«تاج شمس» أمثولة البحث عن المحال! - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
السبت 18 مايو 2024 6:36 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

«تاج شمس» أمثولة البحث عن المحال!

نشر فى : السبت 6 أبريل 2024 - 9:20 م | آخر تحديث : السبت 6 أبريل 2024 - 9:20 م
(1)
مثَّلت لى هذه الرواية المدهشة متعة قراءة غابت عنى طويلًا، فمنذ زمن طويل لم أقرأ رواية بهذا الحجم وبهذا الحشد من الغرائب والعجائب والتحولات والنقائض (والنقائص أيضًا بل والسعى المحموم إلى الكمال واللا محدود) وبهذا الكم من الشخوص التى تظهر على مسرح الأحداث وما تلبث أن تغيب كالومضات التى لا نستطيع أن نمسك بها ونحدد معالمها لكنها تنحفر فى وجداننا وتترسب فى روحنا فلا ننساها أبدًا!
رواية اختارت طريق الفن «الصعب»، وارتادت سبيل الخيال الجامح، وقاربت لغة الأدب كما يجب أن تكون فى ذروةٍ عليا من ذراها الرفيعة التى تكاد تقترب من الشعر المقطر الصافى، وكان نجيب محفوظ يقول إن الأدب الذى لا يرقى إلى مرتبة الشعر فليس بأدب!
فما أصعب أن ترسم جدارية هائلة تعمل عليها بإصرار النمل وإنجاز النحل كى تصل فى النهاية إلى إبداع هذه التراجيديا الكبرى التى تدين الاستبداد والعنف، وتفضح صناعة البطش والباطشين، وتبحث عن المحال!

(2)
أتحدث عن رواية «تاج شمس» (الصادرة عن بيت الحكمة 2023، والفائزة بجائزة الشيخ زايد العالمية كأحسن دار نشر) لمبدعها الموهوب هانى القط. وهانى القط روائى وقاص مصرى مبدع على مشارف الخمسين من العمر، يمارس الإبداع والكتابة بورع وتبتل منذ عقود، له أكثر من مجموعة قصصية، وأكثر من رواية، وأعمال أخرى فاز بعضها بجوائز مصرية وعربية، لكن الفوز بالجوائز ليس هو المهم، المهم هو استحقاق العمل لهذه الجائزة أو تلك فهى تعترف بالقيمة حال وجودها!
وهانى القط ممن يأخذون أنفسهم بجدية شديدة، ويدركون أنهم يكتبون بحثًا عن القيمة، وليس عن أى شيء آخر، أو هكذا أظن!
أما روايته التى نتحدث عنها فى هذا المقال فهى مكتوبة بأنفاس أسطورية مبدعة، فيها من مذاقات كتابة خيرى عبدالجواد، ومحمد ناجى، وأبوخنيجر، لكنها لا تقلد أيًا منهم، فهى تبحث عن صوتها الخاص وأسطورتها الفريدة.

(3)
هنا يقدم هانى القط تجربة روائية لا أقول صعبة، لكنها «مركبة» تطمح إلى خلق أسطورتها الخاصة، وما أصعب البحث عن «أسطورة» أو «خلقها» لكى توجد ولكى تحيا فى وجدان معتنقيها، وتكون منهم بمثابة الإيمان الذى لا يزعزعه شك.
تظهر براعة هانى القط وقدراته التخييلية الممتازة فى هذا العالم الحاشد الذى أقام من شخصياته وحكاياته، وأساطيره، وأماكنه الظاهرة والخفية، ما كان على حافة النهر أو تحت الأرض، رواية «شعرية« تناطح سحر القصص الشعبية، لكنها أيضًا تقدمت عن واقعنا الروائى المعاصر فى قفزة بارعة تميزت بالبراعة والإحكام (وأنا هنا أستعير عبارة كاتبنا الراحل الجليل علاء الديب)، فضلًا على قدراته اللغوية الخلابة التى بهرنا بها على مدار الرواية، بين السرد والوصف والحوار والمونولوجات التى تجابهنا وتستوقنا وتفتنا أيضًا.
قرية أسطورية، هى قرية من قرى مصر التى وجدت من قبل التاريخ، وعاشت وتعيش، لكنك لو بحثت عنها الآن على الخريطة فلن تجدها! تقبع على ضفة النهر فى شموخ وجلال يليقان بمكان أسطورى مهيب، يلفها الهدوء والغموض والمجهول،
وتموج بشخوصها وأحداثها وجرائمها، كل شىء ونقيضه ستجده فى هذه القرية، عشرات من أبنائها الغادين والرائحين، الرجال والنساء، الأطفال والغلمان والبنات والفتيات، حوادث تمضى وتشتبك ومصائر تتعقد وتتداخل الخيوط وتلتف وتغيم تمامًا.. الأسماء تحف بالمهابة وتكتظ بالإشارات والرموز والمرموزات «الجليلة» و«نجية» و«فرحة» و«راضى» و«الميت» و«أبوجميل».. إلخ، وكأن هانى القط لا تغيب عنه أبدًا عبقرية الفن وإيماءاته وغمزاته حتى فى اختيار الأسماء وما تلمح له أو تومئ به.

(4)
إلى هنا، وروايات كثيرة يمكن أن تخوض تجربة بناء شاهقة ومعقدة مثل تلك التى خاضها هانى القط فى «تاج شمس»، لكن مهلًا، ففى ظنى أن هذا البناء المتراكب الذى يستعرض سيرة أجيال من أبناء القرية وغربائها ووافديها، من «الجليلة« إلى أحفادها، ويمتد زمانًا لبضع عشرة سنة، ويجول ويصول محلقا بالخيال فى فضاءات تنتقل من القرية القابعة على حافة النهر إلى ما لا يحد.. أقول إن هذا البناء المتكاثف المركب لم يكن ليكتمل إلا إذا توافر كاتب محترف يمسك بخيوطه كلها ببراعة، ولا تفلت منه أبدًا، مهما بدت كثرتها وتداخلها وتعقدها،
عند هذا الحد يظهر الفارق بين الكاتب الهاوى غير المتعمق وغير المدرك لتعقيدات عملية السرد وضروراته وقوانينه التى تنبثق من الحكاية/الحكايات التى يرويها، وبين الكاتب المبدع المقتدر «المدرب» صاحب الموهبة والفطرة والذائقة التى نالت تدريبا عاليًا بالقراءة وخبرات المطالعة والإمداد الجمالى والإبداعى فى نماذج الكتابة العالية عبر العصور.
وأحسب أن مؤلف هذه الرواية البديعة ينتمى إلى هذا الصنف الثانى من الكتاب المجيدين البارعين..
(وللحديث بقية)