وما زال الباب موصدًا - أمل أبو ستة - بوابة الشروق
الأربعاء 1 ديسمبر 2021 11:22 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

وما زال الباب موصدًا

نشر فى : الأحد 3 سبتمبر 2017 - 9:05 م | آخر تحديث : الأحد 3 سبتمبر 2017 - 9:05 م
كتبت لطيفة الزيات رواية «الباب المفتوح» منذ ما يقرب من ستين عاما، وأبدعت فى تحليل وضع المرأة فى المجتمع المصرى ووصف ما يعتمل فى داخلها من صراعات. ترسم لطيفة الزيات برشاقة صورا مجسمة لأشكال القهر المُمارس ضد المرأة من قبل السلطات الذكورية التى تقابلها على مدى سنوات حياتها. فتتتبع بطلة القصة فى طفولتها وصباها وشبابها وترصد محاولاتها لفك القيود المفروضة عليها فتنجح مرة وتخور قواها مرات. 
والمتأمل لوضع المرأة فى الرواية ووضعها فى 2017، يجد أنه لم يتغير الشىء الكثير. فالمرأة ما زالت تصارع من أجل حريتها وحق تقرير مصيرها ضد العادات والتقاليد البالية، ضد سلطات متعددة ما زالت تحاول إخضاعها وتحجيمها وإقناعها بضآلتها وبمحدودية ما هو متاح وممكن. 
وتربط لطيفة الزيات حرية المرأة بحرية الوطن، وصراع ليلى بطلة روايتها لنيل حريتها الشخصية بصراع أكبر لنيل حرية الوطن من بطش الاستعمار والاستعباد فى تناغم رائع وترابط يبدو بديهيا.
فتسرد لطيفة الزيات أشكال قهر المرأة بداية من قسوة الأب على ليلى فى طفولتها حيث لا يُبدى أى تواصل فعال معها ولا يعطيها من حنانه، بل على العكس فهو دائم التذمر منها والنظر إليها على أنها عبء يُنتظر التخلص منه بتزويجها. 
وحين تجرؤ ليلى على التعبير عن مشاعرها الوطنية فى صباها تأثرا بأخيها، أحد بوارق الأمل القليلة فى الرواية الذى يحاول بهمة فك قيود مجتمعه، فتخرج فى مظاهرة ضد الاستعمار، يضربها أبوها لأنها جرؤت على الخروج عن الأصول التى تقتضى ألا تخرج بنات الأصول فى مظاهرة. يذلها. يحاول كسرها. يهين جسدها. لا يعاملها كإنسان. لا يحترم عقلها ورغباتها. فقط لأنها عبرت عن مشاعرها. وحتى حين لجأت لأخيها كى تحتمى بمبادئه، وجدته فى صراع بين مبادئه النظرية التى تقتضى تحرر المرأة وانطلاقها ومساواتها بالرجل وبين ما شب عليه من إخضاع للمرأة وكبت دورها فى المجتمع. فبدا مذبذبا حائرا.
***
لا تقتصر السلطة الذكورية على الذكور فى المجتمع، فالأم تشارك فى إحكام السيطرة على الابنة وإخضاعها وتوجيه اللوم المستمر لها. فهى يجب أن تتصرف بشكل معين ولا يحق لها أن تكون على طبيعتها فقط لأنها أنثى، وبالتالى فهى يجب أن تتقولب فى الشكل الذى ينتظره منها المجتمع. ويجب أن تتجول بفستانها الأنيق كى تعجب هذا وذاك كسلعة فى سوق الجوارى. ونجد كل النساء فى عمر الأم فى الرواية ما هم سوى حراس للعادات والتقاليد على حساب حرية بناتهن، بل وحياتهن أحيانا. فهدف كل أم ينحصر فى تزويج ابنتها لمن يدفع أكثر. فهن فى حالة بحث دائم عن عريس يرضى عنه المجتمع حتى وإن كان ذلك على حساب سعادة بناتهن وراحة قلوبهن. فهذه رفضت طلاق ابنتها وتركتها تعانى حتى أوصلتها للانتحار وتلك ارتضت لابنتها خيانة زوجها بديلا عن الطلاق فى سبيل إرضاء المجتمع. 
وعلى الرغم من أن الطلاق قد أصبح أكثر قبولا وشيوعا فى مجتمعنا الآن فإن المرأة ما زالت تعانى من ضغط الأهل والمجتمع للاستمرار فى زيجة لا تسعدها وما زال العنف يمارس ضدها لقبول هذه الزيجة أو الاستمرار فى تلك. كل ذلك يحدث خوفا من كلام الناس أو لانعدام الثقة فى قدرة المرأة على اتخاذ قراراتها المصيرية بنفسها.
وتتعرض لطيفة الزيات بوضوح لمعايير المجتمع المزدوجة فيما يختص بعلاقات الرجل والمرأة خارج نطاق الزواج. فالرجل «ما يعيبوش إلا جيبه» وبالتالى يحق له اتخاذ عشيقة ويصبح ذلك أمرا متقبلا من أهله ومعارفه. ويصنف الرجل والمجتمع المرأة نوعين: امرأة تصلح للزواج وتربية الأولاد، وتلك هى المرأة المطيعة بنت الأصول التى لا تجادل كثيرا ولا تعترض. فترتدى ما يرضى عنه خطيبها وتمتهن المهنة التى يراها هو مناسبة. حتى أنه حين جاء ليخطبها من أبيها قرأ مع أبيها الفاتحة دون أن يرجع أحد إليها. فقرار زواجها بيد أبيها لا بيدها. أما النوع الثانى فهى المرأة التى تصلح لحياة موازية للرجل يفرغ فيها طاقته واحتياجه للحب والعشق. ولسبب ما غير مفهوم لا تُرى المحبوبة كزوجة محتملة، فالحب كلام فارغ كما هو معروف، وهم، لعب عيال.
***
ترى لطيفة الزيات الخلاص فى فتح الباب على مصراعيه للاختيار الحر بقوة وصلابة ضد أى سلطة فارغة من محتواها لا تماشى العقل والمنطق، ترى الخلاص فى ربط حرية الفرد بحرية الوطن، تراه فى الانخراط فى المجتمع وعدم الانعزال عنه وعدم الانخراط فى فقاعة الأنا. هى ترى أن الفرد حين يكرس نفسه من أجل حرية وطنه ومجتمعه يجد القوة والصلابة التى تمكنه من تحرير نفسه من قيود واهية تفسد عليه حياته، ويجد بوصلته التى يفرق بها بين الصواب والخطأ، ويجد نفسه المنفتحة على الحب والحياة التى تبحث عما يرضيها ويسعدها لا ما يستوفى الصورة التى رسمتها تقاليد بالية.
انتصرت ليلى فى آخر الرواية لحبها وارتأت أن تفتح قلبها لما سيعطى لحياتها معنى وهدفا. قرنت حبها وحياتها بحب الوطن وحياته والدفاع عن معانى الحرية والكرامة، قررت ألا تتزوج العريس المثالى المرموق الغنى الذى سيعطيها بيتا يرضى عنه الجميع إلا هى، بيتا بلا حياة أو دفء أو تواصل. قررت أن تبنى بيتها مع حبيبها بحماسهما ومبادئهما وبكل المعانى السامية التى كانت قد فقدت إيمانها بها بفعل ضغط المجتمع. 
انتصرت ليلى... فهل تنتصر نون النسوة؟

 

أمل أبو ستة حاصلة على دكتوراه فى أبحاث التعليم من جامعة لانكستر بانجلترا
التعليقات