«لعبة كل يوم» - محمود قاسم - بوابة الشروق
الجمعة 6 ديسمبر 2019 2:45 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

«لعبة كل يوم»

نشر فى : الجمعة 4 أكتوبر 2019 - 10:30 م | آخر تحديث : الجمعة 4 أكتوبر 2019 - 10:30 م

فى هذا الفيلم كان جميع الممثلين فى أحسن حالاتهم، إنه فيلم «لعبة كل يوم» من إخراج خليل شوقى عام 1971
فيلم بالغ الجودة يحمل اسم مخرج استقبله النقاد بترحاب ملحوظ فى أفلامه الأولى، لكنه اهتم بوظيفته كمدير لشركة فيلمنتاج للإنتاج المشترك بين مصر وايطاليا، قدمت أفلاما تجارية لم تلفت اليها الانظار، وله افلام متوسطة القيمة مثل «معسكر البنات»، أما فيلم «لعبة كل يوم» فهو يؤكد أن عبدالمنعم ابراهيم كان دوما سيئ الحظ حين أسندت إليه البطولات السينمائية مثلما حدث فى «أيامى السعيدة» و«إفلاس خاطبة» ضمن «3 قصص» ثم فيلم «لعبة كل يوم»، وهو فيلم يضع الممثل فى قائمة النجوم المتميزين فى تاريخ السينما، من خلال شخصية شبارة العفى. هذا الشاب القوى الجوال فى جميع أنحاء البلاد فلا يعرف لنفسه أهلا أو اسم محافظة ينتمى لها، وإن كان الأمر سوف يستقر به فى محافظة كفر الشيح بدسوق؛ حيث يعمل فى موقف سيارات الاقاليم التى تصل بركابها إلى برنبال. نحن أمام فيلم الشخصية الرئيسة فيه هو شبارة، الرجل الذى بلا جذور أو اسرة، يبحث عن سقف ينام تحته، وأجرة بسيطة للغاية كى يدفع منها ايجار المبيت، وقد تخلى الممثل هنا عن الكوميديا التى تميز فيها لدرجة أنه يمكن اعتباره فى صدارة هذا الفن فى المسرح والسينما والاذاعة والتليفزيون، لكنه أقل حظا ممن يتفوق عليهم فى الموهبة، وفى الفيلم أيضا نبيلة عبيد كبطلة مطلقة لتتألق بدون منازع ليكون أحسن أدوارها، ولو كان الاثنان قد عملا مع المخرج نفسه أكثر من فيلم لاعتبرناهما من ممثلى الاندماج، حيث يبدو الاثنان بالغى التلقائية، وهما يمارسان الحياة العادية جدا، لعلك تلاحظ ذلك فى مشهد يفترشان فيه البساط قريبا من مسقط مياه.
هذا الفيلم كتبه كاتب لم يستمر طويلا اسمه أحمد لطفى، حيث ذهب بنا السيناريو إلى واحد من أشهر الأسواق الريقية، المزدحم بالغرباء الذين ينتقلون بين القرى والأسواق، وكل ابطال الفيلم من الباحثين عن قوت كل يوم بما يمثل لعبة كل يوم، والفيلم يبدأ بمشهد لا يمكن نسيانه، حيث إن شرطة المرافق تسلب الشاب شبارة ما يبيعه، ويفلت من أن تأخذه الشرطة معها، وبدلا من البكاء على اللبن المسكوب فإن شبارة للتو وبعد دقيقة واحدة يبحث عن رزق جديد أينما كان فى موقف السيارات الذى وجد نفسه هناك.
هكذا يكون المنطق لدى هذا النوع من البشر، فالبطن الجائع يريد أن يمتلئ، والجسد المتعب فى حاجة إلى الراحة، والبحث عن أى سقف للبيات أسفله، وحسبما يقول شبارة للفتاة انشراح بعد ان تصير حبيبته، فقد عاش كل حياته وسط التنقلات الحادة بين البلدان، بلا اسرة أو سقف، ولعله سوف تطيب له الاقامة فى هذه السوق رغم أنهم سيأخذونه منه فى نهاية الأحداث.
هذه المنطقة يعيش فيها الكثير من البشر، تجمعهم معا هموم البحث عن الرزق، البعض منهم يعيش منذ فترة فصارت له الأملاك الكثيرة، والأجراء خاصة المعلم، وهو رجل مستقر فى حياته، له العديد من الممتلكات والمكاسب، وابنته فكيهة تقع فى حب الأجير، الأقدم فى العمل، يغويها فتذهب معه إلى الخلاء، أو إلى غرفته بالدور الأرضى، وهو مركز الكون فى المكان، بينما تطلب النساء ود المعلم خاصة أم انشراح بائعة الكشرى، كما أن الغازية لطافة تلح عليه أن تقرأ له الطالع، وهو يتعامل مع الاجراء عنده بمنطق أنهم «جعر»، وعندما ينزل شبارة إلى المكان فإنه يساوم على