوانين فى خدمة مصالح الناس وتسهيل أمور حياتهم وضمان حقوقهم ولن يكون هناك قانون ضد قانون.. كل هذا سيتم بواسطة رجال عدل وعلم ودين لا بواسطة الأجراء ضعاف النفوس والضمائر الذين أحبوا الباطل وكرهوا الحق.. سيكون القانون هو السيد المهاب المطاع.. لن أبيع الوهم للناس.. لن أعد بشىء لا أقدر عليه.. سيكون الكتاب إلى جوار الرغيف.. وستكون المدرسة إلى جوار المسجد والكنيسة.. لا يمكن ان تكون بلادى فى الصفوف المتأخرة لابد أن تعود إلى الصفوف الأولى بالعودة إلى العمل والتشبع بثقافته والايمان بالعلم وعشق الثقافة وتذوق فضلها.. قد نكون بلدا فقيرا ولكننا لسنا البلد البليد العاجز.. البلادة فرضت علينا لأن هناك من يريد لنا السوء.. لن أتنازل عن حق ولن أقبل بهزيمة.. ولن أساوم من أجل مجد زائل.. المنافق عدوى.. والفاهم الأمين صديقى.. وأصحاب العقول والضمائر هم أهلى وعشيرتى.. والحرية للناس هى عقيدتى وكما أن الله هو ربى ومحمدا رسولى والإسلام دينى فإنى أؤمن بموسى وعيسى وأحترم سائر الأنبياء والأديان وألتزم بنصوص القرآن.. وسوف اسعى أن أوفر للناس أمنا وأمانا وعزا ورفاهية قدر ما استطعت رغم علمى بأن سعادة الشعوب بيدها لا بيد حكامها.. لا مكان فى جمهوريتى لصانع فتنة أو مفسد لدين.. الأول مقتول والثانى مقتول.. سأتبع سيرة كل حاكم عادل وطموح فى كل بلاد الدنيا وأقتدى به.. لن أعاند وأركب رأسى بل سأكون من طلاب الرأى والمشورة، ومشروعى القومى هو حماية وصيانة نهر النيل وسأعمل على إعادة بناء الأمة بتعليم ابنائها العلوم والفنون والآداب.. ستكون المدارس والجامعات مصانع لإعداد الرجال.. سوف أعمل على إحياء شريعة الثواب والعقاب حتى لو أصابنى سخط الناس.. واتعهد ألا تكون لى بطانة أو «شلة» فتحول بينى وبين الناس..

صفق الأستاذ أدهم حافظ اعجابا وهو يكاد يرقص طربا وسأله:

ــ وكيف السبيل إلى ذلك يا ولدى وطريقك إلى مجرد الترشيح يا ولدى مسدود.. مسدود.

قال عساكر فى حزن:

جميع الحكام فى بلادنا يكتبون على أبواب القصور الملكية والجمهورية والأميرية الحكمة الرائعة (لو دامت لغيرك ما وصلت إليك) يكتبونها وهم لها كارهون وكل واحد منهم يود أن يشترى لنفسه عمرا فوق عمره لو أن الأعمار تباع ولكن حكمة المولى عز وجل جعلت هذا الأمر بيده فقط.. إلا أنهم يعيشون حياتهم فى حذر دائما وأبدا وفى كل خطوة يرافقهم فيها طبيب فهم راغبون فى الجلوس على كرسى الحكم حتى يأتى أمر الله.. ولن أكون واحدا منهم رغم علمى بأن للسلطة سحرا ولذة وتجعل صاحبها فى شبق دائم إليها.. أما بالنسبة لطريقى المسدود فمازال الوقت أمامى لأطوف على قدمى فى ارجاء البلاد أجمع التوقيعات.. سوف أطلب العون والمساعدة من جموع العاطلين المحبطين، والمرضى الحائرين فى مختلف المستشفيات.. والفقراء الذين يأكلون الملوث والمغشوش والفاسد والمشبع بالسموم سوف أناشد جموع المُقهرين نفسيا واجتماعيا وإنسانيا.. ولن استجدى سأقول لكل الناس أنا رجلكم فكونى أهلى..

وفجأة كحدوث البرق سمع بالخارج صياح وضجيج وصراخ وصوت قوى آمر عبر مكبر صوت محمول فى اليد يصدر الأمر..

ــ اقبضوا عليهم كلهم.. عاوز الشارع نضيف، عاوز دايرة القسم كلها نضيفة..

حصار.. وهروات ودروع وضربات وهلع وسيارات هى فى الواقع زنازين متنقلة فتحت أبوابها الخلفية كأنها فتحات مقابر يزج فى داخلها بكل من تواجد فى هذه الوقفة الاحتجاجية.. ودخل الضابط الكبير صاحب الصوت الآمر هول القسم وهو يزمجر وخلفه ضباط صغار الرتبة وأمناء وجنود..

ــ وقفة احتجاجية قدام قسم بوليس.. ليه؟.. هو احنا عيال.. بنلعب عسكر وحرامية..

وبمجرد ان وطأت قدماه غرفة الاستقبال حيث الضابط «هيثم» والطاقم الذى معه مع وارد الليلة وعلى رأسهم حسين عساكر والأستاذ الجهبذ وهيفاء مع سيدتها صفاء الدكر حتى صاح الضابط الكبير فى ضباطه:

ــ نضفوا هنا كمان.. وبسرعة..

وهكذا وجد حسين عساكر نفسه محشورا مع من حشروا فى هذه الزنزانة التى صارت متحركة دون أن يدرى إلى أين.. وعندما تفقد من حوله وجد الرجل الجهبذ هادئا وباسما وهمس له:

ــ لسه عاوز تحكم البلد دى يا أهبل؟!..

وحيد حامد سيناريست وكاتب صحفي
التعليقات