حول واقع اللغة العربية فى الفضاء الرقمى.. سؤال الهوية والمستقبل - صحافة عربية - بوابة الشروق
الجمعة 20 مارس 2026 6:59 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

حول واقع اللغة العربية فى الفضاء الرقمى.. سؤال الهوية والمستقبل

نشر فى : الجمعة 9 ديسمبر 2022 - 8:45 م | آخر تحديث : الجمعة 9 ديسمبر 2022 - 8:45 م
نشرت صحيفة الاتحاد الإماراتية مقالا للكاتب على بن تميم تناول فيه تدنى حضور اللغة العربية فى الفضاء الرقمى، وانعكاس هذا على حال لغتنا العربية الآن، مشيرا إلى تشجيع بعض الأسر العربية أبناءها على استخدام اللغة الأجنبية لغة التواصل والتعبير عن الذات بدلا من اللغة الأم (اللغة العربية)... نعرض من المقال ما يلى.
فى ظلّ التطور التكنولوجى الذى بات أداة محرّكة للعصر الذى نعيشه بمختلف أوجهه وقطاعاته، لم يعُدْ ممكنا التغافل عن حقيقة ضعف حضور اللغة العربية فى الفضاء الرقمى على الصعيدَين الكمّى والنوعى، فبحسب إحصائيات صادرة عن مؤسسات علميّة موثوق بها، يُقدَّر عدد الناطقين باللغة العربية بنحو 420 مليون شخص فى العالم. ووفقا لإحصائيات الاتحاد الدولى للاتصالات لعام 2021، بلغ عدد مستخدمى شبكة الإنترنت فى الدول العربية 291 مليونا، ولا تزيد نسبة المحتوى الرقمى المُنتَج باللغة العربية على 1.2 فى المائة.
وبصورة عامة، استقرَّت اللغة العربية خلال العقد الماضى فى المرتبة الأخيرة بين اللغات المهيمِنة على المحتوى المنشور فى شبكة الإنترنت، البالغ عددها 11 لغة. وتتوزَّع النسبة الضئيلة التى يمثلها المحتوى الرقمى باللغة العربية على عدد من اللهجات العربية، وفيها قَدْر كبير من المحتوى الترفيهى أو الاستهلاكى، أما المحتوى المتخصص منها، فيعوز كثيرا منه الانضباطُ العلمى اللازم، وتغيب عنه قواعد التوثيق المتعارفة.
ولا تؤشّر هذه الأرقام إلى تدنٍّ واضح فى حضور اللغة العربية بالمحتوى الرقمى فقط، بل أيضا إلى العلاقات غير المنطقية التى تشِى بها بين العدد والأثر، والكم والكيف، والاستهلاك والإنتاج، وتفتح أبواب الهُجْنة والسؤال، وتجعل العمل واجبا لا يجوز التأخر عنه. وتشير الإحصائيات المبدئية لاستخدامات العرب مواقعَ التواصل الاجتماعى التى تُعَدُّ الواجهة الأكثر انتشارا للتطور التكنولوجى، إلى أن كثيرا منهم لا يستخدمون اللغة العربية فى مراسلاتهم والتواصل بينهم، فضلا عن قلة المحتوى العربى المنضبط.
وأمام هذه الملامح التى يبدو أنها تُمثّل ظاهرة تستحق الدراسة يَفرض سؤال «الوجاهة» التقليدى الذى طرحه علماء الاجتماع عبر العقود، نفسه: هل يؤشّر استخدام لغات أجنبية إلى وجاهة اجتماعية ما؟ ويتولّد منه مقلوب السؤال: هل تخلو صورة اللغة العربية الذهنية من هذه الوجاهة؟ ومن ثَمَّ نتساءل: لماذا؟ لِنُدِرْ مفاتيح البحث العلمى.