ثمن الكشرى، لكنه سرعان ما يجد عملا، فهو القومسيون الذى ينادى على الزبائن، ويغسل السيارات الاجرة، ويتقبل أن يقوم المعلم بمغالطته فى الحساب، فيكسب منه. المعلم يرمى عينيه على انشراح ويتمناها، بينما أمها ترغب فيه كما أنه يذهب فى المساء لقضاء بعض ليالى الأنس، وفى هذه السوق الكثير من الشخصيات التى تدور فى فلك المعلم، منهم العجوز عبدالكافى، وعباس افندى المحضر القانونى الذى يؤتمر بما يدبره المعلم للسيطرة على أهل المكان، كأن يدفع شبارة أن يبصم على بنود وظيفته الجديدة دون أن يدرى أن هناك خطة لايقاعه فى خطأ.
نحن أمام فيلم حول عمالة الفقراء وعمال اليومية، مثل: «باب الحديد»، ثم «الحرام» و«جفت الأمطار»، كل هؤلاء يعملون دون أن يكون لهم غد، وشبارة بواقع تجاربه السابقة يعمل ألف حساب لرجال الازالة الذين يستولون على ما يبيعه السريحة ويسوقونهم مع البضائع إلى أقسام الشرطة، ويجعلهم يدفعون الغرامات، والكل مهدد فى رزقه ابتداء من شبارة وأيضا انشراح وأمها، وحين أتى رجال الازالة لمصادرة ممتلكات الناس، ومنها ما يخص أم انشراح، فإن العامل السريح، وبكل رجولة يهرب بعربة الكشرى داخل المزارع فى واحد من أكثر مشاهد السينما المصرية بقاء فى الأذهان، ويخفى العربة وسط المزروعات حتى تمر أزمة حملة الازالة، ويكون ذلك سببا لاعجاب انشراح به، إنه حب قائم على المصلحة والخدمة الملموسة، لكن انشراح تقف فيما بعد مع الرجل، وعند القبض عليه تذهب معه تعضده فى أزمته.
لقد رأينا أم انشراح تعبر فى ندائها على الكشرى عن رغباتها ومشاعرها ناحية المعلم، وهى تردد: «الملهلب» أو ما شابه، أما عينو فإنه يلهب النساء قوة الرغبة بما يملك من فورة حسية ومكانة وهو يلعب على مشاعر الغازية لطافة، وتقع فكيهة فى اطار جاذبيته، وتؤدى الدور هنا مديحة حمدى فى واحد من أحسن أدوارها على الاطلاق، بما يؤكد ما قلناه عن خليل شوقى فى ادارة الممثلين، وعينو هذا يستقبل فكيهة فى غرفته، ويساوم امها أن تدفع له الكثير مقابل أن يغطى على الفضيحة.
يتم ذلك كله فى الوقت نفسه. فالمعلم يحاول اغواء انشراح بينما تضاجع فيه ابنته عشيقها فى غرفته التى يملكها أبوها، وكما أشرنا فإن كل هذه الشخصيات بلا جذور، ولا نكاد نرى فيه أى براءة كما يخلو هذا العالم تماما من الأطفال، الرغبات تتحكم فى الجميع، يريدون أن تكون لهم أرض ثابتة يمتلكونها، من أجل الاستقرار، لكن عينو على سبيل المثال يستولى على مدخرات لطافة، وعلى مبلغ لا بأس به من أم فكيهة قبل أن يختفى، مثلما حدث فى أفلام أخرى، فالغالبية من هؤلاء الأشخاص لن يحققوا شيئا فى الحياة حتى وإن وجدوا من يعتتى بهم، وكما نرى فإن الصدمات فى حياة كل منهم أقوى تأثيرا من لحظات المتعة التى يحصلون عليها، وبعض هؤلاء سوف يظل يتنقل فى الشتات دون أن يعرف الاستقرار، فشبارة يظل يحلم أن يرتدى جلبابا جديدا لم يمس جسدا بشريا آخر، أما الشاب خلف فهو أبكم بلا أهل، يكاد يكون أحد أبطال رواية «بلا عائلة» لهيكتور مالو، وبالتالى فإنه يعمل مساعدا لشبارة، ويلازمه كظله، فهناك حكايات جانبيىة لشخصيات كثيرة منها الرجل العجوز عبدالكافى الذى يسترجع ذكريات شبابه، حينما كان يشارك فى ثورة 1919، وكان يقف ضد القوى الغاشمة، ورغم ذلك فإننا لم نعرف له أى جذور مثل العشرات من الاشخاص الذين ملأوا الفيلم.
لم يتوقف الفيلم عند الحاضر فقط بل إنه حاول أن يجعلنا نتعاطف كثيرا مع الماضى المشرف لشخصيات مثل العجوز عبدالكافى الذى لم يعرف الراحة يوما.
كل ما يمكن أن نقوله هو: لماذا لم يأخذ مثل هذا الفيلم حقه فى خريطة السينما المصرية المهمة؟

التعليقات