أمريكا أيضا تعيد اتزانها الاستراتيجى - معتمر أمين - بوابة الشروق
الأحد 11 يناير 2026 5:20 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

أمريكا أيضا تعيد اتزانها الاستراتيجى

نشر فى : الأربعاء 7 يناير 2026 - 8:30 م | آخر تحديث : الأربعاء 7 يناير 2026 - 8:30 م

 

أصدرت الولايات المتحدة إعلان عام 1823 عرف باسم مبدأ مونرو، نسبة للرئيس الأمريكى جيمس مونرو، يحذر الدول الأوروبية من محاولات الاستعمار أو التدخل فى شئون الأمريكيتين. ولكى تصدر دولة مثل هذا الإعلان، فإنها تتحمل تبعاته، وتعرف أن فشلها فى تنفيذه لا ينتقص فقط من قدراتها ووزنها أمام الآخرين، بل يزيد الجرأة عليها.

لقد خضعت هذه السياسة الخارجية الأمريكية لاختبارات طيلة قرنين من الزمان، كان أشدها فى مرحلة الحرب الباردة (1947-1991) عندما انتشرت الأيديولوجيا الاشتراكية المدعومة من الاتحاد السوفيتى فى عدة دول بأمريكا اللاتينية، وفق ما اعتبرته الولايات المتحدة اعتداءً لا تسمح به فى حديقتها الخلفية. فما كان منها إلا قيادة عمليات تغيير بمختلف أساليب الترهيب، كان أشرسها الانقلابات الداخلية التى قادتها المخابرات المركزية الأمريكية فى كوستاريكا 1948، غواتيمالا 1954، تشيلى 1973، نيكاراغوا حتى عام 1990، ثم غزو بنما عسكريا عام 1989. وأعادت هذه العمليات فى نهاية المطاف الهيمنة الأمريكية على الأمريكتين.

• • •

من هذا المسار الطويل الذى انتهجته الولايات المتحدة، استطاع بعض المفكرين تطوير نظرية الواقعية فى العلاقات الدولية (العالم كما هو)، وطرحوا فكرة المهيمن الإقليمى. وفق هذه النظرية، تسعى القوة المهيمنة فى أى إقليم إلى منع ظهور منافسين محليين قادرين على تحدى سيطرتها. وتطورت هذه النظرية مع تطور الأحداث، حيث بدأت من فكرة أن الدولة المهيمنة إقليميًا ستسعى للحفاظ على تفردها فى منطقتها، ثم توسعت لتشمل منع ظهور أى قوة منافسة فى محيطها الإقليمى لضمان هيمنتها، وصولا إلى أن القوى الكبرى تسعى لتصبح مهيمنة فى إقليمها، وتمنع أى منافس آخر من الصعود والانفراد فى أى إقليم آخر بالعالم! ومن هذه النظرية نفهم مسار صعود الولايات المتحدة إلى مستوى القوى العظمى، مع ملاحظة أن هيمنتها الحالية ليست عالمية وإنما إقليمية يصاحبها نفوذ عالمى، تسعى من خلاله لمنع أى قوة أخرى من الانفراد بأى إقليم آخر، فى أوروبا، أو آسيا، أو حتى فى الشرق الأوسط، كما تسعى لمحاصرة أى نفوذ خارجى فى الأمريكتين لأنها تعلم التبعات.

لذلك تنظر الولايات المتحدة للدول المنخرطة فى مجموعة البريكس بنظرة التوجس، إذ تدرك أن الصين وروسيا توسعان نفوذهما فى دول الجنوب العالمى باستعمال هذه المنظمة، خاصة عبر الاستثمار، والتمويل، والتعاون السياسى والعسكرى، لهذا السبب تحاول فك الارتباط بين دول أمريكا اللاتينية وبين الصين. لكنها تواجه تحديات هائلة، فلا تكاد تستعيد نفوذها فى البرازيل، حتى يخسر الرئيس المقرب منها جايير بولسونارو (2019-2022) ويعود الرئيس لولا دى سيلفا عام 2023. علما بأن بولسونارو لم يستطع وقف الاستثمارات الصينية فى بلاده خلال فترة حكمه، نظرًا لضخامتها وتأثيرها البنيوى فى الاقتصاد البرازيلى، فالصين تُعد الشريك التجارى الأول للبرازيل منذ عام 2009. وفى الأرجنتين، نجحت واشنطن نسبيًا فى تعزيز نفوذها بعد تولى الرئيس خافيير مايلى الحكم فى ديسمبر 2023، الذى يتبنى توجهات اقتصادية ليبرالية متماشية مع المؤسسات المالية الغربية، وما إن تولى الحكم حتى أعلن فى يناير 2024 رفضه لتلبية الدعوة الرسمية للانضمام إلى مجموعة بريكس وأعلن الانسحاب منها. ولكن سياساته الاقتصادية التى ينتهجها تضمنت إجراءات تقشفية وإصلاحات ليبرالية صارمة، أدت إلى احتجاجات شعبية فى إبريل 2025 ردًا على سياسات الحكومة، كما واجه مايلى فى نوفمبر 2025 اتهامات من لجنة برلمانية بتحقيق فى قضية ترويج العملة المشفرة ديم (ليبرا سابقًا) التى انهارت سريعًا بعد دعمه لها على منصات التواصل، واعتبرت اللجنة أن هذا قد يكون نوعًا من الاحتيال. يُنذر كل ذلك باحتمالية سقوطه فى الانتخابات التالية، ومن ثم تراجع الهيمنة الأمريكية مجددا.

