صالح كامل.. الإدارى والاقتصادى والإنسان الفذ - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الجمعة 3 يوليه 2020 2:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

صالح كامل.. الإدارى والاقتصادى والإنسان الفذ

نشر فى : الجمعة 5 يونيو 2020 - 7:05 م | آخر تحديث : الجمعة 5 يونيو 2020 - 7:05 م

نعاه الإمام الطيب شيخ الأزهر بقوله «لم يتأخر يوما عن مساعدة المحتاجين، فهو من رواد العمل الخيرى، عرف عنه المسارعة إلى الأعمال الإنسانية و الخيرية، ومات فى العشر الأواخر وهو يصلى التراويح فى أيام العتق من النيران».
كان يرى أن كل المهن شريفة ما دامت حلالا، وأن معظم أنبياء الله كانت لهم حرف مثل النجارة ورعى الغنم والحدادة فهل نحن أفضل منهم، ويرى أن إعمار الأرض أعظم عبادة، وتشغيل الناس أعظم طاعة وأفضل ما نقدمه إليهم، وأن الله ما فضلك على الآخرين لأنك أحسن منهم بل لأنك توجد فرص العمل الحلال لهم، فإذا لم توفر لهم هذه الفرص ضاعت أفضليتك عليهم، إنه تفضيل العطاء لا الأخذ، وهذا جزء من معنى قوله تعالى «لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا».
كان يكره البيروقراطية والروتين، ويحب التغيير والتجديد دائما، ويردد ما خلقت لأكون مجرد مدير روتينى، فإذا نجح فى مجال بحث عن النجاح فى غيره، كان يرى أنه ينبغى أن تكون بلاد العرب والمسلمين كالبنيان المرصوص يشد بعضها بعضا، وكان يحب الاستثمار فيها رغم الصعوبات والعوائق والبيروقراطية فيها فاستثمر فى 42 دولة منها وفضلها على غيرها، كان يردد «لماذا الموافقات على المشاريع وتخطيط الأراضى يستغرق سنوات؟ لماذا لا تكون أياما فقط؟».
أول من أسس الكشافة والجوالة فى المدارس والجامعات السعودية، ومن الطريف أن فكرة الجوالة والكشافة أوحت إليه بفكرة التجارة فى الملابس الرياضية، فهو أول مستثمر فى هذا الباب.
فقد وجد الرجل بحسه التجارى والإدارى أنه لا توجد مراكز لبيع الملابس الرياضية وأدوات الكشافة فى السعودية فكان يذهب وهو طالب ثانوى وفى الجامعة إلى مصر ولبنان ليشترى هذه الملابس ويبيعها.
وهو أول من أنشأ مكتبة جامعية سعودية لطبع كتب الأساتذة وبيعها للطلاب، فقد كان يسهر بالليل لنسخ محاضرات أساتذته التى فاتته فانقدح فى عقله التجارى الفذ فكرة طبع محاضرات الأساتذة، وافق الأساتذة تخوف من تعقب أجهزة الاستخبارات السعودية له كلما طبع منشورا سياسيا فذهب إلى مدير المخابرات وعرض عليه الفكرة وطلب منه ثلاثة فنيين طباعة من عنده ليعملوا معه فيتكسبوا ويراقبوه فى نفس الوقت ودرءًا للمشاكل.
وكانت هذه أول مطبعة للكتب الجامعية فى السعودية، وقد ربح كثيرا من وراء هذا المشروع واشترى من ربحها سيارة وهو طالب جامعى.
وجد أن البريد لا يصل إلى كل أنحاء السعودية فاقترح على وزارة المواصلات إقامة مشروع البريد الأهلى لتوصيل الرسائل لكل القرى والمناطق النائية، وهذا جعله يدرس كل طبوغرافية السعودية والمسافات بين المدن والقرى لحساب عدد السيارات المطلوبة وحساب السائقين وكميات البنزين، وظل مديرا لهذا المشروع فترة من الزمان، فكان أول من أدار البريد الأهلى فى السعودية.
والذى يراقب حياة الشيخ صالح كامل يجد أن بعض المشروعات الكبرى فى السعودية كانت من بنات أفكاره وهو الذى اقترحها على المسئولين وقتها.
كان من جيل يحلم بالوحدة العربية الكاملة فانطفأ حلمه فى الوحدة لما رأى التقسيم والتقاتل فى كل مكان فاكتفى بالحلم الأصغر الممكن وهو السوق العربية المشتركة.
كان يرى أن البيروقراطية والفساد يمثلان الخطر الأكبر على التعاون الاقتصادى والاستثمار المشترك بينهم، وأخطر الفساد إذا أصاب القضاء.
كان يرى بأن والديه والشيخ الشعراوى أعظم أساتذته، ويذكر للشعراوى قولته «المعانى الإسلامية تتلخص فى قوله تعالى «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ»، كان يكره الربا ويحب الزكاة والصدقات، ويردد لو طبقت الزكاة بمنظور اقتصادى صحيح كانت أفضل خطة اقتصادية فى العالم لا يمكن لعقل بشرى أن يضع مثلها، أنشأ على هذه الأفكار مع الأمير محمد الفيصل والشيخ سعيد الوتاه بنك دبى الإسلامى، بنك فيصل، بنك البركة.