عندما يفاخر الأوروبى مثلا بلغته، وينأى عامدا عن استخدام المفردات الأجنبية، ويتسلّح بكلماته ومفرداته فى مواجهة العالم، فإنه يفعل ذلك انطلاقا من شعوره بالانتماء إلى أصل ما يميزه، فى حين أن العكس يحدُث فى عدد من المجتمعات العربية المعاصرة.
ولا أودُّ استسهال استخدام مقولة واضع علم الاجتماع، المفكر العربى الكبير ابن خلدون: «إن المغلوب مولَع أبدا بالاقتداء بالغالب فى شعاره وزيّه ونحلته، وسائر أحواله وعوائده»، وإن كنت أرى فى الأمر شيئا من هذا يحتاج إلى مزيد من البحث، ولكنْ ــ بلا شك ــ نحن فى حاجة إلى عمل منضبط ودءوب لاستعادة ثقة الأجيال بمكوِّنات هويتهم، وفى مقدمتها لغتهم.
إن إعادة تعبئة الصورة الذهنية للغة العربية عند أهلها، بما لها من منجَز عظيم ومكانة كبيرة، أمر لا مفر منه إذا كان هدفنا مشاركة اللغة العربية الفاعلة فى الفضاء الرقمى، فالمشاركة لن تحدُث من فراغ، ويلزمها مشاركون مؤمنون بما يقومون به، وقادرون على التعبير عن ذواتهم ورؤاهم للعالم بمفردات لغتهم.
ولا فائدة من إنكار أن اللغة الإنجليزية هى لغة الإنتاج العلمى فى كثير من المجالات فى هذا العصر، ولا نقلل كذلك من أهمية تعلم، بل إتقان هذه اللغة وغيرها من لغات العالم بصفتها بوابات إلى الثقافات والحضارات. وأظنُّ أن معظم دول العالم تشجّع أبناءها على تلقى تعليم منظّم وممنهج للغات أخرى إلى درجة الإتقان، ولكنْ لا أحد يترك ثقافته ولغته عرضة لتأثيرات لغات أخرى مهما بلغت درجة حضورها فى حقول العلم والمعرفة.
والمستغرب أن كثيرا من الأسر فى مجتمعات عربية عديدة باتت تتسابق لتعليم أبنائها لغات أخرى، ليس عبر إلحاقهم بمؤسسات تعليمية تنتهج أنظمة بلغات أخرى فقط، بل بتغيير نمط الحياة والتواصل والتفكير إلى المحتوى الفكرى والثقافى الذى تحمله تلك اللغات أيضا، فلا يعود الأبناء قادرين على التواصل أو التفكير أو الإنتاج باللغة العربية، كما أنهم ــ بلا شك ــ لا يعودون قادرين على الإبداع بها أو فيها.
ومن ثَمَّ، فإن دراسة الدوافع وراء هذا السلوك أمر لا مفر منه، ولا شك فى أن ثمَّة تشابكات بين العوامل الاجتماعية والثقافية والسياسية فى هذه الدوافع، وعلينا معرفتها بدقة علمية كافية للتعامل معها، ووضع الخطط اللازمة لتفكيكها وعلاجها.
وتُمثّل حال اللغة العربية فى الفضاء الرقمى الافتراضى انعكاسا لواقعها الحقيقى، ومن ثَمَّ علينا أن نحول اعتزازنا بلغتنا ــ بصفتها خزانة ثقافتنا وتاريخنا وتراثنا، وأداة تعبيرنا وإنتاجنا فنّا وعلما ــ إلى عمل فعلى على أرض الواقع، ومبادرات ومشروعات لتعزيز حضور اللغة العربية فى جميع تفاصيل الحياة والعمل والتواصل، وتنمية قدرات الأجيال الجديدة على استخدام اللغة العربية للتعبير عن ذواتها ورؤاها وأفكارها وإبداعاتها، وستنعكس هذه الجهود ــ بلا شك ــ فى الفضاء الرقمى تفاعلا كبيرا، وحضورا مختلفا فى الكمّ والنوع والتأثير.
التعليقات