الذين لا يرفعون الرايات البيضاء: أبو الغار مثالا - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الخميس 22 أكتوبر 2020 11:36 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

الذين لا يرفعون الرايات البيضاء: أبو الغار مثالا

نشر فى : الأحد 6 سبتمبر 2020 - 10:30 م | آخر تحديث : الأحد 6 سبتمبر 2020 - 10:30 م

بإلهام الدراما نفذت بصيرة كاتب سيناريو لما قد يحدث فى المستقبل من تجهيل بكل ما له قيمة أثرية ومعمارية بالهدم والاستثمار فى مواضعه ببناء عمارات ومولات تجارية وفنادق ومنتجعات سياحية.
ما هو متخيل فى مسلسل «الراية البيضاء» لمؤلفه «أسامة أنور عكاشة»، الذى بث على شاشات التلفزيون عام (1988)، تجسد واقعا فى سنوات حكم «حسنى مبارك» الأخيرة.
فى الدراما المتخيلة تبدت رغبة مستميتة من سيدة أعمال تعمل فى تجارة الأسماك، راكمت ثروتها من أعمال غير مشروعة، لشراء فيللا لها قيمة أثرية ومعمارية، يمتلكها سفير سابق، لبناء عمارة شاهقة مكانها.
بدت سيدة الأعمال «فضة المعداوى»، التى لعبت دورها الفنانة القديرة الراحلة «سناء جميل»، تعبيرا عن نوع من الثقافة رافقت الانفتاح الاقتصادى سادتها السوقية والاستهتار بمواطن الجمال وضرورات ترقية الذوق العام.
فى مشاهد مقاربة وجدنا أنفسنا عام (2003) أمام مشروع لهدم جامعة الإسكندرية العريقة، لا فيللا صغيرة لها قيمة أثرية.
اللاعبون الجدد: رجال أعمال نافذون فى السلطة العليا وقيادات فيها متورطون فى خفايا لعبة البيزنس ــ بعضهم حصل على أعلى الدرجات العلمية من جامعات الولايات المتحدة وأوروبا، متأنقون، ويتقنون الاتيكيت وأحاديث الصالونات، لكنهم ــ مثل المعلمة «فضة المعداوى» ــ يعادون كل ما له قيمة أثرية ومعمارية، مادام بيعه وهدمه يؤدى إلى مزيد من مراكمة الثروات.
لم يستند قرار هدم مبانى الجامعة، ولا مستشفاها التعليمى فى الشاطبى، الذى يخدم قطاعات واسعة من مواطنى المدينة، على أية حيثيات مقنعة ومتماسكة.
كانت تلك إرادة عليا باسم توسيع حرم مكتبة الإسكندرية!
فى المرتين، المتخيل والواقعى، جرى التصدى لمشروع الهدم بالاحتجاج والاعتصام بعين المكان أمام سطوة البلدوزرات.
كانت المفارقة أن قائدى الاحتجاجين حملا الاسم نفسه: «أبو الغار».
خطر لى أن أسأل مؤلف العمل الدرامى «أسامة أنور عكاشة»، والوقائع الحية ماثلة أمامنا: «هل كان تشابه الأسماء مصادفة، أم أنك استلهمت مقومات شخصية الدكتور محمد أبو الغار فى بناء شخصية بطل المسلسل السفير مفيد أبو الغار؟».
قال: «لا.. لم أكن أعرف محمد فى ذلك الوقت، لكن لا تنس أن مصر مليئة بمثل هذه الشخصيات» ــ قاصدا الذين تحكمهم قيم الضمير الإنسانى وينحازون للجمال فى مواجهة القبح ومستعدون أن يمضوا إلى النهاية دون أن يرفعوا الرايات البيضاء.
سألته أن يكتب لـ«العربى» فى المساحة بين المتخيل والواقعى.
قال: «ليس قبل أن تكتب أنت».
هذا ما حدث فعلا فى مارس (2004).
المثير إلى درجة قد لا تصدق أن الشخصيتين الحقيقية «محمد أبو الغار» والمتخيلة «مفيد أبو الغار»، الذى لعب دوره الفنان الراحل «جميل راتب»، لهما نفس الطبائع والمقومات، كأن العمل الفنى سيرة ذاتية مستوحاة.
كلاهما يستند على نجاح مهنى كبير فى مجاله، أولهما ــ أستاذ فى طب النساء والتوليد رائد فى أطفال الأنابيب وسمعته المهنية والعلمية تسبقه إلى الجامعات الأمريكية والأوروبية.. وثانيهما ــ سفير سابق، له خبرة واسعة فى العمل الدبلوماسى أكسبته مكانة دولية.