هناك دول أخرى فى أمريكا اللاتينية لم تنضم إلى البريكس لكنها نسجت شراكات متينة مع الصين وروسيا فى مجالات التجارة والاستثمار والبنية التحتية والأمن، حيث فتحت أبوابها أمام الشركات الصينية وأصبحت جزءًا من شبكة العلاقات الاقتصادية الصينية فى المنطقة، بما يتماشى مع مبادرة الحزام والطريق. وتتصدر دول مثل نيكاراجوا وبنما وفنزويلا سياق هذه الشراكات، بينما تسعى روسيا لتعزيز علاقاتها السياسية، والأمنية معهم.

• • •

لقد تنبهت الولايات المتحدة إلى هذا التوسع فى النفوذ الصينى منذ بداية رئاسة ترامب الثانية فى يناير 2025 باعتباره تحديا لانفرادها الإقليمى يستوجب ردا استراتيجيا، ومن ثم اتخذت قرارًا بالمواجهة جاءت أولى خطواته عبر توجيه إنذار إلى بنما بخصوص القناة التى تُعتبر بالمنطق الترامبى، ملكية خاصة للولايات المتحدة تركتها وديعة لدى بنما، وتستطيع استردادها متى شاءت طالما استمر التواجد الصينى فى شئون القناة، رغم أن القناة تخضع قانونيًا للسيادة البنمية الكاملة منذ عام 1999، ولا تُعد ملكية أمريكية. أمام هذه التهديدات، تراجعت بنما فى فبراير 2025 وأعلنت عدم تجديد اتفاقياتها ضمن مبادرة الحزام والطريق التى كانت قد انضمت إليها عام 2017.

توالت الضغوط الأمريكى لترتيب المنطقة بما يتناسب مع المصالح الإسرائيلية، فما إن ارتفع صوت جوستافو بيترو، رئيس كولومبيا، فى سبتمبر الماضى أمام الجمعية العام للأمم المتحدة منددا، مثل كثيرين غيره من رؤساء أمريكا الجنوبية، بحرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين حتى اعتبرته واشنطن خطرًا يجب التصدى له، فقد أعلن ترامب أن تصريحات بيترو تشجع الإرهاب، لاسيما بعدما قاد مظاهرة فى نيويورك دعا فيها إلى عصيان أوامر الرئيس الأمريكى، فقامت السلطات بإلغاء تأشيرته لمغادرة البلاد، ثم وصل الأمر لذروته بعدما اتهمته واشنطن بالتسامح مع إنتاج المخدرات، وهددت بفرض عقوبات وإجراءات أخرى، مما يعنى أنه قد يلقى نفس مصير الرئيس الفنزويلى. لذلك ردّ بيترو فى 5 يناير على هذه الاتهامات برفضها، وتعهد بحمل السلاح ردا على تهديدات ترامب.

وفى سياق متصل، هدد السيناتور الأمريكى ليندسى جراهام كوبا فى تصريح أمام وسائل إعلام بحضور ترامب من على متن طائرة الرئاسة الأمريكية قائلا «انتظروا فقط كوبا، أيامهم معدودة». قبل استكمال المقال، من فضلك انظر إلى موقع كل من كوبا، وفنزويلا، وكولومبيا على الخريطة.

فى هذا السياق ننظر إلى مسألة اختطاف نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، ونحاول فهم ما وراء ذلك. فالولايات المتحدة تعيد ترتيب فنائها وتضع أولويات للاستهداف، بدأتها ببنما بسبب القناة المتصلة بحركة البحرية الأمريكية، والآن فنزويلا المرتبطة بحجم احتياطات النفط. وقد تتبعها تحركات أخرى فى كوبا وكولومبيا لتحاصر النفوذ الصينى فى أمريكا الجنوبية بعيدا عن الكاريبى. بالتوازى ما زال ترامب يصرح بضم جرينلاند لأنها مسألة «أمن قومى»، ويبرر ذلك بسد الآفاق أمام أى نفوذ روسى، لاسيما بعد تآكل مساحة القطب الشمالى وفتح ممرات الملاحة التى تتيح الوصول السهل للأسطول الروسى إلى الأطلسى. لكن بالرغم من أن ترتيب العلاقة عبر الأطلسى على هذا النحو، يزعزع تماسك الناتو، لكن ترامب لا يبالى بذلك الآن لأنه يريد الاستعداد للقادم.

باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

 

معتمر أمين باحث في مجال السياسة والعلاقات الدولية
التعليقات