كان رئيسا للغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة حتى وفاته، وانتخب فيها بالإجماع، ورئيسا لغرف تجارية كثيرة كان لا يحب العمل فيها، ولكنها فرضت عليه فرضا.
هو أفضل من يتحدث عن فقه الزكاة، وطريقة جمعها واستثمارها على مستوى الدول، وأفضل من يتحدث عن الاقتصاد الإسلامى وهو الذى أحيا هذا العلم فى المنطقة العربية وهو مؤسس مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامى فى جامعة الأزهر والمنفق على دراساته، وهو مؤسس قناة اقرأ أول قناة إسلامية متخصصة بعدة لغات أحدثت طفرة فى الخطاب الدينى وحملت رسالة الإسلام الوسطى الحضارى.
رغم شدة تمسكه بالإسلام ومحبته لدعوته إلا أنه كانت له رؤية تصالحية غير صدامية مع الغرب، ورغم تبنيه لمنظومة الحضارة الإسلامية وحماسته لمشاريعها الحضارية التى تبنى ولا تهدم وتجمع ولا تفرق وتعمر ولا تخرب إلا أنه كان يرى للغرب وحضارته فضلا كبيرا على المسلمين، فلولا مخترعاتهم وصناعاتهم ومنتجاتهم وأدويتهم ووسائل الاتصالات والمواصلات الحديثة التى اخترعوها ما تقدمت بلادنا.
وكان يفرق بين سياسات الغرب ومنجزهم الحضاري، وأن الذى لا يحسن التفريق بين الأمرين سيقع فى خلط فكرى كبير.
وكان يرى أن مشكلة بلاد العرب هو التعاون بين السلوكيات والواقعية والقيم التى نؤمن بها، فهناك فرق بين تعاليم ديننا وسلوكياتنا الحقيقية على الأرض.
كان من بين أحلامه إنشاء معهد لفقه المقاصد الشرعية فى جامعة الإسكندرية وخاصة أن رائد علم المقاصد الشرعية أ.د/ محمد كمال إمام يعمل أستاذا متفرغا للشريعة الإسلامية فى حقوق الإسكندرية، ولكن القدر لم يمهله لإنجاز هذا المشروع الضخم، الذى بدأه صديقه وأستاذه وزير النفط السعودى الأسبق العلامة أحمد زكى يمانى، وهو الرائد الحقيقى لفقه المقاصد الشرعية فى العالم الإسلامى كله، والذى أعطاه دفعة قوية لا تقل عن الدفعة العبقرية التى منحها له شيخ الإسلام العز بن عبدالسلام الذى أحيا فقه المقاصد فى العصور الغابرة.
محبته لمصر كانت مضرب الأمثال، فقد كانت عشقا خاصا له.
كان يرى أن السعودية ومصر علاقتهما أزلية أبدية، فهما مذكوران سويا فى سورة التين ففيهما طور سنين والبلد الأمين، حسه التجارى بدأ منذ طفولته حيث طلب من أمه أن تطبخ له «حلة بليلة» باعها لأصحابه وكان فى الثامنة، وبدأ يتاجر حتى وصل للجامعة فعرض طبع مذكرات الأساتذة وكانت هذه أول مطبعة دراسية جامعية فى السعودية اشتراها من أموال تجارته السابقة، وهو أول من تاجر فى الملابس الرياضية وملابس الكشافة وأدواتها فى السعودية: وكان زعيم الحركة الطلابية ويعرف الجميع حتى وزير المعارف «الملك فهد وقتها».
وقد كان يلقى تقديرا من بعض الملوك مثل الملك فيصل، خالد، فهد،عبدالله، فقد كان والده يعمل فترة مديرا لمكتب الأمير فيصل قبل توليه الحكم، وقد عمل عشر سنوات فى وزارة المالية رغم كراهيته للوظائف الحكومية، ولكن هذه السنوات العشر عرفته بدولاب العمل الحكومى.
كان يقول للشباب يمكنك أن تحلم حلما كبيرا ولكن عند التنفيذ اعمل على قدر طاقتك واحذر أن تحقق حلمك مرة واحدة، أضف فى كل يوم جديدا، ليس عيبا أن تفشل ولكن العيب أن تكرر الخطأ مرتين، لابد أن تضيف جديدا فى كل يوم، فإن لم تفعل فلا معنى لحياتك، مفاتيح النجاح ثلاثة معرفة نفسك واكتشاف ذاتك فالبعض يصل إلى الأربعين ولا يعرف نفسه، والثانية تقوى الله والثالثة رضا الوالدين.
تقاعد قبل موته بسنوات عن العمل فى شركاته التى وصلت إلى 360 شركة ليعطى لأولاده فرصة العمل والتجربة دون خوف والتدرب على ذلك.. ما مر يوم عليه إلا ورحم مريضا أو أعان مسكينا أو أعال أسرة أو...أو.... من صناعة الخير.. حتى أنه أنقذ قبل يومين من وفاته مريضين من أمراض خطيرة.
رحمه الله رحمة واسعة.. وسلاما على أهل الإحسان فى كل مكان.

التعليقات