كلاهما لديه ولع بالموسيقى الكلاسيكية والفنون التشكيلية، يحتضن المواهب ويشجعها، يتذوق ويقتنى دون أن يعزف أو يرسم.
قبل عام أصدر الدكتور «محمد أبو الغار» مجلدا مصورا لمقتنياته التشكيلية تضم (318) عملا نادرا مختارا بذوق رفيع لكبار الفنانين المصريين كـ«محمود مختار» و«راغب عياد» و«حامد ندا» و«عبدالهادى الجزار» و«جمال السجيني» و«تحية حليم» و«سمير رافع» و«أدهم وسيف وانلي» و«جاذبية سري» و«انجى أفلاطون» و«صبرى راغب» و«جورج البهجوري» و«فاروق حسني».
مجموعة مقتنياته تستحق أن تكون متحفا مصغرا بالنظر إلى قيمتها وتنوع مدارسها وأسماء مبدعيها ــ على ما يرى الناقد التشكيلى «سمير غريب».
بروح الفنان الكامن فيه تصدى لمشروع هدم جامعة الإسكندرية ومستشفاها التعليمى مع مجموعة كبيرة من أساتذة الجامعات قدموا من القاهرة فى عربة قطار للاحتجاج بعين المكان.
كان ذلك باسم جماعة (9) مارس لاستقلال الجامعات، الذى هو مؤسسها وأبوها الروحى.
وبروح المثقف الشغوف بتاريخ بلاده وصفحاته المجهولة أصدر كتابين فى توقيت متزامن، وهو يدخل عامه الثمانين.
فى الكتاب الأول عن دار الشروق ــ «أمريكا وثورة 1919» دخل إلى مناطق لم يسبقه إليها أحد فى قراءة أوراق ووثائق ثورة (1919) على كثرة ما كتب عن هذه الثورة، كما يلاحظ المؤرخ المعروف «أحمد زكريا الشلق»، رغم أنه ليس مؤرخا.
أطل على الوثائق الأمريكية، ترجم محاضر اجتماعات لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ وكشف «سراب وعد ويلسون»، الذى أقر بحق الشعوب فى تقرير مصيرها عقب الحرب العالمية الأولى، قبل أن يخذل القضية المصرية.
بالانتساب السياسى والفكرى فهو أقرب إلى الليبرالية المصرية، وإلى تجربة حزب الوفد على عهد زعيمه «مصطفى النحاس»، لكنه لم يعهد عنه أى انتساب حزبى.
هو أقرب بروحه إلى «الطليعة الوفدية» وبأفكاره إلى الاشتراكية الديمقراطية.
له تحفظات جوهرية على طبيعة نظام ثورة (23) يوليو، لكن أفكاره الرئيسية تتقارب مع توجهات مشروعها فى جوانب عديدة.
بعد ثورة «يناير» (2011) أسس وترأس الحزب الديمقراطى والاجتماعى بداعى المساعدة فى إحياء الحياة السياسية بعد طول موات، لكنه سرعان ما استقال، فالعمل الحزبى ليس مكانه الطبيعى.
هو رجل اكتسب قيمته العامة من ريادته فى مجاله وتخصصه وانشغاله بالوقت نفسه بمستقبل بلاده وحقها أن تنتسب إلى عصرها ببناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة تتأكد فيها قيم المواطنة والحقوق المتساوية وحرية البحث العلمى واستقلال الجامعات والقضاء.
فى الكتاب الثانى عن دار الشروق أيضا ــ «الوباء الذى قتل 180 ألف مصرى»، قاصدا «الإنفلونزا الإسبانية»، التى اجتاحت العالم عند نهايات الحرب العالمية الأولى وما بعدها.
أهميته فى جدة موضوعه كاشفا عما هو مجهول بالتاريخ السياسى والصحى المصرى، بالاستناد إلى وثائق ومستندات الصحة العمومية فى مصر بين عامى (1914) و(1927) مكتوبة باللغة الإنجليزية، التى حصل عليها بتعقب المصادر وعلاقاته الأكاديمية الدولية.
لو قدر للسيناريست الراحل «أسامة أنور عكاشة» أن يكتب جزءا ثانيا من «الراية البيضاء» ربما أضاف عمقا إنسانيا وفكريا لشخصية بطله المتخيل لتأكيد ما يستحق الاحتفاء به من معانٍ وقيم نحتاجها.